يبتعد بيتي الواقع داخل واشنطن 25 دقيقة بالسيارة عن مقاطعة لودون (Loudoun) بولاية فيرجينيا المجاورة؛ حيث يوجد أكبر تجمع لمراكز البيانات (Data Center) في العالم، وتشير تقديرات مهنية متخصصة إلى وجود ما يقرب من 12 ألف مركز للبيانات حول العالم، تمتلك الولايات المتحدة ما يقرب من نصف هذا العدد، وتأتى ولاية فيرجينيا في مقدمة الولايات الأمريكية بما يقرب من 600 مركز للبيانات، تليها ولاية تكساس بما يقرب من 450 مركزًا، ثم كاليفورنيا بـ300 مركز.
وعلى مدى السنوات الأخيرة لم يكترث المواطنون الأمريكيون عمومًا بأنشطة بناء مراكز البيانات بالقرب من أماكن سكنهم، إلا أن الأمر اختلف بصورة كبيرة منذ بداية عام 2026 مع انفجار ثورة الذكاء الاصطناعي، وبدء حمى تشييد المزيد من هذه المراكز، وازداد النقاش سخونة مع قرب انتخابات الكونجرس المقرر لها الثالث من نوفمبر المقبل. وأشار استطلاع حديث لمنظمة جالوب إلى أن 70% من الأمريكيين يعارضون بناء مركز بيانات ذكاء اصطناعي جديد في مناطقهم.
تنفق كبريات شركات التكنولوجيا مليارات الدولارات على إنشاء مراكز البيانات التي تعد بمثابة العمود الفقري لآليات وتطبيقات وتشغيل منظومة الذكاء الاصطناعي. وتستهلك هذه المراكز كميات ضخمة من الكهرباء ومصادر الطاقة الأخرى، والمياه، وتسبب ضجيجًا سمعيًا لا يمكن تجاهله.
كذلك تتمتع تصميمات مراكز البيانات بالقبح، فهي مبانٍ ضخمة جامدة بدون نوافذ، وتخلو من أي ديكورات أو جماليات، ما يسبب ضجيجًا بصريًا لا يمكن تجاهله. ويجمع الخوفُ من انخفاض أسعار العقارات في المناطق القريبة من مراكز البيانات الناخبين الجمهوريين والديمقراطيين على حد سواء، كما يخشى المواطنون من ارتفاع كلفة استهلاكهم للكهرباء والمياه بسبب وجود هذه المراكز في مناطقهم.
وفي الثالث من نوفمبر سيقرر ملايين الناخبين الأمريكيين في العديد من الولايات الأمريكية مصير ومستقبل هذه المراكز؛ حيث تدرس عدة ولايات وعدد من المقاطعات والمدن فرض حظر كامل على تشييد مراكز البيانات على أراضيها.
وتمثل ولاية أوهايو أكثر الحالات سخونة من خلال السباق على مقعد مجلس الشيوخ بها، إذ أنفق المرشح الديمقراطي شيرود براون أكثر من 3.5 ملايين دولار في إعلانات تلفزيونية تصف السيناتور الجمهوري المنافس جون هوستد بأنه «دمية في يد مراكز البيانات»، مستشهدًا بسجله السابق المشجع لتشييد مراكز بيانات على أراضي ولاية أوهايو عندما كان نائبًا لحاكم الولاية. وترد حملة هوستد بأن مراكز البيانات مفيدة ويجب أن تبقى قرارًا محليًا عند مستوى المقاطعات، وألا تفرضه الحكومة الفيدرالية أو سلطات الولايات.
لم يقتصر الأمر على أوهايو، إذ تستعر الحملة الانتخابية في ولايات بنسلفانيا وتكساس وويسكونسن مرتكزة على قضية تشييد مراكز البيانات وما يرافقها من منح تسهيلات وإعفاءات ضريبية لمشيدي هذه المراكز من شركات ضخمة، منها أمازون ومايكروسوفت وجوجل.
صاغ الكثير من مرشحي الحزب الديمقراطي القضية على أن المواطنين من دافعي الضرائب يدعمون احتياجات بعض أغنى شركات التكنولوجيا في العالم، ويطالبون بأن تتحمل شركات التكنولوجيا كامل كلفة توصيل شبكات الكهرباء والطرق والمياه إلى مناطق هذه المراكز، بل يذهب بعضهم إلى مطالبة هذه الشركات بتوليد الكهرباء بأنفسهم أو دفعهم إلى استخدام أهداف الطاقة النظيفة في بعض الولايات.
ويشهد الحزب الديمقراطي انقسامًا بين تيار تقدمي يريد حظر البناء، وتيار وسطى يروج لأن وجود هذه المراكز يعني المزيد من الوظائف، والمزيد من الضرائب، وأن ذلك يدعم نقابات العمال التي تشيد هذه المراكز.
وفي المقابل، يواجه الجمهوريون انقسامًا داخليًا أكثر حدة من الديمقراطيين، إذ جعل الرئيس دونالد ترامب التوسع في بناء مراكز البيانات محور رؤيته للهيمنة الأمريكية في الذكاء الاصطناعي، واصفًا مراكز البيانات بأنها بيضة من ذهب، وحذر من أن الصين ستكون سعيدة بهذه الحملة ضد تشييد مراكز البيانات على الأراضي الأمريكية. وحذر رئيس مجلس النواب مايك جونسون من أن الحظر الواسع لتشييد مراكز البيانات سيكون خطرًا على الأمن القومي الأمريكي، في الوقت الذي يسعى فيه حكام ولايات جمهورية الهوى -مثل أركنساس وكانساس وكنتاكي- لجذب الشركات الضخمة لتشييد مراكز بيانات على أراضيها.
ويضع ذلك الكثير من المرشحين الجمهوريين في مأزق، إذ تتردد القاعدة الريفية والشعبوية للحزب الجمهوري في قبول بناء مراكز بيانات على أراضيهم، في الوقت الذي يشجع فيه ترامب التوسع في تشييد المزيد من هذه المراكز.
في يوليو 2025 أصدر البيت الأبيض الأمر التنفيذي رقم 14318 لتسريع التصاريح الفيدرالية لبناء مراكز البيانات الضخمة التي لا تقل كلفة بنائها عن 500 مليون دولار. ووقع ترامب أمرًا تنفيذيًا جديدًا في ديسمبر الماضي للحد من قدرة الولايات على تقييد أو تنظيم الذكاء الاصطناعي، ولم يتمكن من تقييد قدرة الولايات فيما يتعلق بتشييد المراكز؛ لأن تقسيم الأراضي واستخدامها يخص الولايات والسلطات المحلية في المقاطعات والمدن.
وقبل شهور، أصبحت ولاية نيويورك أول ولاية تفرض حظرًا لبناء مراكز بيانات جديدة على مستوى الولاية مدة عام واحد. ويبحث الكونجرس سن قانون لحماية السيطرة المحلية على حقوق تشييد مراكز البيانات.
ولا يعرف أحد مصير النقاش المجتمعي الأمريكي المتعلق ببناء مراكز البيانات مع الانتخابات القادمة، ولا يريد أحد أن تخضع الولايات للسلطة الفيدرالية، ولا يريد أحد أن يحظر البناء بصورة كاملة. يدرك الأمريكيون أن البنية التحتية للذكاء الاصطناعي واقع جديد وذات أهمية استراتيجية، وإذا لم يتم بناؤها على الأراضي الأمريكية فستنتقل للبناء في مناطق أخرى.
ويبحث الأمريكيون عن تسوية مقبولة ترتكز على وضع معايير واضحة وشفافة لاحتياجات هذه المراكز واستهلاكها من الطاقة والمياه والبنية التحتية والطرق وإجراءات السلامة، على أن تتحملها شركات التكنولوجيا، مع ترك قرارات تحديد الموقع بيد الولايات والمقاطعات.
{ كاتب صحفي متخصص
في الشؤون الأمريكية.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك