العدد : ١٧٧٣٣ - الأحد ١١ أكتوبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٣٠ ربيع الآخر ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٧٣٣ - الأحد ١١ أكتوبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٣٠ ربيع الآخر ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

الفلسطينيون وذكرى السابع من أكتوبر

بقلم: محمد مصطفى شاهين

الأحد ١١ أكتوبر ٢٠٢٦ - 02:00

في‭ ‬كل‭ ‬ذكرى‭ ‬سياسية‭ ‬كبرى‭ ‬تدور‭ ‬معركة‭ ‬لا‭ ‬تقل‭ ‬أهمية‭ ‬عن‭ ‬معركة‭ ‬الميدان‭: ‬معركة‭ ‬الذاكرة‭. ‬الأحداث‭ ‬لا‭ ‬تعيش‭ ‬بما‭ ‬وقع‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬بما‭ ‬يُقال‭ ‬عنها‭ ‬بعد‭ ‬وقوعها،‭ ‬ومن‭ ‬يملك‭ ‬صياغة‭ ‬الرواية‭ ‬يحدد‭ ‬من‭ ‬الضحية‭ ‬ومن‭ ‬الجاني،‭ ‬ومن‭ ‬صاحب‭ ‬الحق‭ ‬ومن‭ ‬المتهم‭.‬

تأتي‭ ‬الذكرى‭ ‬الثالثة‭ ‬للسابع‭ ‬من‭ ‬أكتوبر‭ ‬ليس‭ ‬كمناسبة‭ ‬لاستعادة‭ ‬المشاهد‭ ‬آليًّا،‭ ‬بل‭ ‬لحظة‭ ‬لإعادة‭ ‬قراءة‭ ‬فلسطين‭ ‬من‭ ‬بوابة‭ ‬الإنسان‭ ‬الفلسطيني‭ ‬الذي‭ ‬دفع‭ ‬الثمن‭ ‬الأكبر،‭ ‬ووجد‭ ‬نفسه‭ ‬بين‭ ‬نار‭ ‬الاحتلال‭ ‬ونار‭ ‬النزوح‭ ‬ونقص‭ ‬الغذاء‭ ‬والدواء‭ ‬وفقدان‭ ‬البيت‭ ‬والأهل‭ ‬والأمان‭.‬

إن‭ ‬فلسطين‭ ‬لم‭ ‬تبدأ‭ ‬في‭ ‬السابع‭ ‬من‭ ‬أكتوبر؛‭ ‬قبل‭ ‬ذلك‭ ‬اليوم‭ ‬وُجد‭ ‬احتلال‭ ‬وحصار‭ ‬واستيطان‭ ‬واقتحامات‭ ‬للأقصى‭ ‬وتهجير‭ ‬ومصادرة‭ ‬أرض‭ ‬واعتقالات‭ ‬وهدم‭ ‬منازل‭ ‬وقتل‭ ‬مدنيين‭.‬

من‭ ‬الخطأ‭ ‬أن‭ ‬يبدأ‭ ‬السرد‭ ‬من‭ ‬اللحظة‭ ‬التي‭ ‬اختارها‭ ‬الاحتلال،‭ ‬أو‭ ‬أن‭ ‬تنتهي‭ ‬الحكاية‭ ‬عندما‭ ‬يريده‭ ‬الإعلام‭ ‬الدولي‭.‬

السابع‭ ‬من‭ ‬أكتوبر‭ ‬انفجار‭ ‬داخل‭ ‬واقع‭ ‬معقد،‭ ‬لا‭ ‬يمحو‭ ‬ما‭ ‬سبقه‭ ‬ولا‭ ‬يمنح‭ ‬الاحتلال‭ ‬براءة‭.‬

هنا‭ ‬تبدأ‭ ‬مسؤولية‭ ‬الإعلام‭ ‬الفلسطيني،‭ ‬الإعلام‭ ‬ذاكرة‭ ‬شعب‭ ‬وشهادة‭ ‬حين‭ ‬يحاول‭ ‬الأقوياء‭ ‬كتابة‭ ‬التاريخ‭. ‬لقد‭ ‬اعتاد‭ ‬العالم‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬الفلسطينيين‭ ‬عبر‭ ‬الأرقام،‭ ‬لكن‭ ‬خلف‭ ‬كل‭ ‬رقم‭ ‬إنسان‭ ‬له‭ ‬اسم‭ ‬ووجه‭ ‬وبيت‭.‬

الشهيد‭ ‬ليس‭ ‬رقمًا،‭ ‬والنازح‭ ‬ليس‭ ‬إحصائية،‭ ‬والمصاب‭ ‬ليس‭ ‬صورة‭ ‬عابرة‭. ‬التغطية‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬تعيد‭ ‬الإنسان‭ ‬قبل‭ ‬الرقم،‭ ‬والحكاية‭ ‬قبل‭ ‬البيان‭.‬

المجتمع‭ ‬الفلسطيني‭ ‬في‭ ‬غزة‭ ‬عاش‭ ‬تجربة‭ ‬قاسية‭: ‬هناك‭ ‬مدن‭ ‬دُمرت،‭ ‬أحياء‭ ‬اختفت،‭ ‬عائلات‭ ‬فقدت‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬فرد‭ ‬في‭ ‬لحظة‭ ‬واحدة،‭ ‬بينما‭ ‬ينشغل‭ ‬العالم‭ ‬بالتفاصيل‭ ‬السياسية،‭ ‬يبحث‭ ‬الإنسان‭ ‬العادي‭ ‬عن‭ ‬الماء‭ ‬والدواء‭ ‬والمأوى‭.‬

الخيمة‭ ‬إعلان‭ ‬فقدان‭ ‬البيت،‭ ‬والطابور‭ ‬أمام‭ ‬المساعدات‭ ‬شهادة‭ ‬على‭ ‬انهيار‭ ‬الحياة،‭ ‬والطفل‭ ‬الذي‭ ‬يحمل‭ ‬الماء‭ ‬وثيقة‭ ‬سياسية‭.‬

الفلسطيني‭ ‬مطالب‭ ‬بالابتعاد‭ ‬عن‭ ‬الرواية‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬الجاهزة‭. ‬ليس‭ ‬المطلوب‭ ‬الإنكار،‭ ‬بل‭ ‬التمييز‭ ‬بين‭ ‬التوثيق‭ ‬وإعادة‭ ‬إنتاج‭ ‬الدعاية‭. ‬قوة‭ ‬الرواية‭ ‬تأتي‭ ‬من‭ ‬الدليل‭ ‬لا‭ ‬من‭ ‬ارتفاع‭ ‬الصوت‭.‬

شهادات‭ ‬الناجين‭ ‬والأطباء‭ ‬والصحفيين‭ ‬والأمهات‭ ‬والنازحين‭ ‬أرشيف‭ ‬حي‭ ‬يجب‭ ‬حفظه‭.‬

السؤال‭ ‬الأهم‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬ماذا‭ ‬حدث‭ ‬في‭ ‬السابع‭ ‬من‭ ‬أكتوبر،‭ ‬بل‭ ‬ماذا‭ ‬حدث‭ ‬للفلسطيني‭ ‬بعده؟‭ ‬ماذا‭ ‬بقي‭ ‬من‭ ‬المدينة‭ ‬والمخيم‭ ‬والبيت‭ ‬والمدرسة‭ ‬والمستشفى؟‭ ‬وقف‭ ‬إطلاق‭ ‬النار‭ ‬لا‭ ‬يصبح‭ ‬حقيقة‭ ‬إلا‭ ‬حين‭ ‬يشعر‭ ‬المدني‭ ‬أن‭ ‬حياته‭ ‬محمية،‭ ‬وأن‭ ‬المساعدات‭ ‬تصل،‭ ‬وأن‭ ‬البيت‭ ‬يمكن‭ ‬إعادة‭ ‬بنائه،‭ ‬وأن‭ ‬الأطفال‭ ‬يفكرون‭ ‬في‭ ‬المستقبل‭ ‬لا‭ ‬في‭ ‬الهرب‭. ‬السلام‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يعيد‭ ‬الكرامة‭ ‬هدنة‭ ‬بين‭ ‬جرحين‭.‬

المرحلة‭ ‬المقبلة‭ ‬تحتاج‭ ‬رواية‭ ‬تتجاوز‭ ‬الخبر‭ ‬إلى‭ ‬التحليل‭: ‬ماذا‭ ‬تغير‭ ‬في‭ ‬موقع‭ ‬القضية؟‭ ‬كيف‭ ‬أعادت‭ ‬الحرب‭ ‬ترتيب‭ ‬الأولويات‭ ‬الدولية؟‭ ‬وما‭ ‬الخيارات‭ ‬الفلسطينية؟‭ ‬والأهم‭ ‬استعادة‭ ‬الوحدة‭ ‬الداخلية؛‭ ‬بعد‭ ‬هذا‭ ‬الحجم‭ ‬من‭ ‬الدم‭ ‬لا‭ ‬يجوز‭ ‬أن‭ ‬تتحول‭ ‬السياسة‭ ‬إلى‭ ‬سوق‭ ‬مناكفات‭. ‬الناس‭ ‬يريدون‭ ‬حماية‭ ‬وإغاثة‭ ‬وإعمارًا،‭ ‬وقيادة‭ ‬تحمل‭ ‬أوجاعهم‭. ‬الوحدة‭ ‬ضرورة‭ ‬بقاء‭.‬

في‭ ‬الذكرى‭ ‬الثالثة‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬نسأل‭: ‬ماذا‭ ‬نريد‭ ‬أن‭ ‬يبقى‭ ‬بعد‭ ‬عشرين‭ ‬عامًا؟‭ ‬صور‭ ‬صادمة‭ ‬وشعارات،‭ ‬أم‭ ‬وثيقة‭ ‬تاريخية‭ ‬تقول‭ ‬إن‭ ‬شعبًا‭ ‬عاش‭ ‬تحت‭ ‬الاحتلال‭ ‬والحصار،‭ ‬ودفع‭ ‬ثمنًا‭ ‬باهظًا،‭ ‬لكنه‭ ‬لم‭ ‬يفقد‭ ‬حقه‭ ‬في‭ ‬الحرية‭ ‬والكرامة؟

إسرائيل‭ ‬تريد‭ ‬أن‭ ‬تجعل‭ ‬السابع‭ ‬من‭ ‬أكتوبر‭ ‬بداية‭ ‬الحكاية‭. ‬الفلسطيني‭ ‬يقول‭ ‬إن‭ ‬الحكاية‭ ‬أقدم‭ ‬بكثير‭. ‬غزة‭ ‬ليست‭ ‬مشهدًا‭ ‬واحدًا‭.‬

غزة‭ ‬قرية‭ ‬هُدمت،‭ ‬وبيت‭ ‬صمد،‭ ‬ومخيم‭ ‬ينتظر،‭ ‬ومدرسة‭ ‬تفتح‭ ‬أبوابها،‭ ‬وطفل‭ ‬يحمل‭ ‬حقيبته‭ ‬رغم‭ ‬الركام،‭ ‬وأم‭ ‬تحفظ‭ ‬أسماء‭ ‬أبنائها،‭ ‬وشاب‭ ‬يكتب‭ ‬من‭ ‬خيمة‭: ‬ما‭ ‬زلنا‭ ‬هنا‭.‬

إن‭ ‬الجملة‭ ‬الأهم‭ ‬أن‭ ‬الاحتلال‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬قد‭ ‬يدمر‭ ‬البيت،‭ ‬لكنه‭ ‬لا‭ ‬يهدم‭ ‬الذاكرة،‭ ‬وقد‭ ‬يطارد‭ ‬الصورة،‭ ‬لكنه‭ ‬لا‭ ‬يطارد‭ ‬كل‭ ‬الشهادات،‭ ‬وقد‭ ‬يفرض‭ ‬حصارًا،‭ ‬لكنه‭ ‬لا‭ ‬يحاصر‭ ‬الحقيقة‭ ‬إلى‭ ‬الأبد‭.‬

الذكرى‭ ‬الحقيقية‭ ‬ليست‭ ‬في‭ ‬رفع‭ ‬الصوت،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬رفع‭ ‬قيمة‭ ‬الإنسان‭ ‬الفلسطيني،‭ ‬وفي‭ ‬حماية‭ ‬الحقيقة‭ ‬وفي‭ ‬فهم‭ ‬المستقبل‭. ‬الشعوب‭ ‬تنتصر‭ ‬حين‭ ‬تمنع‭ ‬خصمها‭ ‬من‭ ‬هزيمتها‭ ‬في‭ ‬الذاكرة‭ ‬والرواية‭.‬

 

{ كاتب‭ ‬من‭ ‬فلسطين

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600) حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا