تجاوبا مع الأحداث الأخيرة، وفي شهر يوليو الماضي، كتب الاقتصادي المصري (مدحت نافع) رئيس مجلس إدارة الشركة العربية للسبائك، رؤيته للنموذج الاقتصادي الجديد للشرق الأوسط يقول فيه: »في عالم لم تعد فيه التجارة محايدة، ولا التكنولوجيا متاحة بلا شروط، يعيد الشرق الأوسط، والدول العربية بالذات، تعريف معنى التنمية. فالسؤال لم يعد: كيف ننتج بأقل كلفة؟ بل: كيف نضمن استمرار الغذاء والدواء والطاقة والبيانات عندما تتعطل الممرات أو تُفرض القيود؟ ومن هذا السؤال يولد نموذج تنموي جديد يوازن بين الانفتاح والمنعة، وبين سرعة النمو والقدرة على الصمود«.
لم يعد ممكناً قراءة التحولات الاقتصادية في الشرق الأوسط بالأدوات التي سادت خلال العقود الماضية. فالنموذج الذي قام على تعظيم الكفاءة، واستيراد ما هو أرخص، والاعتماد على انسياب التجارة ورأس المال والتكنولوجيا، يتراجع لمصلحة نموذج يضع المَنَعة الاقتصادية والأمن الاستراتيجي في صدارة الأولويات. ولا يعني ذلك أن تغلق دول المنطقة أبوابها أمام العالم، بل إنها تعيد تعريف الانفتاح ليقوم على شراكات أوسع، واعتماد أقل على مصدر واحد، وقدرة أكبر على الصمود أمام الصدمات.
هذا التحول ليس وليد قرار محلي منفرد. فقد كشفت الجائحة، والحرب الروسية الأوكرانية، واضطراب الممرات البحرية، وتصاعد الحمائية والتنافس بين القوى الكبرى، هشاشة سلاسل الإمداد الطويلة. كما أثبتت النزاعات الإقليمية أن الغذاء والطاقة والمدخلات الإلكترونية والبيانات لم تعد سلعاً تجارية محايدة، بل أدوات قوة ونفوذ.
لذلك أصبح على الحكومات أن تحسب تكلفة الانكشاف الخارجي، لا تكلفة الإنتاج وحدها؛ وقد تقبل حلاً أعلى كلفة إذا كان أكثر ضماناً للاستمرار، مثل تصنيع بعض الأدوية والمعدات الطبية محلياً بدلاً من الاعتماد الكامل على واردات معرضة للتعطل.
أول ملامح النموذج الجديد هو انتقال التنويع الاقتصادي من شعار إلى برنامج عمل، تُترجم فيه الرؤى إلى عقود وموازنات ومؤشرات قابلة للقياس. ويظهر ذلك في البرنامج الوطني للقيمة المضافة في الإمارات، الذي يمنح الموردين المعتمدين ميزة تنافسية في إسناد العقود، ويقيس الإنفاق والاستثمار والتوطين والبحث والتطوير والتكنولوجيا المتقدمة داخل الدولة.
وفي دول الخليج تتوسع القطاعات غير النفطية، وتُوجَّه الاستثمارات إلى الصناعة المتقدمة والخدمات اللوجستية والسياحة والطاقة النظيفة. ويؤكد صندوق النقد الدولي، أن النشاط غير الهيدروكربوني في دول المنطقة ظل قوياً بدعم الطلب المحلي وزخم الإصلاحات. والمهم ليس رقم النمو وحده، بل نوعيته وهل يرفع الإنتاجية ويولد المعرفة ويوفر وظائف ذات قيمة مضافة؟
ثاني الملامح هو عودة السياسة الصناعية، ولكن بصيغة حديثة. فالدولة لا تكتفي بالتنظيم، بل تساعد في تحديد القطاعات الواعدة وتمويل البنية التحتية وتطوير الموردين المحليين، وتربط الشراكات المحلية مع الشركات العالمية بالتدريب ونقل المعرفة. وتضع استراتيجية «مشروع 300 مليار الإماراتي» التكنولوجيا المتقدمة والبحث والتطوير وتنافسية الصناعة في صلب رفع مساهمة القطاع الصناعي وتنويع الاقتصاد. هذا النهج يتيح بناء قدرات إنتاجية كانت تُستورد بالكامل، لكنه قد يتجه إلى حماية شركات غير كفؤة وتحول الدعم إلى امتياز دائم. لذلك يظل نجاحه مرهوناً بمؤشرات أداء وافية، ومنافسة داخلية وخارجية، والقدرة على وقف المشروعات التي لا تحقق أهدافها.
أما الملمح الثالث، وفق مدحت نافع، فهو صعود الذكاء الاصطناعي بوصفه قضية تنموية وسيادية في آن واحد. فالسباق لم يعد على التطبيقات وحدها، بل يشمل مراكز البيانات والطاقة والرقائق والحوسبة السحابية واللغة التي تُدرَّب بها النماذج. وتتحرك الصناديق السيادية الخليجية من الاستثمار المالي التقليدي إلى امتلاك حصص في البنية التحتية الرقمية. وفي هذا السياق برزت نماذج لغوية عربية مثل «جيس» في الإمارات و«علّام» في السعودية؛ وقد طُوّر «علّام» خصيصاً لدعم منظومة تقنيات اللغة العربية وتحسين الأداء في اختبارات عربية متعددة. غير أن السيادة التكنولوجية ستظل نسبية ما دامت الرقائق المتقدمة والمنصات الأساسية خاضعة لقرارات خارجية؛ لذلك فالمطلوب ليس فقط محاولة الاكتفاء، بل تنويع الشركاء وبناء المهارات والقدرة التفاوضية.
ويمتد المنطق نفسه، حسب هذا التصور، إلى الأمن الغذائي والمائي والطاقة. فالشرق الأوسط من أكثر مناطق العالم تعرضاً لندرة المياه، فيما يرفع تغير المناخ والنمو السكاني الضغوط على الأمن الغذائي وإنتاج الطاقة.
ومن هنا تتجه الدول إلى تنويع مصادر الاستيراد، وبناء المخزونات، والاستثمار الزراعي الخارجي، والزراعة الذكية، وتحلية المياه بكفاءة أعلى. وفي الطاقة، لا يكفي الحفاظ على موقع المنطقة كمصدر للنفط والغاز؛ بل ينبغي تحويل مزاياها في رأس المال المادي والبشري والطاقة الشمسية والموقع الجغرافي إلى صناعات جديدة، من الهيدروجين إلى الخدمات المرتبطة بمراكز البيانات.
ويبرز كذلك دور الصناديق السيادية باعتبارها أداة للسياسة الاقتصادية، لا مجرد محافظ لحفظ الثروة. فهي تستثمر في التكنولوجيا والصناعة والطاقة والبنية التحتية، وتستخدم رأس المال طويل الأجل لفتح أسواق وشراكات جديدة. لكن القوة المالية وحدها لا تصنع تنمية مستدامة. المطلوب أن ترتبط الاستثمارات الخارجية ببناء سلاسل قيمة داخلية في التصنيع والخدمات، وأن يُقاس نجاحها بالعائد المعرفي والتنويع الإنتاجي وفرص العمل التي تخلقها وصادراتها، لا بحجم الصفقات فقط.
غير أن الحديث عن نموذج شرق أوسطي واحد يحتاج إلى حذر. فالدول المصدرة للنفط تمتلك هوامش مالية لا تتوافر للدول المثقلة بالدين أو المتضررة من النزاعات. وإذا تحول الصمود الاقتصادي إلى سباق وطني منفصل، فقد تتكرر المشروعات وتضيق الأسواق. أما إذا اقترن بتكامل في الكهرباء والنقل والأمن الغذائي والمدفوعات الرقمية والمعايير، فإن الموقع الاستراتيجي بين آسيا وأوروبا وإفريقيا يمكن أن يتحول من ميزة جغرافية إلى منصة إنتاج وتبادل وقوة تفاوضية مؤثرة.
والاختبار الأصعب يظل اجتماعياً ومؤسسياً. فالمصانع والمنصات الرقمية لا تكفي إذا لم يواكبها تحسن في جودة التعليم، وتطوير مهارات الشباب، وزيادة مشاركة المرأة، وبيئة أعمال أكثر شفافية وعدالة. كما أن الإنفاق الضخم على الذكاء الاصطناعي أو المدن الجديدة قد يتحول إلى تكلفة غير منتجة إذا غابت المساءلة أو لم يولّد طلباً اقتصادياً حقيقياً. فالمنعة لا تعني امتلاك الأصول فقط، بل امتلاك مؤسسات تستطيع التعلم والتصحيح والاستجابة للمتغيرات الداخلية والخارجية.
خلاصة القول إن النموذج التنموي الجديد في الشرق الأوسط ينبغي أن يقوم على موازنة دقيقة بين الكفاءة والأمن، والانفتاح والاستقلال، وسرعة التنفيذ وجودة المؤسسات. لقد وسّعت المنطقة هامش المناورة، لكنها لم تحقق الاستقلال الكامل. والفرصة المتاحة اليوم هي الانتقال من تصدير الموارد واستيراد الحلول إلى إنتاج المعرفة، وإدارة تدفقات السلع والطاقة ورأس المال والبيانات بين آسيا وأوروبا وإفريقيا؛ فالموانئ الخليجية، مثلاً، لا تكتفي بعبور البضائع، بل يمكنها ربط النقل بالتمويل والتخزين والخدمات الرقمية.
وتؤكد دراسات صندوق النقد أن توسيع الأسواق وتنويع الشركاء وتحسين الترابط يمكن أن يرفع الاستثمار والإنتاجية والمنعة أمام الصدمات (راجع تقارير صندوق النقد الدولي 2026). عندها فقط يستطيع الشرق الأوسط أن ينتقل تدريجيا من متلقٍ لقواعد الاقتصاد العالمي إلى شريك في صياغتها.
mkuwaiti@batelco.com.bh

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك