العدد : ١٧٧٣٥ - الثلاثاء ١٣ أكتوبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٢ جمادى الاول ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٧٣٥ - الثلاثاء ١٣ أكتوبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٢ جمادى الاول ١٤٤٨هـ

المال و الاقتصاد

اقتصاد الانتباه.. كيف يتحول وقتك إلى ملايين تجنيها الشركات؟
مئات الشركات تتصارع من أجل اقتطاع لحظات من انتباهك.. لماذا؟

الثلاثاء ١٣ أكتوبر ٢٠٢٦ - 02:00

كل‭ ‬تمريرة‭ ‬إصبع‭ ‬في‭ ‬المنصات‭ ‬يقف‭ ‬خلفها‭ ‬مختصون‭ ‬يصممون‭ ‬‮«‬أقفاصا‮»‬‭ ‬تستغل‭ ‬نقاط‭ ‬ضعف‭ ‬دماغك‭!‬

ترتفع‭ ‬إيرادات‭ ‬شركات‭ ‬التقنية‭ ‬بارتفاع‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬استنزاف‭ ‬أوقاتنا

710‭ ‬مليارات‭ ‬دولار‭ ‬حجم‭ ‬سوق‭ ‬الإعلانات‭ ‬القائم‭ ‬على‭ ‬خوارزميات‭ ‬الانتباه


 

تقرير‭: ‬محمد‭ ‬الساعي

 

هل‭ ‬تصدق‭ ‬ان‭ ‬‮«‬انتباهك‮»‬‭ ‬بات‭ ‬اليوم‭ ‬يمثل‭ ‬السلعة‭ ‬الأكثر‭ ‬قيمة‭ ‬والأكثر‭ ‬تنافسا‭ ‬بين‭ ‬الشركات‭ ‬التجارية؟‭.‬

ففي‭ ‬عصر‭ ‬تهيمن‭ ‬عليه‭ ‬الرقمنة‭ ‬والذكاء‭ ‬الاصطناعي،‭ ‬تغيرت‭ ‬قواعد‭ ‬اللعبة‭ ‬التجارية‭ ‬تماما‭. ‬بل‭ ‬تغير‭ ‬حتى‭ ‬مفهوم‭ ‬السلعة‭ ‬التجارية‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬مجرد‭ ‬منتج‭ ‬مادي‭ ‬يشترى‭ ‬ويباع‭. ‬

نعم،‭ ‬فالمبدأ‭ ‬الذي‭ ‬باتت‭ ‬الشركات‭ ‬الكبرى‭ ‬تعتمد‭ ‬عليه‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬لفت‭ ‬انتباهك،‭ ‬والحصول‭ ‬على‭ ‬جزء‭ ‬ليس‭ ‬بالقليل‭ ‬من‭ ‬وقتك‭ ‬وتركيزك،‭ ‬يعتبر‭ ‬بضاعة‭ ‬لها‭ ‬قيمتها‭ ‬وخاصة‭ ‬في‭ ‬سوق‭ ‬الإعلانات‭. ‬وبالتالي‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬الانتباه‭ ‬مجرد‭ ‬تركيز‭ ‬ذهني‭ ‬عابر،‭ ‬بل‭ ‬أداة‭ ‬تُقاس‭ ‬بها‭ ‬أرباح‭ ‬عمالقة‭ ‬التقنية‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬قدرتهم‭ ‬على‭ ‬تحويل‭ ‬الوقت‭ ‬الذي‭ ‬تستغرقه‭ ‬في‭ ‬التطبيقات‭ ‬والمنصات‭ ‬وشاشة‭ ‬الهاتف‭ ‬الذكي،‭ ‬إلى‭ ‬خوارزميات‭ ‬إعلانية‭ ‬ذكية‭. ‬وتبعا‭ ‬لذلك،‭ ‬ترتفع‭ ‬إيرادات‭ ‬الشركات‭ ‬التقنية‭ ‬بارتفاع‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬استنزاف‭ ‬أوقاتنا‭. ‬ولم‭ ‬يعد‭ ‬التنافس‭ ‬مقتصرا‭ ‬على‭ ‬جودة‭ ‬السلعة‭ ‬بقدر‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬يصفه‭ ‬الاختصاصيون‭ ‬بـ«تجميد‭ ‬إصبع‭ ‬المستخدم‮»‬‭ ‬فوق‭ ‬الشاشة‭ ‬مدة‭ ‬اطول‭. ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬بات‭ ‬يعرف‭ ‬اصطلاحا‭ ‬باقتصاد‭ ‬الانتباه‭.‬

اقتصاد‭ ‬الانتباه

يعرف‭ ‬اقتصاد‭ ‬الانتباه‭ ‬بأنه‭ ‬نظام‭ ‬اقتصادي‭ ‬يُعامل‭ ‬فيه‭ ‬التركيز‭ ‬الذهني‭ ‬ووقت‭ ‬الإنسان‭ ‬كسلعة‭ ‬نادرة‭ ‬وأثمن‭ ‬ما‭ ‬يُملك‭. ‬حيث‭ ‬تتنافس‭ ‬المنصات‭ ‬والتطبيقات‭ ‬الرقمية‭ ‬على‭ ‬جذب‭ ‬أكبر‭ ‬قدر‭ ‬ممكن‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬الانتباه‭ ‬وتحويله‭ ‬إلى‭ ‬أرباح‭ ‬مالية‭ ‬ضخمة‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬بيعه‭ ‬للمعلنين‭.‬

لذلك،‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الخدمات‭ ‬الرقمية،‭ ‬لا‭ ‬يدفع‭ ‬المستخدم‭ ‬المال‭ ‬مباشرة،‭ ‬ولكن‭ ‬تجني‭ ‬الشركات‭ ‬الملايين‭ ‬من‭ ‬المعلنين‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬بيع‭ ‬فرص‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬انتباهك‭.‬

ومما‭ ‬ساعد‭ ‬على‭ ‬ارتفاع‭ ‬ثمن‭ ‬‮«‬الانتباه‮»‬‭ ‬كسلعة،‭ ‬هو‭ ‬معادلة‭ (‬الوفرة‭ ‬والندرة‭). ‬ففي‭ ‬السابق‭ ‬كانت‭ ‬المعلومات‭ ‬هي‭ ‬السلعة‭ ‬الثمينة‭ ‬والنادرة‭. ‬ولكن‭ ‬باتت‭ ‬اليوم‭ ‬متاحة‭ ‬ومتوافرة‭ ‬للجميع‭. ‬وبالمقابل‭ ‬أصبح‭ ‬التركيز‭ ‬والانتباه‭ ‬هو‭ ‬المورد‭ ‬الثمين‭. ‬وخاصة‭ ‬أن‭ ‬الوقت‭ ‬الذي‭ ‬يقضيه‭ ‬الانسان‭ ‬على‭ ‬المنصات‭ ‬والتطبيقات‭ ‬محدود‭ ‬مهما‭ ‬طال‭ ‬من‭ ‬ساعات،‭ ‬لأن‭ ‬مئات‭ ‬الشركات‭ ‬والمعلنين‭ ‬يتصارعون‭ ‬من‭ ‬اجل‭ ‬اقتطاع‭ ‬أجزاء‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الساعات‭ ‬اليومية‭. ‬ويتم‭ ‬ذلك‭ ‬بمراحل‭:‬

1-‭ ‬جذب‭ ‬المستخدمين‭ ‬للمنصة‭ ‬او‭ ‬التطبيق‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬محتوى‭ ‬وخدمات‭ ‬سهلة‭ ‬الوصول‭ ‬ومجانية‭ ‬في‭ ‬الغالب‭.‬

2-‭ ‬تصميم‭ ‬التطبيقات‭ ‬بحيث‭ ‬تحافظ‭ ‬على‭ ‬بقاء‭ ‬المستخدم‭ ‬أطول‭ ‬وقت‭ ‬ممكن‭.‬

3-‭ ‬تحليل‭ ‬مؤشرات‭ ‬الاستخدام‭ ‬مثل‭ ‬المشاهدات‭ ‬والنقرات‭ ‬ومدة‭ ‬التصفح‭ ‬والاهتمامات‭. ‬

4-‭ ‬بيع‭ ‬مساحة‭ ‬إعلانية‭ ‬أو‭ ‬وصول‭ ‬موجّه‭ ‬الى‭ ‬المعلنين‭. ‬ويدفع‭ ‬المعلن‭ ‬مقابل‭ ‬عدد‭ ‬مرات‭ ‬الظهور‭ ‬أو‭ ‬النقرات‭. ‬

5-‭ ‬ارتفاع‭ ‬حجم‭ ‬الجمهور‭ ‬وتفاعله‭ ‬يرفع‭ ‬قيمة‭ ‬الشركة‭. ‬حيث‭ ‬لا‭ ‬يقف‭ ‬الأمر‭ ‬عند‭ ‬أرباح‭ ‬الإعلانات‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬يتعداه‭ ‬إلى‭ ‬تقييم‭ ‬الشركات‭ ‬بالبورصة‭ ‬وفقا‭ ‬لمؤشرات‭ ‬مقياس‭ ‬الانتباه‭ ‬وعدد‭ ‬المستخدمين‭ ‬النشطين‭ ‬يوميًا‭ ‬وشهريًا‭ ‬ومتوسط‭ ‬الإيراد‭ ‬لكل‭ ‬مستخدم‭ ‬معدل‭ ‬الدقائق‭ ‬التي‭ ‬يقضيها‭ ‬المستخدم‭ ‬يوميًا‭ ‬داخل‭ ‬المنصة‭.‬

وكلما‭ ‬أثبتت‭ ‬المنصة‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬احتجاز‭ ‬انتباه‭ ‬عدد‭ ‬أكبر‭ ‬من‭ ‬الأفراد‭ ‬ولفترات‭ ‬أطول،‭ ‬كلما‭ ‬ارتفعت‭ ‬ثقة‭ ‬المستثمرين‭ ‬فيها،‭ ‬ما‭ ‬يرفع‭ ‬أسهمها‭ ‬وقيمتها‭ ‬السوقية‭.‬

والنتيجة‭ ‬ان‭ ‬كل‭ ‬ثانية‭ ‬يقضيها‭ ‬المستخدم‭ ‬في‭ ‬مشاهدة‭ ‬منشور،‭ ‬أو‭ ‬النقر‭ ‬على‭ ‬رابط،‭ ‬أو‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬منتج،‭ ‬تُسجل‭ ‬كبيانات‭ ‬دقيق‭ ‬لها‭ ‬قيمتها‭.‬

ويتم‭ ‬جمع‭ ‬هذه‭ ‬البيانات‭ ‬في‭ ‬ملف‭ ‬يحدد‭ ‬اهتمامات‭ ‬المستخدم‭ ‬وميوله‭ ‬وخريطة‭ ‬انفعالاته،‭ ‬وحتى‭ ‬الأوقات‭ ‬التي‭ ‬يكون‭ ‬فيها‭ ‬أكثر‭ ‬عرضة‭ ‬للشراء‭.‬

وبدل‭ ‬تقديم‭ ‬إعلان‭ ‬تلفزيوني‭ ‬عام،‭ ‬تُباع‭ ‬ثوانٍ‭ ‬معدودة‭ ‬من‭ ‬انتباه‭ ‬شخص‭ ‬محدد‭ ‬لمعلن‭ ‬يبحث‭ ‬عن‭ ‬ذلك‭ ‬الشخص‭ ‬بالتحديد‭.‬

منافس‭ ‬قوي

السؤال‭ ‬هنا،‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬حجم‭ ‬الإنفاق‭ ‬الإعلاني‭ ‬العالمي‭ ‬القائم‭ ‬على‭ ‬شراء‭ ‬انتباه‭ ‬المستخدمين‭.‬

عندما‭ ‬ننظر‭ ‬الى‭ ‬حجم‭ ‬السوق‭ ‬الإعلاني‭ ‬العالمي،‭ ‬نجد‭ ‬أن‭ ‬إجمالي‭ ‬الإنفاق‭ ‬الإعلاني‭ ‬العالمي‭ ‬بات‭ ‬يصل‭ ‬الى‭ ‬حاجز‭ ‬1‭.‬34‭ ‬تريليون‭ ‬دولار‭.‬

والملفت‭ ‬هنا‭ ‬ان‭ ‬المنصات‭ ‬الرقمية‭ ‬بما‭ ‬فيها‭ ‬تطبيقات‭ ‬التواصل‭ ‬ومحركات‭ ‬البحث‭ ‬والفيديوهات،‭ ‬تستحوذ‭ ‬على‭ ‬نحو‭ ‬72‭%‬‭ ‬من‭ ‬إجمالي‭ ‬هذا‭ ‬الإنفاق‭.‬

فيما‭ ‬يُقدر‭ ‬حجم‭ ‬سوق‭ ‬الإعلانات‭ ‬الرقمية‭ ‬القائم‭ ‬على‭ ‬خوارزميات‭ ‬الانتباه‭ ‬بأكثر‭ ‬من‭ ‬680‭ ‬إلى‭ ‬710‭ ‬مليارات‭ ‬دولار،‭ ‬بزيادة‭ ‬تجاوزت‭ ‬50‭%‬‭ ‬مقارنة‭ ‬بمستويات‭ ‬ما‭ ‬قبل‭ ‬سنوات‭ ‬قليلة‭.‬

وتسيطر‭ ‬ثلاث‭ ‬شركات‭ ‬تقنية‭ ‬كبرى‭ ‬على‭ ‬القسم‭ ‬الأكبر‭ ‬من‭ ‬انتباه‭ ‬البشرية‭ ‬المُموّل‭ ‬إعلانيًا‭ ‬وهي‭ (‬Alphabet‭/‬Google‭, ‬Meta‭, ‬Amazon‭). ‬حيث‭ ‬تستحوذ‭ ‬هذه‭ ‬الشركات‭ ‬الثلاث‭ ‬بمفردها‭ ‬على‭ ‬نحو‭ ‬60‭%‬‭ ‬من‭ ‬إجمالي‭ ‬الإنفاق‭ ‬الإعلاني‭ ‬العالمي‭ ‬خارج‭ ‬السوق‭ ‬الصيني‭. ‬وتعتمد‭ ‬أرباح‭ ‬هذه‭ ‬الشركات‭ ‬بالكامل‭ ‬تقريبًا‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬استبقاء‭ ‬المستخدم‭ ‬داخل‭ ‬تطبيقاتها‭ ‬مثل‭ ‬يوتيوب‭ ‬وإنستغرام‭ ‬وفيسبوك‭ ‬لأطول‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الساعات‭ ‬يوميًا‭.‬

وتشير‭ ‬التقديرات‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الشركات‭ ‬الإعلانية‭ ‬تنفق‭ ‬بمعدل‭ ‬140‭ ‬دولارًا‭ ‬سنوياً‭ ‬مقابل‭ ‬انتباه‭ ‬كل‭ ‬شخص‭ ‬على‭ ‬كوكب‭ ‬الأرض‭ ‬وفقا‭ ‬لطبيعة‭ ‬المنطقة‭ ‬والسوق‭ ‬والمنافسة‭. ‬حيث‭ ‬يصل‭ ‬هذا‭ ‬الرقم‭ ‬إلى‭ ‬ذروته‭ ‬في‭ ‬أسواق‭ ‬مثل‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬ليتجاوز‭ ‬1‭,‬300‭ ‬دولار‭ ‬سنوياً‭ ‬لكل‭ ‬فرد‭ ‬مقابل‭ ‬اقتناص‭ ‬انتباهه‭ ‬وإبقائه‭ ‬أمام‭ ‬الإعلانات‭ ‬الموجهة‭.‬

وتعتبر‭ ‬منصات‭ ‬الفيديوهات‭ ‬القصيرة‭ ‬مثل‭ ‬TikTok‭ ‬وReels‭ ‬وShorts‭ ‬هي‭ ‬الأعلى‭ ‬في‭ ‬معدلات‭ ‬النمو‭ ‬في‭ ‬اقتطاع‭ ‬أوقات‭ ‬المتابعين‭ ‬بنسبة‭ ‬تتجاوز‭ ‬21‭%‬‭ ‬سنوياً،‭ ‬متفوقة‭ ‬على‭ ‬التلفزيون‭ ‬والوسائط‭ ‬التقليدية‭.‬

كما‭ ‬تؤكد‭ ‬أظهرت‭ ‬الدراسات‭ ‬أن‭ ‬الإعلانات‭ ‬القصيرة‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تتجاوز‭ ‬6‭ ‬ثوانٍ‭ ‬تُحقق‭ ‬أعلى‭ ‬معدلات‭ ‬استجابة‭ ‬في‭ ‬اقتناص‭ ‬انتباه‭ ‬المستخدمين‭.‬

آليات‭ ‬الاقتناص

اذن‭ ‬يعتمد‭ ‬اقتصاد‭ ‬الانتباه‭ ‬إلى‭ ‬حد‭ ‬كبير‭ ‬على‭ ‬إدمان‭ ‬الشخص‭ ‬على‭ ‬التطبيقات‭ ‬والمنصات‭. ‬وهذا‭ ‬الإدمان‭ ‬لم‭ ‬يأت‭ ‬من‭ ‬فراع‭. ‬بل‭ ‬تعتمد‭ ‬الشركات‭ ‬على‭ ‬استراتيجيات‭ ‬نفسية‭ ‬وتقنية‭ ‬تعززه‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬ثلاث‭ ‬أدوات‭ ‬رئيسية‭. ‬

الأداة‭ ‬الأولى‭ ‬هي‭ ‬ما‭ ‬يعرف‭ ‬باللانهائية‭ ‬في‭ ‬التصفح‭. ‬فعندما‭ ‬يقرأ‭ ‬الشخص‭ ‬صحيفة‭ ‬أو‭ ‬مجلة‭ ‬أو‭ ‬كتابا،‭ ‬غالبا‭ ‬ما‭ ‬يكون‭ ‬هناك‭ ‬نهاية‭ ‬للفقرة‭ ‬او‭ ‬الباب‭ ‬او‭ ‬حتى‭ ‬الكتاب‭. ‬بحيث‭ ‬يقف‭ ‬القارئ‭ ‬قليلا‭ ‬أو‭ ‬يتوقف‭ ‬تماما‭. ‬ولكن‭ ‬في‭ ‬المنصات‭ ‬الرقمية،‭ ‬يتم‭ ‬تصميمها‭ ‬بحيث‭ ‬تخلو‭ ‬من‭ ‬نهاية‭ ‬الصفحة‭ ‬او‭ ‬الفقرة‭. ‬لذلك‭ ‬يتدفق‭ ‬المحتوى‭ ‬بلا‭ ‬نهاية‭. ‬وهذا‭ ‬كفيل‭ ‬بإزالة‭ ‬المؤشرات‭ ‬والحساسات‭ ‬الزمنية‭ ‬والجسدية‭ ‬التي‭ ‬تخبر‭ ‬الدماغ‭ ‬بأن‭ ‬الوقت‭ ‬قد‭ ‬انقضى‭.‬

والأداة‭ ‬الثانية‭ ‬هي‭ ‬استغلال‭ ‬هرمون‭ ‬‮«‬الدوبامين‮»‬‭ ‬في‭ ‬تعزيز‭ ‬الشعور‭ ‬بالمكافأة‭. ‬حيث‭ ‬تعتمد‭ ‬التطبيقات‭ ‬الحديثة‭ ‬على‭ ‬تقنية‭ ‬تُعرف‭ ‬بالمكافأة‭ ‬المتغيرة‭ ‬المتقطعة‭. ‬فالمتصفح‭ ‬لا‭ ‬يعرف‭ ‬بدقة‭ ‬ما‭ ‬الذي‭ ‬سيجده‭ ‬في‭ ‬المقطع‭ ‬القادم‭. ‬وهذا‭ ‬الترقب‭ ‬يحفز‭ ‬هرمون‭ ‬المتعة‭ ‬والتحفيز‭ (‬الدوبامين‭). ‬ففي‭ ‬كل‭ ‬مرة‭ ‬يظهر‭ ‬لك‭ ‬مقطع‭ ‬او‭ ‬مادة‭ ‬مهمة‭ ‬او‭ ‬ممتعة،‭ ‬يتلقى‭ ‬دماغك‭ ‬دفعة‭ ‬سريعة‭ ‬من‭ ‬الدوبامين،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يعزز‭ ‬عندك‭ ‬الشعور‭ ‬بأن‭ ‬‮«‬السحب‭ ‬والتمرير‭ ‬القادم‮»‬‭ ‬قد‭ ‬يحمل‭ ‬المكافأة‭ ‬التالية‭. ‬وهذا‭ ‬بحد‭ ‬ذاته‭ ‬كفيل‭ ‬بأن‭ ‬يوصلك‭ ‬بمرور‭ ‬الوقت‭ ‬إلى‭ ‬إدمان‭ ‬سلوكي‭ ‬قهري‭.‬

ثم‭ ‬تأتي‭ ‬الأداة‭ ‬الثالثة‭ ‬وهي‭ ‬الإشعارات‭ ‬الذكية‭. ‬فالتطبيقات‭ ‬لا‭ ‬تنتظر‭ ‬منك‭ ‬أن‭ ‬تفتحها،‭ ‬بل‭ ‬تصل‭ ‬اليك‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬لحظة‭ ‬وكل‭ ‬مكان‭. ‬وما‭ ‬إن‭ ‬تفتح‭ ‬التطبيق،‭ ‬حتى‭ ‬يبدأ‭ ‬التشغيل‭ ‬التلقائي‭ ‬للفيديو‭ ‬التالي‭ ‬خلال‭ ‬ثانية‭ ‬واحدة،‭ ‬وهذا‭ ‬لا‭ ‬يتيح‭ ‬الدماغ‭ ‬أخذ‭ ‬استراحة‭ ‬لاتخاذ‭ ‬قرار‭ ‬واعٍ‭ ‬بالإغلاق‭ ‬أو‭ ‬الانفصال‭ ‬عن‭ ‬الشاشة‭.‬

والخلاصة‭ ‬أن‭ ‬كل‭ ‬لحظة‭ ‬تقضيها‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬التطبيقات،‭ ‬وكل‭ ‬تمريرة‭ ‬إصبع‭ ‬تقوم‭ ‬بها،‭ ‬يقف‭ ‬خلفها‭ ‬مختصون‭ ‬وعلماء‭ ‬نفس‭ ‬ليصمموا‭ ‬‮«‬أقفاصاً‭ ‬رقمية‭ ‬ذكية‮»‬‭ ‬تستغل‭ ‬نقاط‭ ‬الضعف‭ ‬في‭ ‬الدماغ‭ ‬البشري‭.‬

يضاف‭ ‬الى‭ ‬ما‭ ‬سبق،‭ ‬هناك‭ ‬ما‭ ‬يعرف‭ ‬باقتصاد‭ ‬الترند،‭ ‬وهو‭ ‬تعمد‭ ‬صناعة‭ ‬المحتويات‭ ‬المثيرة‭ ‬للجدل‭ ‬لضمان‭ ‬التفاعل‭ ‬السريع‭. ‬حيث‭ ‬تشير‭ ‬الدراسات‭ ‬النفسية‭ ‬الى‭ ‬أن‭ ‬المشاعر‭ ‬السلبية‭ ‬أو‭ ‬المثيرة‭ ‬للصدام‭ ‬مثل‭ ‬الغضب‭ ‬والاستنكار‭ ‬أو‭ ‬الدهشة‭ ‬الشديدة،‭ ‬تحفز‭ ‬الدماغ‭ ‬البشري‭ ‬على‭ ‬التفاعل‭ ‬والمشاركة‭ ‬أسرع‭ ‬من‭ ‬المشاعر‭ ‬الهادئة‭ ‬أو‭ ‬الإيجابية‭.‬

وهذا‭ ‬ما‭ ‬تدركه‭ ‬الخوارزميات،‭ ‬لذلك‭ ‬تدفع‭ ‬بالمحتويات‭ ‬الاستفزازية‭ ‬أو‭ ‬المثيرة‭ ‬للجدل‭ ‬إلى‭ ‬واجهة‭ ‬شاشات‭ ‬ملايين‭ ‬المستخدمين‭.‬

أمام‭ ‬ذلك،‭ ‬‮«‬يتحول‭ ‬الفضاء‭ ‬الرقمي‭ ‬إلى‭ ‬حلبة‭ ‬صراع‭ ‬مستمرة‭ ‬للفت‭ ‬الانتباه‭ ‬عبر‭ ‬العناوين‭ ‬المضللة‭ ‬والآراء‭ ‬الحادة‭ ‬المتطرفة،‭ ‬ما‭ ‬يُهمش‭ ‬المحتوى‭ ‬الرصين‭ ‬والعميق‭ ‬الذي‭ ‬يتطلب‭ ‬وقتاً‭ ‬للتفكير‭ ‬والتحليل،‭ ‬لصالح‭ ‬‮«‬الضجيج‭ ‬السريع‮»‬‭ ‬المربح‭ ‬إعلانيًا‮»‬‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600) حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا