كل تمريرة إصبع في المنصات يقف خلفها مختصون يصممون «أقفاصا» تستغل نقاط ضعف دماغك!
ترتفع إيرادات شركات التقنية بارتفاع قدرتها على استنزاف أوقاتنا
710 مليارات دولار حجم سوق الإعلانات القائم على خوارزميات الانتباه
تقرير: محمد الساعي
هل تصدق ان «انتباهك» بات اليوم يمثل السلعة الأكثر قيمة والأكثر تنافسا بين الشركات التجارية؟.
ففي عصر تهيمن عليه الرقمنة والذكاء الاصطناعي، تغيرت قواعد اللعبة التجارية تماما. بل تغير حتى مفهوم السلعة التجارية التي لم تعد مجرد منتج مادي يشترى ويباع.
نعم، فالمبدأ الذي باتت الشركات الكبرى تعتمد عليه هو أن لفت انتباهك، والحصول على جزء ليس بالقليل من وقتك وتركيزك، يعتبر بضاعة لها قيمتها وخاصة في سوق الإعلانات. وبالتالي لم يعد الانتباه مجرد تركيز ذهني عابر، بل أداة تُقاس بها أرباح عمالقة التقنية من خلال قدرتهم على تحويل الوقت الذي تستغرقه في التطبيقات والمنصات وشاشة الهاتف الذكي، إلى خوارزميات إعلانية ذكية. وتبعا لذلك، ترتفع إيرادات الشركات التقنية بارتفاع قدرتها على استنزاف أوقاتنا. ولم يعد التنافس مقتصرا على جودة السلعة بقدر القدرة على ما يصفه الاختصاصيون بـ«تجميد إصبع المستخدم» فوق الشاشة مدة اطول. وهو ما بات يعرف اصطلاحا باقتصاد الانتباه.
اقتصاد الانتباه
يعرف اقتصاد الانتباه بأنه نظام اقتصادي يُعامل فيه التركيز الذهني ووقت الإنسان كسلعة نادرة وأثمن ما يُملك. حيث تتنافس المنصات والتطبيقات الرقمية على جذب أكبر قدر ممكن من هذا الانتباه وتحويله إلى أرباح مالية ضخمة عن طريق بيعه للمعلنين.
لذلك، في كثير من الخدمات الرقمية، لا يدفع المستخدم المال مباشرة، ولكن تجني الشركات الملايين من المعلنين من خلال بيع فرص الوصول إلى انتباهك.
ومما ساعد على ارتفاع ثمن «الانتباه» كسلعة، هو معادلة (الوفرة والندرة). ففي السابق كانت المعلومات هي السلعة الثمينة والنادرة. ولكن باتت اليوم متاحة ومتوافرة للجميع. وبالمقابل أصبح التركيز والانتباه هو المورد الثمين. وخاصة أن الوقت الذي يقضيه الانسان على المنصات والتطبيقات محدود مهما طال من ساعات، لأن مئات الشركات والمعلنين يتصارعون من اجل اقتطاع أجزاء من هذه الساعات اليومية. ويتم ذلك بمراحل:
1- جذب المستخدمين للمنصة او التطبيق من خلال محتوى وخدمات سهلة الوصول ومجانية في الغالب.
2- تصميم التطبيقات بحيث تحافظ على بقاء المستخدم أطول وقت ممكن.
3- تحليل مؤشرات الاستخدام مثل المشاهدات والنقرات ومدة التصفح والاهتمامات.
4- بيع مساحة إعلانية أو وصول موجّه الى المعلنين. ويدفع المعلن مقابل عدد مرات الظهور أو النقرات.
5- ارتفاع حجم الجمهور وتفاعله يرفع قيمة الشركة. حيث لا يقف الأمر عند أرباح الإعلانات فقط، بل يتعداه إلى تقييم الشركات بالبورصة وفقا لمؤشرات مقياس الانتباه وعدد المستخدمين النشطين يوميًا وشهريًا ومتوسط الإيراد لكل مستخدم معدل الدقائق التي يقضيها المستخدم يوميًا داخل المنصة.
وكلما أثبتت المنصة قدرتها على احتجاز انتباه عدد أكبر من الأفراد ولفترات أطول، كلما ارتفعت ثقة المستثمرين فيها، ما يرفع أسهمها وقيمتها السوقية.
والنتيجة ان كل ثانية يقضيها المستخدم في مشاهدة منشور، أو النقر على رابط، أو البحث عن منتج، تُسجل كبيانات دقيق لها قيمتها.
ويتم جمع هذه البيانات في ملف يحدد اهتمامات المستخدم وميوله وخريطة انفعالاته، وحتى الأوقات التي يكون فيها أكثر عرضة للشراء.
وبدل تقديم إعلان تلفزيوني عام، تُباع ثوانٍ معدودة من انتباه شخص محدد لمعلن يبحث عن ذلك الشخص بالتحديد.
منافس قوي
السؤال هنا، ما هو حجم الإنفاق الإعلاني العالمي القائم على شراء انتباه المستخدمين.
عندما ننظر الى حجم السوق الإعلاني العالمي، نجد أن إجمالي الإنفاق الإعلاني العالمي بات يصل الى حاجز 1.34 تريليون دولار.
والملفت هنا ان المنصات الرقمية بما فيها تطبيقات التواصل ومحركات البحث والفيديوهات، تستحوذ على نحو 72% من إجمالي هذا الإنفاق.
فيما يُقدر حجم سوق الإعلانات الرقمية القائم على خوارزميات الانتباه بأكثر من 680 إلى 710 مليارات دولار، بزيادة تجاوزت 50% مقارنة بمستويات ما قبل سنوات قليلة.
وتسيطر ثلاث شركات تقنية كبرى على القسم الأكبر من انتباه البشرية المُموّل إعلانيًا وهي (Alphabet/Google, Meta, Amazon). حيث تستحوذ هذه الشركات الثلاث بمفردها على نحو 60% من إجمالي الإنفاق الإعلاني العالمي خارج السوق الصيني. وتعتمد أرباح هذه الشركات بالكامل تقريبًا على مدى قدرتها على استبقاء المستخدم داخل تطبيقاتها مثل يوتيوب وإنستغرام وفيسبوك لأطول عدد من الساعات يوميًا.
وتشير التقديرات إلى أن الشركات الإعلانية تنفق بمعدل 140 دولارًا سنوياً مقابل انتباه كل شخص على كوكب الأرض وفقا لطبيعة المنطقة والسوق والمنافسة. حيث يصل هذا الرقم إلى ذروته في أسواق مثل الولايات المتحدة، ليتجاوز 1,300 دولار سنوياً لكل فرد مقابل اقتناص انتباهه وإبقائه أمام الإعلانات الموجهة.
وتعتبر منصات الفيديوهات القصيرة مثل TikTok وReels وShorts هي الأعلى في معدلات النمو في اقتطاع أوقات المتابعين بنسبة تتجاوز 21% سنوياً، متفوقة على التلفزيون والوسائط التقليدية.
كما تؤكد أظهرت الدراسات أن الإعلانات القصيرة التي لا تتجاوز 6 ثوانٍ تُحقق أعلى معدلات استجابة في اقتناص انتباه المستخدمين.
آليات الاقتناص
اذن يعتمد اقتصاد الانتباه إلى حد كبير على إدمان الشخص على التطبيقات والمنصات. وهذا الإدمان لم يأت من فراع. بل تعتمد الشركات على استراتيجيات نفسية وتقنية تعززه من خلال ثلاث أدوات رئيسية.
الأداة الأولى هي ما يعرف باللانهائية في التصفح. فعندما يقرأ الشخص صحيفة أو مجلة أو كتابا، غالبا ما يكون هناك نهاية للفقرة او الباب او حتى الكتاب. بحيث يقف القارئ قليلا أو يتوقف تماما. ولكن في المنصات الرقمية، يتم تصميمها بحيث تخلو من نهاية الصفحة او الفقرة. لذلك يتدفق المحتوى بلا نهاية. وهذا كفيل بإزالة المؤشرات والحساسات الزمنية والجسدية التي تخبر الدماغ بأن الوقت قد انقضى.
والأداة الثانية هي استغلال هرمون «الدوبامين» في تعزيز الشعور بالمكافأة. حيث تعتمد التطبيقات الحديثة على تقنية تُعرف بالمكافأة المتغيرة المتقطعة. فالمتصفح لا يعرف بدقة ما الذي سيجده في المقطع القادم. وهذا الترقب يحفز هرمون المتعة والتحفيز (الدوبامين). ففي كل مرة يظهر لك مقطع او مادة مهمة او ممتعة، يتلقى دماغك دفعة سريعة من الدوبامين، وهو ما يعزز عندك الشعور بأن «السحب والتمرير القادم» قد يحمل المكافأة التالية. وهذا بحد ذاته كفيل بأن يوصلك بمرور الوقت إلى إدمان سلوكي قهري.
ثم تأتي الأداة الثالثة وهي الإشعارات الذكية. فالتطبيقات لا تنتظر منك أن تفتحها، بل تصل اليك في كل لحظة وكل مكان. وما إن تفتح التطبيق، حتى يبدأ التشغيل التلقائي للفيديو التالي خلال ثانية واحدة، وهذا لا يتيح الدماغ أخذ استراحة لاتخاذ قرار واعٍ بالإغلاق أو الانفصال عن الشاشة.
والخلاصة أن كل لحظة تقضيها في هذه التطبيقات، وكل تمريرة إصبع تقوم بها، يقف خلفها مختصون وعلماء نفس ليصمموا «أقفاصاً رقمية ذكية» تستغل نقاط الضعف في الدماغ البشري.
يضاف الى ما سبق، هناك ما يعرف باقتصاد الترند، وهو تعمد صناعة المحتويات المثيرة للجدل لضمان التفاعل السريع. حيث تشير الدراسات النفسية الى أن المشاعر السلبية أو المثيرة للصدام مثل الغضب والاستنكار أو الدهشة الشديدة، تحفز الدماغ البشري على التفاعل والمشاركة أسرع من المشاعر الهادئة أو الإيجابية.
وهذا ما تدركه الخوارزميات، لذلك تدفع بالمحتويات الاستفزازية أو المثيرة للجدل إلى واجهة شاشات ملايين المستخدمين.
أمام ذلك، «يتحول الفضاء الرقمي إلى حلبة صراع مستمرة للفت الانتباه عبر العناوين المضللة والآراء الحادة المتطرفة، ما يُهمش المحتوى الرصين والعميق الذي يتطلب وقتاً للتفكير والتحليل، لصالح «الضجيج السريع» المربح إعلانيًا».

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك