العدد : ١٧٧٣٦ - الأربعاء ١٤ أكتوبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٣ جمادى الاول ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٧٣٦ - الأربعاء ١٤ أكتوبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٣ جمادى الاول ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

ماذا ينتظر أمُّ القضايا في المنطقة؟

بقلم: د. محمد الرميحي

الثلاثاء ١٣ أكتوبر ٢٠٢٦ - 02:00

مع‭ ‬حلول‭ ‬الذكرى‭ ‬الثالثة‭ ‬لأحداث‭ ‬السابع‭ ‬من‭ ‬أكتوبر‭ ‬2023،‭ ‬منذ‭ ‬أيام،‭ ‬يعود‭ ‬السؤال‭ ‬الذي‭ ‬غابَ‭ ‬وسط‭ ‬ضجيج‭ ‬الأيام‭ ‬الأولى‭: ‬إلى‭ ‬أين‭ ‬نذهب‭ ‬بالقضية‭ ‬الفلسطينية؟‭ ‬شهد‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬منذ‭ ‬ذلك‭ ‬اليوم‭ ‬عدداً‭ ‬من‭ ‬أعنف‭ ‬أزماته‭ ‬السياسية‭ ‬والاقتصادية‭ ‬والإنسانية،‭ ‬وأخشى‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬ما‭ ‬رأيناه‭ ‬مقدمة‭ ‬لما‭ ‬هو‭ ‬أشد،‭ ‬إذا‭ ‬استمرت‭ ‬إدارة‭ ‬الصراع‭ ‬بالعقلية‭ ‬نفسها‭. ‬

فلسطين‭ ‬أم‭ ‬القضايا‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط،‭ ‬وربما‭ ‬إحدى‭ ‬أهم‭ ‬قضايا‭ ‬العالم‭ ‬الحديث‭. ‬تتداخل‭ ‬فيها‭ ‬حقوق‭ ‬شعب‭ ‬اقتُلع‭ ‬من‭ ‬أرضه،‭ ‬وذاكرة‭ ‬دينية‭ ‬وتاريخية،‭ ‬واستعمار‭ ‬استيطاني،‭ ‬ومصالح‭ ‬دولية،‭ ‬جعلت‭ ‬حلها‭ ‬يتعثر‭ ‬جيلاً‭ ‬بعد‭ ‬جيل‭. ‬يتعاطف‭ ‬معها‭ ‬أهل‭ ‬المنطقة‭ ‬لأسباب‭ ‬مفهومة،‭ ‬ويشاركهم‭ ‬كثيرون‭ ‬خارجها،‭ ‬رفضاً‭ ‬للظلم‭ ‬الواقع‭ ‬على‭ ‬الفلسطينيين‭. ‬والتعاطف‭ ‬مهما‭ ‬اتسع،‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬سياسة‭ ‬تحوله‭ ‬إلى‭ ‬مكاسب‭. ‬هنا‭ ‬تعثرت‭ ‬التجربة‭ ‬مراراً،‭ ‬وصار‭ ‬الفلسطيني‭ ‬يدفع‭ ‬ثمن‭ ‬الاحتلال،‭ ‬وثمن‭ ‬أخطاء‭ ‬من‭ ‬يتصدرون‭ ‬الحديث‭ ‬باسمه‭.‬

يقف‭ ‬أمام‭ ‬الحل‭ ‬عاملان‭ ‬ثقيلان‭: ‬تشدد‭ ‬اليمين‭ ‬الإسرائيلي،‭ ‬وغياب‭ ‬قرار‭ ‬أمريكي‭ ‬حاسم‭ ‬يجعل‭ ‬قيام‭ ‬الدولة‭ ‬الفلسطينية‭ ‬التزاماً‭ ‬قابلاً‭ ‬للتنفيذ‭.‬‭ ‬هناك‭ ‬تحولات‭ ‬أوروبية‭ ‬مهمة،‭ ‬وبعضها‭ ‬تجاوز‭ ‬الكلام‭ ‬إلى‭ ‬الاعتراف‭ ‬بفلسطين،‭ ‬وهناك‭ ‬جهد‭ ‬سعودي‭ ‬مع‭ ‬شركاء‭ ‬عرب‭ ‬وأوروبيين‭ ‬لإحياء‭ ‬حل‭ ‬الدولتين‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬الاستيطان‭ ‬وتفتيت‭ ‬الأرض‭ ‬الفلسطينية،‭ ‬يبعدان‭ ‬إمكان‭ ‬تطبيقه‭. ‬ويمنح‭ ‬إغلاق‭ ‬الأفق‭ ‬السياسي‭ ‬المتشددين‭ ‬فرصة‭ ‬جديدة،‭ ‬كما‭ ‬يمنح‭ ‬القوى‭ ‬الإقليمية‭ ‬الراغبة‭ ‬في‭ ‬التدخل‭ ‬مادة‭ ‬جاهزة‭ ‬لتوسيع‭ ‬نفوذها‭.‬

عرفنا‭ ‬هذا‭ ‬الاستخدام‭ ‬منذ‭ ‬عقود‭. ‬كانت‭ ‬نكبة‭ ‬فلسطين‭ ‬من‭ ‬العوامل‭ ‬التي‭ ‬مهدت‭ ‬لصعود‭ ‬الحكم‭ ‬العسكري‭ ‬في‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬بلد‭ ‬عربي،‭ ‬ثم‭ ‬أصبحت‭ ‬القضية‭ ‬مصدراً‭ ‬لشرعية‭ ‬أنظمة‭ ‬وعدت‭ ‬بالتحرير‭ ‬وطالبت‭ ‬شعوبها‭ ‬بالصمت‭ ‬انتظاراً‭ ‬للمعركة‭. ‬صدَّق‭ ‬جمهور‭ ‬واسع‭ ‬تلك‭ ‬الوعود‭. ‬كان‭ ‬الجرح‭ ‬حقيقياً،‭ ‬والأمل‭ ‬في‭ ‬الخلاص‭ ‬كبيراً‭. ‬

مضت‭ ‬السنوات،‭ ‬وضاقت‭ ‬الحريات،‭ ‬وتراجعت‭ ‬التنمية،‭ ‬وبقيت‭ ‬الأرض‭ ‬محتلة،‭ ‬بل‭ ‬توسع‭ ‬الاحتلال‭. ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬فلسطين‭ ‬مسؤولة‭ ‬عن‭ ‬فشل‭ ‬تلك‭ ‬الأنظمة،‭ ‬ولكن‭ ‬اسمها‭ ‬استُخدم‭ ‬لحماية‭ ‬الفشل‭ ‬من‭ ‬المساءلة،‭ ‬ولتأجيل‭ ‬مطالب‭ ‬الناس‭ ‬في‭ ‬حياة‭ ‬كريمة،‭ ‬والتفكير‭ ‬بشكل‭ ‬علمي‭ ‬لمواجهة‭ ‬الأزمة‭.‬

ثم‭ ‬جاءت‭ ‬إيران‭ ‬الثورية‭ ‬بخطاب‭ ‬ديني‭ - ‬مذهبي،‭ ‬ووجدت‭ ‬في‭ ‬القضية‭ ‬مدخلاً‭ ‬إلى‭ ‬مجتمعات‭ ‬عربية‭ ‬وإلى‭ ‬بناء‭ ‬نفوذ‭ ‬يتجاوز‭ ‬حدودها‭. ‬وساعدها‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬إحباط‭ ‬فلسطيني‭ ‬مفهوم،‭ ‬لكنه‭ ‬لا‭ ‬يجعل‭ ‬الخيارات‭ ‬الناتجة‭ ‬عنه‭ ‬صحيحة‭ ‬بالضرورة‭. ‬ذهبت‭ ‬أطراف‭ ‬فلسطينية‭ ‬إلى‭ ‬تحالفات‭ ‬مع‭ ‬أنظمة‭ ‬عسكرية‭ ‬وبعثية،‭ ‬ثم‭ ‬راهن‭ ‬بعضها‭ ‬على‭ ‬المشروع‭ ‬الإيراني،‭ ‬وابتعد‭ ‬عن‭ ‬دول‭ ‬الاعتدال‭ ‬العربي‭. ‬خلطت‭ ‬تلك‭ ‬الفصائل‭ ‬بين‭ ‬من‭ ‬يريد‭ ‬تسوية‭ ‬تعيد‭ ‬للفلسطيني‭ ‬أرضه،‭ ‬ومن‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬استمرار‭ ‬النزاع‭ ‬ليحتفظ‭ ‬بدوره‭. ‬تراكمت‭ ‬الأخطاء،‭ ‬وكان‭ ‬نصيب‭ ‬الشعب‭ ‬من‭ ‬الخسارة‭ ‬أكبر‭ ‬من‭ ‬نصيب‭ ‬أصحاب‭ ‬القرار‭.‬

وامتد‭ ‬استغلال‭ ‬المظلومية‭ ‬الفلسطينية‭ ‬إلى‭ ‬خطاب‭ ‬الحوثي‭ ‬والقاعدة‭ ‬و«داعش‮»‬‭ ‬وجماعات‭ ‬التكفير‭. ‬لا‭ ‬يصح‭ ‬اختزال‭ ‬نشأة‭ ‬هذه‭ ‬التنظيمات‭ ‬في‭ ‬فلسطين،‭ ‬لكن‭ ‬القضية‭ ‬حضرت‭ ‬في‭ ‬دعايتها‭ ‬لتجنيد‭ ‬الغاضبين‭. ‬أما‭ ‬حساب‭ ‬النتائج،‭ ‬فكان‭ ‬غائباً‭. ‬وفي‭ ‬المقابل،‭ ‬بنت‭ ‬الحركة‭ ‬الصهيونية‭ ‬مؤسسات،‭ ‬ونسجت‭ ‬تحالفات،‭ ‬واستثمرت‭ ‬في‭ ‬المعرفة‭ ‬وتنظيم‭ ‬المصالح،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬استخدامها‭ ‬العنف‭ ‬والتهجير‭. ‬ذلك‭ ‬لا‭ ‬يمنحها‭ ‬حقاً‭ ‬في‭ ‬أرض‭ ‬غيرها،‭ ‬لكنه‭ ‬يفسر‭ ‬جانباً‭ ‬من‭ ‬اختلال‭ ‬المواجهة‭.‬

دفع‭ ‬الفلسطيني‭ ‬الثمن‭ ‬قتلاً‭ ‬وتهجيراً‭ ‬وهدماً،‭ ‬وسنوات‭ ‬طويلة‭ ‬خلف‭ ‬القضبان‭. ‬ولا‭ ‬تعني‭ ‬هذه‭ ‬المراجعة‭ ‬إعفاء‭ ‬إسرائيل‭ ‬من‭ ‬مسؤوليتها‭ ‬عن‭ ‬الاحتلال‭ ‬وجرائمه،‭ ‬فالمسؤولية‭ ‬واضحة‭. ‬المقصود‭ ‬أن‭ ‬عدالة‭ ‬القضية‭ ‬لا‭ ‬تعصم‭ ‬قياداتها‭ ‬من‭ ‬الخطأ،‭ ‬وأن‭ ‬الاعتراف‭ ‬بالخطأ‭ ‬شرط‭ ‬لتصحيحه،‭ ‬خصوصاً‭ ‬عندما‭ ‬يكون‭ ‬ثمنه‭ ‬حياة‭ ‬أجيال‭ ‬كاملة‭ ‬ومستقبلها‭. ‬أرى‭ ‬أن‭ ‬المراجعة‭ ‬تبدأ‭ ‬من‭ ‬سؤال‭ ‬بسيط‭: ‬ماذا‭ ‬أضاف‭ ‬كل‭ ‬خيار‭ ‬إلى‭ ‬قدرة‭ ‬الفلسطيني‭ ‬على‭ ‬البقاء‭ ‬في‭ ‬أرضه‭ ‬وانتزاع‭ ‬حقه؟

مفكرون‭ ‬فلسطينيون‭ ‬طرحوا‭ ‬أسئلة‭ ‬شجاعة‭ ‬عن‭ ‬الوسائل‭ ‬والتحالفات‭ ‬وتكلفة‭ ‬المغامرة،‭ ‬فواجه‭ ‬بعضهم‭ ‬التخوين‭ ‬والتهميش‭. ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬بناء‭ ‬سياسة‭ ‬ناجحة‭ ‬إذا‭ ‬صار‭ ‬نقد‭ ‬القرار‭ ‬اعتداء‭ ‬على‭ ‬القضية‭. ‬من‭ ‬حق‭ ‬الناس‭ ‬الذين‭ ‬تحملوا‭ ‬الخسائر‭ ‬أن‭ ‬يسألوا‭ ‬قياداتهم،‭ ‬وأن‭ ‬يميزوا‭ ‬بين‭ ‬التضحية‭ ‬المفروضة‭ ‬عليهم،‭ ‬والمخاطرة‭ ‬التي‭ ‬تقررت‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬مشاركتهم‭. ‬وتقتضي‭ ‬المراجعة‭ ‬أيضاً‭ ‬إصلاح‭ ‬البيت‭ ‬الفلسطيني،‭ ‬وتجديد‭ ‬شرعية‭ ‬مؤسساته،‭ ‬وتوحيد‭ ‬قراره،‭ ‬وتقديم‭ ‬برنامج‭ ‬يستطيع‭ ‬مخاطبة‭ ‬العالم‭ ‬بلغته‭ ‬ومصالحه‭. ‬الاعترافات‭ ‬الدولية‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬متابعة‭ ‬قانونية‭ ‬ودبلوماسية،‭ ‬وإلى‭ ‬ضغط‭ ‬يمنع‭ ‬الاستيطان،‭ ‬ويحمي‭ ‬السكان‭ ‬ويتيح‭ ‬إعمار‭ ‬ما‭ ‬تهدم‭. ‬وهذه‭ ‬أعمال‭ ‬شاقة،‭ ‬لكن‭ ‬نتائجها‭ ‬قابلة‭ ‬للقياس‭.‬

لا‭ ‬يكفي‭ ‬أن‭ ‬نكسب‭ ‬تعاطف‭ ‬شارع‭ ‬أوروبي،‭ ‬ثم‭ ‬نخسر‭ ‬أثره‭ ‬بخطاب‭ ‬يخلط‭ ‬بين‭ ‬اليهود‭ ‬جميعاً‭ ‬وسياسات‭ ‬إسرائيل،‭ ‬أو‭ ‬بفعل‭ ‬أعمى‭ ‬يمنح‭ ‬خصومنا‭ ‬فرصة‭ ‬تشويه‭ ‬الحق‭ ‬الفلسطيني‭. ‬تلك‭ ‬مسؤولية‭ ‬سياسية‭ ‬وأخلاقية‭ ‬لا‭ ‬يجوز‭ ‬الهرب‭ ‬منها‭. ‬أمامنا‭ ‬اليوم‭ ‬اتجاهان،‭ ‬جهد‭ ‬تقوده‭ ‬السعودية‭ ‬مع‭ ‬دول‭ ‬عربية‭ ‬وأوروبية‭ ‬لفتح‭ ‬طريق‭ ‬الدولة‭ ‬الفلسطينية،‭ ‬واتجاه‭ ‬يطيل‭ ‬الصراع‭ ‬وتستفيد‭ ‬منه‭ ‬قوى‭ ‬توسع‭ ‬نفوذها‭ ‬باسم‭ ‬إنقاذ‭ ‬فلسطين‭. ‬نجاح‭ ‬الأول‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬دعم‭ ‬فلسطيني‭ ‬موحد،‭ ‬وإلزام‭ ‬واشنطن‭ ‬بمسؤوليتها‭.‬

‭ ‬لكن‭ ‬البديل‭ ‬الذي‭ ‬جُرّب‭ ‬طويلاً‭ ‬يترك‭ ‬الفلسطيني‭ ‬أمام‭ ‬خسائر‭ ‬تتراكم،‭ ‬ويترك‭ ‬رعاته‭ ‬يتفاوضون‭ ‬على‭ ‬مصالحهم‭ ‬الخاصة‭. ‬استمرار‭ ‬الطريق‭ ‬نفسه‭ ‬قد‭ ‬يجعل‭ ‬القادم‭ ‬أسوأ‭ ‬مما‭ ‬يتوقع‭ ‬أكثرنا‭ ‬تشاؤماً‭.‬

‭ ‬إن‭ ‬أم‭ ‬القضايا‭ ‬تستحق‭ ‬نقاشاً‭ ‬لا‭ ‬تحكمه‭ ‬المزايدة،‭ ‬وعملاً‭ ‬يحسب‭ ‬الإمكانات‭ ‬ويصون‭ ‬البشر‭. ‬الفلسطيني‭ ‬أحق‭ ‬بأرضه‭ ‬وبحياته‭ ‬معاً‭.‬

آخر‭ ‬الكلام‭: ‬في‭ ‬عالم‭ ‬السياسة‭ ‬تحتاج‭ ‬الفرص‭ ‬إلى‭ ‬قيادة‭ ‬تجمع‭ ‬بين‭ ‬الشجاعة‭ ‬والحكمة

 

{ أستاذ‭ ‬علم‭ ‬الاجتماع‭ ‬السياسي

‭ ‬في‭ ‬جامعة‭ ‬الكويت‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600) حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا