العدد : ١٧٧٣٥ - الثلاثاء ١٣ أكتوبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٢ جمادى الاول ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٧٣٥ - الثلاثاء ١٣ أكتوبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٢ جمادى الاول ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

النموذج التنموي الجديد في الشرق الأوسط.. من اقتصاد الكفاءة إلى اقتصاد المنعة

بقلم: د. محمد عيسى الكويتي

الاثنين ١٢ أكتوبر ٢٠٢٦ - 02:00

تجاوبا‭ ‬مع‭ ‬الأحداث‭ ‬الأخيرة،‭ ‬وفي‭ ‬شهر‭ ‬يوليو‭ ‬الماضي،‭ ‬كتب‭ ‬الاقتصادي‭ ‬المصري‭ (‬مدحت‭ ‬نافع‭) ‬رئيس‭ ‬مجلس‭ ‬إدارة‭ ‬الشركة‭ ‬العربية‭ ‬للسبائك،‭ ‬رؤيته‭ ‬للنموذج‭ ‬الاقتصادي‭ ‬الجديد‭ ‬للشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬يقول‭ ‬فيه‭: ‬‮»‬في‭ ‬عالم‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬فيه‭ ‬التجارة‭ ‬محايدة،‭ ‬ولا‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬متاحة‭ ‬بلا‭ ‬شروط،‭ ‬يعيد‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط،‭ ‬والدول‭ ‬العربية‭ ‬بالذات،‭ ‬تعريف‭ ‬معنى‭ ‬التنمية‭. ‬فالسؤال‭ ‬لم‭ ‬يعد‭: ‬كيف‭ ‬ننتج‭ ‬بأقل‭ ‬كلفة؟‭ ‬بل‭: ‬كيف‭ ‬نضمن‭ ‬استمرار‭ ‬الغذاء‭ ‬والدواء‭ ‬والطاقة‭ ‬والبيانات‭ ‬عندما‭ ‬تتعطل‭ ‬الممرات‭ ‬أو‭ ‬تُفرض‭ ‬القيود؟‭ ‬ومن‭ ‬هذا‭ ‬السؤال‭ ‬يولد‭ ‬نموذج‭ ‬تنموي‭ ‬جديد‭ ‬يوازن‭ ‬بين‭ ‬الانفتاح‭ ‬والمنعة،‭ ‬وبين‭ ‬سرعة‭ ‬النمو‭ ‬والقدرة‭ ‬على‭ ‬الصمود‮«‬‭.‬

لم‭ ‬يعد‭ ‬ممكناً‭ ‬قراءة‭ ‬التحولات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬بالأدوات‭ ‬التي‭ ‬سادت‭ ‬خلال‭ ‬العقود‭ ‬الماضية‭. ‬فالنموذج‭ ‬الذي‭ ‬قام‭ ‬على‭ ‬تعظيم‭ ‬الكفاءة،‭ ‬واستيراد‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬أرخص،‭ ‬والاعتماد‭ ‬على‭ ‬انسياب‭ ‬التجارة‭ ‬ورأس‭ ‬المال‭ ‬والتكنولوجيا،‭ ‬يتراجع‭ ‬لمصلحة‭ ‬نموذج‭ ‬يضع‭ ‬المَنَعة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والأمن‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬في‭ ‬صدارة‭ ‬الأولويات‭. ‬ولا‭ ‬يعني‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬تغلق‭ ‬دول‭ ‬المنطقة‭ ‬أبوابها‭ ‬أمام‭ ‬العالم،‭ ‬بل‭ ‬إنها‭ ‬تعيد‭ ‬تعريف‭ ‬الانفتاح‭ ‬ليقوم‭ ‬على‭ ‬شراكات‭ ‬أوسع،‭ ‬واعتماد‭ ‬أقل‭ ‬على‭ ‬مصدر‭ ‬واحد،‭ ‬وقدرة‭ ‬أكبر‭ ‬على‭ ‬الصمود‭ ‬أمام‭ ‬الصدمات‭.‬

هذا‭ ‬التحول‭ ‬ليس‭ ‬وليد‭ ‬قرار‭ ‬محلي‭ ‬منفرد‭. ‬فقد‭ ‬كشفت‭ ‬الجائحة،‭ ‬والحرب‭ ‬الروسية‭ ‬الأوكرانية،‭ ‬واضطراب‭ ‬الممرات‭ ‬البحرية،‭ ‬وتصاعد‭ ‬الحمائية‭ ‬والتنافس‭ ‬بين‭ ‬القوى‭ ‬الكبرى،‭ ‬هشاشة‭ ‬سلاسل‭ ‬الإمداد‭ ‬الطويلة‭. ‬كما‭ ‬أثبتت‭ ‬النزاعات‭ ‬الإقليمية‭ ‬أن‭ ‬الغذاء‭ ‬والطاقة‭ ‬والمدخلات‭ ‬الإلكترونية‭ ‬والبيانات‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬سلعاً‭ ‬تجارية‭ ‬محايدة،‭ ‬بل‭ ‬أدوات‭ ‬قوة‭ ‬ونفوذ‭.‬

لذلك‭ ‬أصبح‭ ‬على‭ ‬الحكومات‭ ‬أن‭ ‬تحسب‭ ‬تكلفة‭ ‬الانكشاف‭ ‬الخارجي،‭ ‬لا‭ ‬تكلفة‭ ‬الإنتاج‭ ‬وحدها؛‭ ‬وقد‭ ‬تقبل‭ ‬حلاً‭ ‬أعلى‭ ‬كلفة‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬أكثر‭ ‬ضماناً‭ ‬للاستمرار،‭ ‬مثل‭ ‬تصنيع‭ ‬بعض‭ ‬الأدوية‭ ‬والمعدات‭ ‬الطبية‭ ‬محلياً‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬الاعتماد‭ ‬الكامل‭ ‬على‭ ‬واردات‭ ‬معرضة‭ ‬للتعطل‭.‬

أول‭ ‬ملامح‭ ‬النموذج‭ ‬الجديد‭ ‬هو‭ ‬انتقال‭ ‬التنويع‭ ‬الاقتصادي‭ ‬من‭ ‬شعار‭ ‬إلى‭ ‬برنامج‭ ‬عمل،‭ ‬تُترجم‭ ‬فيه‭ ‬الرؤى‭ ‬إلى‭ ‬عقود‭ ‬وموازنات‭ ‬ومؤشرات‭ ‬قابلة‭ ‬للقياس‭. ‬ويظهر‭ ‬ذلك‭ ‬في‭ ‬البرنامج‭ ‬الوطني‭ ‬للقيمة‭ ‬المضافة‭ ‬في‭ ‬الإمارات،‭ ‬الذي‭ ‬يمنح‭ ‬الموردين‭ ‬المعتمدين‭ ‬ميزة‭ ‬تنافسية‭ ‬في‭ ‬إسناد‭ ‬العقود،‭ ‬ويقيس‭ ‬الإنفاق‭ ‬والاستثمار‭ ‬والتوطين‭ ‬والبحث‭ ‬والتطوير‭ ‬والتكنولوجيا‭ ‬المتقدمة‭ ‬داخل‭ ‬الدولة‭.‬

وفي‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬تتوسع‭ ‬القطاعات‭ ‬غير‭ ‬النفطية،‭ ‬وتُوجَّه‭ ‬الاستثمارات‭ ‬إلى‭ ‬الصناعة‭ ‬المتقدمة‭ ‬والخدمات‭ ‬اللوجستية‭ ‬والسياحة‭ ‬والطاقة‭ ‬النظيفة‭. ‬ويؤكد‭ ‬صندوق‭ ‬النقد‭ ‬الدولي،‭ ‬أن‭ ‬النشاط‭ ‬غير‭ ‬الهيدروكربوني‭ ‬في‭ ‬دول‭ ‬المنطقة‭ ‬ظل‭ ‬قوياً‭ ‬بدعم‭ ‬الطلب‭ ‬المحلي‭ ‬وزخم‭ ‬الإصلاحات‭. ‬والمهم‭ ‬ليس‭ ‬رقم‭ ‬النمو‭ ‬وحده،‭ ‬بل‭ ‬نوعيته‭ ‬وهل‭ ‬يرفع‭ ‬الإنتاجية‭ ‬ويولد‭ ‬المعرفة‭ ‬ويوفر‭ ‬وظائف‭ ‬ذات‭ ‬قيمة‭ ‬مضافة؟

ثاني‭ ‬الملامح‭ ‬هو‭ ‬عودة‭ ‬السياسة‭ ‬الصناعية،‭ ‬ولكن‭ ‬بصيغة‭ ‬حديثة‭. ‬فالدولة‭ ‬لا‭ ‬تكتفي‭ ‬بالتنظيم،‭ ‬بل‭ ‬تساعد‭ ‬في‭ ‬تحديد‭ ‬القطاعات‭ ‬الواعدة‭ ‬وتمويل‭ ‬البنية‭ ‬التحتية‭ ‬وتطوير‭ ‬الموردين‭ ‬المحليين،‭ ‬وتربط‭ ‬الشراكات‭ ‬المحلية‭ ‬مع‭ ‬الشركات‭ ‬العالمية‭ ‬بالتدريب‭ ‬ونقل‭ ‬المعرفة‭. ‬وتضع‭ ‬استراتيجية‭ ‬‮«‬مشروع‭ ‬300‭ ‬مليار‭ ‬الإماراتي‮»‬‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬المتقدمة‭ ‬والبحث‭ ‬والتطوير‭ ‬وتنافسية‭ ‬الصناعة‭ ‬في‭ ‬صلب‭ ‬رفع‭ ‬مساهمة‭ ‬القطاع‭ ‬الصناعي‭ ‬وتنويع‭ ‬الاقتصاد‭. ‬هذا‭ ‬النهج‭ ‬يتيح‭ ‬بناء‭ ‬قدرات‭ ‬إنتاجية‭ ‬كانت‭ ‬تُستورد‭ ‬بالكامل،‭ ‬لكنه‭ ‬قد‭ ‬يتجه‭ ‬إلى‭ ‬حماية‭ ‬شركات‭ ‬غير‭ ‬كفؤة‭ ‬وتحول‭ ‬الدعم‭ ‬إلى‭ ‬امتياز‭ ‬دائم‭. ‬لذلك‭ ‬يظل‭ ‬نجاحه‭ ‬مرهوناً‭ ‬بمؤشرات‭ ‬أداء‭ ‬وافية،‭ ‬ومنافسة‭ ‬داخلية‭ ‬وخارجية،‭ ‬والقدرة‭ ‬على‭ ‬وقف‭ ‬المشروعات‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تحقق‭ ‬أهدافها‭.‬

أما‭ ‬الملمح‭ ‬الثالث،‭ ‬وفق‭ ‬مدحت‭ ‬نافع،‭ ‬فهو‭ ‬صعود‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬بوصفه‭ ‬قضية‭ ‬تنموية‭ ‬وسيادية‭ ‬في‭ ‬آن‭ ‬واحد‭. ‬فالسباق‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬على‭ ‬التطبيقات‭ ‬وحدها،‭ ‬بل‭ ‬يشمل‭ ‬مراكز‭ ‬البيانات‭ ‬والطاقة‭ ‬والرقائق‭ ‬والحوسبة‭ ‬السحابية‭ ‬واللغة‭ ‬التي‭ ‬تُدرَّب‭ ‬بها‭ ‬النماذج‭. ‬وتتحرك‭ ‬الصناديق‭ ‬السيادية‭ ‬الخليجية‭ ‬من‭ ‬الاستثمار‭ ‬المالي‭ ‬التقليدي‭ ‬إلى‭ ‬امتلاك‭ ‬حصص‭ ‬في‭ ‬البنية‭ ‬التحتية‭ ‬الرقمية‭. ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق‭ ‬برزت‭ ‬نماذج‭ ‬لغوية‭ ‬عربية‭ ‬مثل‭ ‬‮«‬جيس‮»‬‭ ‬في‭ ‬الإمارات‭ ‬و«علّام‮»‬‭ ‬في‭ ‬السعودية؛‭ ‬وقد‭ ‬طُوّر‭ ‬‮«‬علّام‮»‬‭ ‬خصيصاً‭ ‬لدعم‭ ‬منظومة‭ ‬تقنيات‭ ‬اللغة‭ ‬العربية‭ ‬وتحسين‭ ‬الأداء‭ ‬في‭ ‬اختبارات‭ ‬عربية‭ ‬متعددة‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬السيادة‭ ‬التكنولوجية‭ ‬ستظل‭ ‬نسبية‭ ‬ما‭ ‬دامت‭ ‬الرقائق‭ ‬المتقدمة‭ ‬والمنصات‭ ‬الأساسية‭ ‬خاضعة‭ ‬لقرارات‭ ‬خارجية؛‭ ‬لذلك‭ ‬فالمطلوب‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬محاولة‭ ‬الاكتفاء،‭ ‬بل‭ ‬تنويع‭ ‬الشركاء‭ ‬وبناء‭ ‬المهارات‭ ‬والقدرة‭ ‬التفاوضية‭.‬

ويمتد‭ ‬المنطق‭ ‬نفسه،‭ ‬حسب‭ ‬هذا‭ ‬التصور،‭ ‬إلى‭ ‬الأمن‭ ‬الغذائي‭ ‬والمائي‭ ‬والطاقة‭. ‬فالشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬من‭ ‬أكثر‭ ‬مناطق‭ ‬العالم‭ ‬تعرضاً‭ ‬لندرة‭ ‬المياه،‭ ‬فيما‭ ‬يرفع‭ ‬تغير‭ ‬المناخ‭ ‬والنمو‭ ‬السكاني‭ ‬الضغوط‭ ‬على‭ ‬الأمن‭ ‬الغذائي‭ ‬وإنتاج‭ ‬الطاقة‭.‬

ومن‭ ‬هنا‭ ‬تتجه‭ ‬الدول‭ ‬إلى‭ ‬تنويع‭ ‬مصادر‭ ‬الاستيراد،‭ ‬وبناء‭ ‬المخزونات،‭ ‬والاستثمار‭ ‬الزراعي‭ ‬الخارجي،‭ ‬والزراعة‭ ‬الذكية،‭ ‬وتحلية‭ ‬المياه‭ ‬بكفاءة‭ ‬أعلى‭. ‬وفي‭ ‬الطاقة،‭ ‬لا‭ ‬يكفي‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬موقع‭ ‬المنطقة‭ ‬كمصدر‭ ‬للنفط‭ ‬والغاز؛‭ ‬بل‭ ‬ينبغي‭ ‬تحويل‭ ‬مزاياها‭ ‬في‭ ‬رأس‭ ‬المال‭ ‬المادي‭ ‬والبشري‭ ‬والطاقة‭ ‬الشمسية‭ ‬والموقع‭ ‬الجغرافي‭ ‬إلى‭ ‬صناعات‭ ‬جديدة،‭ ‬من‭ ‬الهيدروجين‭ ‬إلى‭ ‬الخدمات‭ ‬المرتبطة‭ ‬بمراكز‭ ‬البيانات‭.‬

ويبرز‭ ‬كذلك‭ ‬دور‭ ‬الصناديق‭ ‬السيادية‭ ‬باعتبارها‭ ‬أداة‭ ‬للسياسة‭ ‬الاقتصادية،‭ ‬لا‭ ‬مجرد‭ ‬محافظ‭ ‬لحفظ‭ ‬الثروة‭. ‬فهي‭ ‬تستثمر‭ ‬في‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬والصناعة‭ ‬والطاقة‭ ‬والبنية‭ ‬التحتية،‭ ‬وتستخدم‭ ‬رأس‭ ‬المال‭ ‬طويل‭ ‬الأجل‭ ‬لفتح‭ ‬أسواق‭ ‬وشراكات‭ ‬جديدة‭. ‬لكن‭ ‬القوة‭ ‬المالية‭ ‬وحدها‭ ‬لا‭ ‬تصنع‭ ‬تنمية‭ ‬مستدامة‭.‬‭ ‬المطلوب‭ ‬أن‭ ‬ترتبط‭ ‬الاستثمارات‭ ‬الخارجية‭ ‬ببناء‭ ‬سلاسل‭ ‬قيمة‭ ‬داخلية‭ ‬في‭ ‬التصنيع‭ ‬والخدمات،‭ ‬وأن‭ ‬يُقاس‭ ‬نجاحها‭ ‬بالعائد‭ ‬المعرفي‭ ‬والتنويع‭ ‬الإنتاجي‭ ‬وفرص‭ ‬العمل‭ ‬التي‭ ‬تخلقها‭ ‬وصادراتها،‭ ‬لا‭ ‬بحجم‭ ‬الصفقات‭ ‬فقط‭.‬

غير‭ ‬أن‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬نموذج‭ ‬شرق‭ ‬أوسطي‭ ‬واحد‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬حذر‭. ‬فالدول‭ ‬المصدرة‭ ‬للنفط‭ ‬تمتلك‭ ‬هوامش‭ ‬مالية‭ ‬لا‭ ‬تتوافر‭ ‬للدول‭ ‬المثقلة‭ ‬بالدين‭ ‬أو‭ ‬المتضررة‭ ‬من‭ ‬النزاعات‭. ‬وإذا‭ ‬تحول‭ ‬الصمود‭ ‬الاقتصادي‭ ‬إلى‭ ‬سباق‭ ‬وطني‭ ‬منفصل،‭ ‬فقد‭ ‬تتكرر‭ ‬المشروعات‭ ‬وتضيق‭ ‬الأسواق‭. ‬أما‭ ‬إذا‭ ‬اقترن‭ ‬بتكامل‭ ‬في‭ ‬الكهرباء‭ ‬والنقل‭ ‬والأمن‭ ‬الغذائي‭ ‬والمدفوعات‭ ‬الرقمية‭ ‬والمعايير،‭ ‬فإن‭ ‬الموقع‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬بين‭ ‬آسيا‭ ‬وأوروبا‭ ‬وإفريقيا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يتحول‭ ‬من‭ ‬ميزة‭ ‬جغرافية‭ ‬إلى‭ ‬منصة‭ ‬إنتاج‭ ‬وتبادل‭ ‬وقوة‭ ‬تفاوضية‭ ‬مؤثرة‭.‬

والاختبار‭ ‬الأصعب‭ ‬يظل‭ ‬اجتماعياً‭ ‬ومؤسسياً‭. ‬فالمصانع‭ ‬والمنصات‭ ‬الرقمية‭ ‬لا‭ ‬تكفي‭ ‬إذا‭ ‬لم‭ ‬يواكبها‭ ‬تحسن‭ ‬في‭ ‬جودة‭ ‬التعليم،‭ ‬وتطوير‭ ‬مهارات‭ ‬الشباب،‭ ‬وزيادة‭ ‬مشاركة‭ ‬المرأة،‭ ‬وبيئة‭ ‬أعمال‭ ‬أكثر‭ ‬شفافية‭ ‬وعدالة‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬الإنفاق‭ ‬الضخم‭ ‬على‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬أو‭ ‬المدن‭ ‬الجديدة‭ ‬قد‭ ‬يتحول‭ ‬إلى‭ ‬تكلفة‭ ‬غير‭ ‬منتجة‭ ‬إذا‭ ‬غابت‭ ‬المساءلة‭ ‬أو‭ ‬لم‭ ‬يولّد‭ ‬طلباً‭ ‬اقتصادياً‭ ‬حقيقياً‭. ‬فالمنعة‭ ‬لا‭ ‬تعني‭ ‬امتلاك‭ ‬الأصول‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬امتلاك‭ ‬مؤسسات‭ ‬تستطيع‭ ‬التعلم‭ ‬والتصحيح‭ ‬والاستجابة‭ ‬للمتغيرات‭ ‬الداخلية‭ ‬والخارجية‭.‬

خلاصة‭ ‬القول‭ ‬إن‭ ‬النموذج‭ ‬التنموي‭ ‬الجديد‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬موازنة‭ ‬دقيقة‭ ‬بين‭ ‬الكفاءة‭ ‬والأمن،‭ ‬والانفتاح‭ ‬والاستقلال،‭ ‬وسرعة‭ ‬التنفيذ‭ ‬وجودة‭ ‬المؤسسات‭. ‬لقد‭ ‬وسّعت‭ ‬المنطقة‭ ‬هامش‭ ‬المناورة،‭ ‬لكنها‭ ‬لم‭ ‬تحقق‭ ‬الاستقلال‭ ‬الكامل‭. ‬والفرصة‭ ‬المتاحة‭ ‬اليوم‭ ‬هي‭ ‬الانتقال‭ ‬من‭ ‬تصدير‭ ‬الموارد‭ ‬واستيراد‭ ‬الحلول‭ ‬إلى‭ ‬إنتاج‭ ‬المعرفة،‭ ‬وإدارة‭ ‬تدفقات‭ ‬السلع‭ ‬والطاقة‭ ‬ورأس‭ ‬المال‭ ‬والبيانات‭ ‬بين‭ ‬آسيا‭ ‬وأوروبا‭ ‬وإفريقيا؛‭ ‬فالموانئ‭ ‬الخليجية،‭ ‬مثلاً،‭ ‬لا‭ ‬تكتفي‭ ‬بعبور‭ ‬البضائع،‭ ‬بل‭ ‬يمكنها‭ ‬ربط‭ ‬النقل‭ ‬بالتمويل‭ ‬والتخزين‭ ‬والخدمات‭ ‬الرقمية‭.‬

وتؤكد‭ ‬دراسات‭ ‬صندوق‭ ‬النقد‭ ‬أن‭ ‬توسيع‭ ‬الأسواق‭ ‬وتنويع‭ ‬الشركاء‭ ‬وتحسين‭ ‬الترابط‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يرفع‭ ‬الاستثمار‭ ‬والإنتاجية‭ ‬والمنعة‭ ‬أمام‭ ‬الصدمات‭ (‬راجع‭ ‬تقارير‭ ‬صندوق‭ ‬النقد‭ ‬الدولي‭ ‬2026‭). ‬عندها‭ ‬فقط‭ ‬يستطيع‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬أن‭ ‬ينتقل‭ ‬تدريجيا‭ ‬من‭ ‬متلقٍ‭ ‬لقواعد‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي‭ ‬إلى‭ ‬شريك‭ ‬في‭ ‬صياغتها‭.‬

mkuwaiti@batelco‭.‬com‭.‬bh‭ ‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600) حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا