كنتُ أخاف على أبنائي وهم صغار من ساعات طويلة أمام الشاشة تسرق نومهم وتشتّت واجباتهم، فركّبتُ على حاسوب البيت موقّتاً يقطع الإنترنت في ساعة محددة، وارتحتُ لأنني أحميهم من دون أن أقف فوق رؤوسهم. مرّت السنوات وكبرت ابنتي، وفي حديث عابر بيننا اعترفت لي بفخر بريء أنها كانت تعيد ضبط الساعة كلما اقترب الموعد، فتربح وقتاً إضافياً من دون أن أشعر. ثم ابتسمت وقالت إنها مازالت تذكر كم كانت تشعر بالانتصار. ضحكتُ يومها، لكن اعترافها بقي في بالي: الموقّت كان يضبط الوقت، ولم يسأل يوماً ما الذي يشدّ الطفل إلى الشاشة أصلاً.
واليوم صار السؤال هو هذا بالذات. قرأتُ عن دراسة كندية أجراها باحثون في جامعة أوتاوا على نحو أربعين ألف طالب وطالبة في مدارس بمقاطعة أونتاريو.. سألوهم عن أمر واحد: هل لجأتَ إلى برنامج محادثة اصطناعي ليساعدك فيما تشعر به، أو ينصحك في علاقتك بأصدقائك وأهلك؟ فقال واحد من كل خمسة تقريباً إن جوابه نعم. وكان احتمال أن تظهر عند هؤلاء الطلاب مشكلات عاطفية تستدعي انتباه المختصين أعلى بنحو الضعف مما هو عند زملائهم، وكانوا أكثر شعوراً بالوحدة، وأقل شعوراً بأنهم مهمّون لمن حولهم.
وقد يظن البعض أن الوحدة وحدها هي السبب، غير أن تقارير عن الدراسة ذكرت أن الفرق بقي -وإن صار أصغر- حتى بين طلاب بمستوى الوحدة نفسه؛ أي أن للوحدة نصيباً من التفسير، ويبقى نصيب آخر لم يُعرف بعد.
لكن الباحثين أنفسهم حذّروا من قراءة النتيجة على أنها إدانة للآلة. فالدراسة تلتقط صورة واحدة في وقت واحد، ولا تكشف هل الألم هو الذي دفع الطالب إلى البرنامج، أم أن البرنامج زاد الألم. وتقول إحدى مؤلفات الدراسة إن السؤال المهم أمام الأهل والمعلمين هو لماذا يلجأ الطالب إلى هذه البرامج أصلاً. وترى في ذلك فرصة لحديث هادئ يعيده إلى من يسنده من الناس. وأفهم من ذلك أن الطالب الذي يحكي لآلة همّه ربما يحتاج قبل كل شيء إلى أذن بشرية لم يجدها. وهذا يغيّر السؤال الذي كنا نطرحه: من «كم ساعة يقضي أمام الشاشة؟» إلى «وماذا يبحث فيها؟».
وللإنصاف، نقلت هيئة الإذاعة الكندية CBC عن مختصين أن هذه البرامج قد تفيد من لا يجد أحداً يحكي له، فتسدّ فراغاً في حياته. غير أنهم يقلقون لأنها لا تخضع بعد لقواعد تنظّم عملها. ويقولون أيضاً إن إبعاد الطلاب عن هذه البرامج كلياً قد يكون مستحيلاً.
وتبيّن أن اللجوء إلى هذه البرامج كان أعلى عند الطلاب الأكبر سناً منه عند الأصغر سناً. وأظن -وهذا تخمين مني- أن من يكبر تكثر أسراره، ويصعب عليه أن يفتح بعضها أمام أهله، فيجد في الشاشة مكاناً بلا نظرات ولا أسئلة.
تخيّلوا واحداً من هؤلاء الطلاب يعود من المدرسة وقد جرحه كلام زميل. يجلس مع أهله على العشاء ولا يقول شيئاً، ثم يدخل غرفته ويكتب لبرنامج المحادثة كل ما في صدره. هو لا يقصد أن يجرح أهله بصمته، فهو لا يعرف كيف يبدأ الكلام معهم. يأتيه الرد في ثوانٍ، لطيفاً ومطمئناً. وفي الغرفة المجاورة أهله يتمنون لو يعرفون ما به، ويسألونه عن الواجبات والطعام لأنهم لا يدرون من أين يبدؤون.
وما يقلقني أنا هو ما يحدث بعد أن يجد الطالب تلك الأذن الاصطناعية. الرفيق الحقيقي يتعب أحياناً وينشغل عنا، وقد يعاتبنا أو ينسى ما قلناه له الأسبوع الماضي، بينما البرنامج حاضر في أي ساعة، لا يملّ ولا يغضب. وتنقل CBC عن مختصين أن هذه البرامج تقلّد التعاطف، لكنها لا تقدّم ما يقدّمه الناس بعضهم لبعض حين يتفاوضون ويتنازلون لحلّ الخلاف. يبدو ذلك من الخارج صداقة كاملة، لكنه يفتقد الشيء الذي يصنع الصداقة.
فالصداقة التي تدوم سنوات تنشأ من الاحتكاك: صديق عاتبنا فتصالحنا، فتعلّمنا معه كيف نحتمل رأياً غير رأينا. ويقول الدكتور جيسون ناغاتا، طبيب أمريكي مختص بالمراهقين في جامعة كاليفورنيا في سان فرانسيسكو، إن تعلّم الخلاف مع الناس مهارة أساسية للمراهق، ولا تتحقق مع الآلة. وأخشى أن من لم يجرّب أن المحبة تصمد بعد الخلاف قد يظن أول خلاف حقيقي في حياته نهاية العلاقة.
ولا أظن أن الحل يبدأ بالمنع، فموقّتي القديم علّمني أن الأبناء يجدون طريقهم حول أي قفل. وتنصح أخصائية نفسية للمراهقين هي كانديس فينبرغ بأن ننتبه إذا صار ابننا أو ابنتنا يفضّل الحديث مع البرنامج على الحديث مع أهله وأصدقائه، فقد يكون في صدره كلام لم يجد من يسمعه. وأتمنى أن نجلس بجانبه بهدوء، ونسأله عن يومه، ثم نسكت ونسمع حتى ينتهي، قبل أن نفكر في أي عقاب.
موقّت البيت هزمته طفلة تريد دقائق إضافية من اللعب، وكان يقيس الساعات. أما ما نواجهه اليوم فلا يُقاس بالساعات. والسؤال الذي يبقى بعد كل ما قرأناه: حين يضيق صدر ابننا أو ابنتنا، إلى من يذهب أولاً؟
{ قانونية وكاتبة بحرينية.
rajabnabeela@gmail.com

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك