العدد : ١٧٧٣٢ - السبت ١٠ أكتوبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٩ ربيع الآخر ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٧٣٢ - السبت ١٠ أكتوبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٩ ربيع الآخر ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

تجارب طلابية في التعامل مع الذكاء الاصطناعي

بقلم: نبيلة رجب

السبت ١٠ أكتوبر ٢٠٢٦ - 02:00

كنتُ‭ ‬أخاف‭ ‬على‭ ‬أبنائي‭ ‬وهم‭ ‬صغار‭ ‬من‭ ‬ساعات‭ ‬طويلة‭ ‬أمام‭ ‬الشاشة‭ ‬تسرق‭ ‬نومهم‭ ‬وتشتّت‭ ‬واجباتهم،‭ ‬فركّبتُ‭ ‬على‭ ‬حاسوب‭ ‬البيت‭ ‬موقّتاً‭ ‬يقطع‭ ‬الإنترنت‭ ‬في‭ ‬ساعة‭ ‬محددة،‭ ‬وارتحتُ‭ ‬لأنني‭ ‬أحميهم‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬أقف‭ ‬فوق‭ ‬رؤوسهم‭. ‬مرّت‭ ‬السنوات‭ ‬وكبرت‭ ‬ابنتي،‭ ‬وفي‭ ‬حديث‭ ‬عابر‭ ‬بيننا‭ ‬اعترفت‭ ‬لي‭ ‬بفخر‭ ‬بريء‭ ‬أنها‭ ‬كانت‭ ‬تعيد‭ ‬ضبط‭ ‬الساعة‭ ‬كلما‭ ‬اقترب‭ ‬الموعد،‭ ‬فتربح‭ ‬وقتاً‭ ‬إضافياً‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬أشعر‭. ‬ثم‭ ‬ابتسمت‭ ‬وقالت‭ ‬إنها‭ ‬مازالت‭ ‬تذكر‭ ‬كم‭ ‬كانت‭ ‬تشعر‭ ‬بالانتصار‭. ‬ضحكتُ‭ ‬يومها،‭ ‬لكن‭ ‬اعترافها‭ ‬بقي‭ ‬في‭ ‬بالي‭: ‬الموقّت‭ ‬كان‭ ‬يضبط‭ ‬الوقت،‭ ‬ولم‭ ‬يسأل‭ ‬يوماً‭ ‬ما‭ ‬الذي‭ ‬يشدّ‭ ‬الطفل‭ ‬إلى‭ ‬الشاشة‭ ‬أصلاً‭.‬

واليوم‭ ‬صار‭ ‬السؤال‭ ‬هو‭ ‬هذا‭ ‬بالذات‭. ‬قرأتُ‭ ‬عن‭ ‬دراسة‭ ‬كندية‭ ‬أجراها‭ ‬باحثون‭ ‬في‭ ‬جامعة‭ ‬أوتاوا‭ ‬على‭ ‬نحو‭ ‬أربعين‭ ‬ألف‭ ‬طالب‭ ‬وطالبة‭ ‬في‭ ‬مدارس‭ ‬بمقاطعة‭ ‬أونتاريو‭.. ‬سألوهم‭ ‬عن‭ ‬أمر‭ ‬واحد‭: ‬هل‭ ‬لجأتَ‭ ‬إلى‭ ‬برنامج‭ ‬محادثة‭ ‬اصطناعي‭ ‬ليساعدك‭ ‬فيما‭ ‬تشعر‭ ‬به،‭ ‬أو‭ ‬ينصحك‭ ‬في‭ ‬علاقتك‭ ‬بأصدقائك‭ ‬وأهلك؟‭ ‬فقال‭ ‬واحد‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬خمسة‭ ‬تقريباً‭ ‬إن‭ ‬جوابه‭ ‬نعم‭. ‬وكان‭ ‬احتمال‭ ‬أن‭ ‬تظهر‭ ‬عند‭ ‬هؤلاء‭ ‬الطلاب‭ ‬مشكلات‭ ‬عاطفية‭ ‬تستدعي‭ ‬انتباه‭ ‬المختصين‭ ‬أعلى‭ ‬بنحو‭ ‬الضعف‭ ‬مما‭ ‬هو‭ ‬عند‭ ‬زملائهم،‭ ‬وكانوا‭ ‬أكثر‭ ‬شعوراً‭ ‬بالوحدة،‭ ‬وأقل‭ ‬شعوراً‭ ‬بأنهم‭ ‬مهمّون‭ ‬لمن‭ ‬حولهم‭.‬

وقد‭ ‬يظن‭ ‬البعض‭ ‬أن‭ ‬الوحدة‭ ‬وحدها‭ ‬هي‭ ‬السبب،‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬تقارير‭ ‬عن‭ ‬الدراسة‭ ‬ذكرت‭ ‬أن‭ ‬الفرق‭ ‬بقي‭ -‬وإن‭ ‬صار‭ ‬أصغر‭- ‬حتى‭ ‬بين‭ ‬طلاب‭ ‬بمستوى‭ ‬الوحدة‭ ‬نفسه؛‭ ‬أي‭ ‬أن‭ ‬للوحدة‭ ‬نصيباً‭ ‬من‭ ‬التفسير،‭ ‬ويبقى‭ ‬نصيب‭ ‬آخر‭ ‬لم‭ ‬يُعرف‭ ‬بعد‭.‬

لكن‭ ‬الباحثين‭ ‬أنفسهم‭ ‬حذّروا‭ ‬من‭ ‬قراءة‭ ‬النتيجة‭ ‬على‭ ‬أنها‭ ‬إدانة‭ ‬للآلة‭. ‬فالدراسة‭ ‬تلتقط‭ ‬صورة‭ ‬واحدة‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬واحد،‭ ‬ولا‭ ‬تكشف‭ ‬هل‭ ‬الألم‭ ‬هو‭ ‬الذي‭ ‬دفع‭ ‬الطالب‭ ‬إلى‭ ‬البرنامج،‭ ‬أم‭ ‬أن‭ ‬البرنامج‭ ‬زاد‭ ‬الألم‭. ‬وتقول‭ ‬إحدى‭ ‬مؤلفات‭ ‬الدراسة‭ ‬إن‭ ‬السؤال‭ ‬المهم‭ ‬أمام‭ ‬الأهل‭ ‬والمعلمين‭ ‬هو‭ ‬لماذا‭ ‬يلجأ‭ ‬الطالب‭ ‬إلى‭ ‬هذه‭ ‬البرامج‭ ‬أصلاً‭. ‬وترى‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬فرصة‭ ‬لحديث‭ ‬هادئ‭ ‬يعيده‭ ‬إلى‭ ‬من‭ ‬يسنده‭ ‬من‭ ‬الناس‭. ‬وأفهم‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬الطالب‭ ‬الذي‭ ‬يحكي‭ ‬لآلة‭ ‬همّه‭ ‬ربما‭ ‬يحتاج‭ ‬قبل‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬إلى‭ ‬أذن‭ ‬بشرية‭ ‬لم‭ ‬يجدها‭. ‬وهذا‭ ‬يغيّر‭ ‬السؤال‭ ‬الذي‭ ‬كنا‭ ‬نطرحه‭: ‬من‭ ‬‮«‬كم‭ ‬ساعة‭ ‬يقضي‭ ‬أمام‭ ‬الشاشة؟‮»‬‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬وماذا‭ ‬يبحث‭ ‬فيها؟‮»‬‭.‬

وللإنصاف،‭ ‬نقلت‭ ‬هيئة‭ ‬الإذاعة‭ ‬الكندية‭ ‬CBC‭ ‬عن‭ ‬مختصين‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬البرامج‭ ‬قد‭ ‬تفيد‭ ‬من‭ ‬لا‭ ‬يجد‭ ‬أحداً‭ ‬يحكي‭ ‬له،‭ ‬فتسدّ‭ ‬فراغاً‭ ‬في‭ ‬حياته‭. ‬غير‭ ‬أنهم‭ ‬يقلقون‭ ‬لأنها‭ ‬لا‭ ‬تخضع‭ ‬بعد‭ ‬لقواعد‭ ‬تنظّم‭ ‬عملها‭. ‬ويقولون‭ ‬أيضاً‭ ‬إن‭ ‬إبعاد‭ ‬الطلاب‭ ‬عن‭ ‬هذه‭ ‬البرامج‭ ‬كلياً‭ ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬مستحيلاً‭.‬

وتبيّن‭ ‬أن‭ ‬اللجوء‭ ‬إلى‭ ‬هذه‭ ‬البرامج‭ ‬كان‭ ‬أعلى‭ ‬عند‭ ‬الطلاب‭ ‬الأكبر‭ ‬سناً‭ ‬منه‭ ‬عند‭ ‬الأصغر‭ ‬سناً‭. ‬وأظن‭ -‬وهذا‭ ‬تخمين‭ ‬مني‭- ‬أن‭ ‬من‭ ‬يكبر‭ ‬تكثر‭ ‬أسراره،‭ ‬ويصعب‭ ‬عليه‭ ‬أن‭ ‬يفتح‭ ‬بعضها‭ ‬أمام‭ ‬أهله،‭ ‬فيجد‭ ‬في‭ ‬الشاشة‭ ‬مكاناً‭ ‬بلا‭ ‬نظرات‭ ‬ولا‭ ‬أسئلة‭.‬

تخيّلوا‭ ‬واحداً‭ ‬من‭ ‬هؤلاء‭ ‬الطلاب‭ ‬يعود‭ ‬من‭ ‬المدرسة‭ ‬وقد‭ ‬جرحه‭ ‬كلام‭ ‬زميل‭. ‬يجلس‭ ‬مع‭ ‬أهله‭ ‬على‭ ‬العشاء‭ ‬ولا‭ ‬يقول‭ ‬شيئاً،‭ ‬ثم‭ ‬يدخل‭ ‬غرفته‭ ‬ويكتب‭ ‬لبرنامج‭ ‬المحادثة‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬في‭ ‬صدره‭. ‬هو‭ ‬لا‭ ‬يقصد‭ ‬أن‭ ‬يجرح‭ ‬أهله‭ ‬بصمته،‭ ‬فهو‭ ‬لا‭ ‬يعرف‭ ‬كيف‭ ‬يبدأ‭ ‬الكلام‭ ‬معهم‭. ‬يأتيه‭ ‬الرد‭ ‬في‭ ‬ثوانٍ،‭ ‬لطيفاً‭ ‬ومطمئناً‭. ‬وفي‭ ‬الغرفة‭ ‬المجاورة‭ ‬أهله‭ ‬يتمنون‭ ‬لو‭ ‬يعرفون‭ ‬ما‭ ‬به،‭ ‬ويسألونه‭ ‬عن‭ ‬الواجبات‭ ‬والطعام‭ ‬لأنهم‭ ‬لا‭ ‬يدرون‭ ‬من‭ ‬أين‭ ‬يبدؤون‭.‬

وما‭ ‬يقلقني‭ ‬أنا‭ ‬هو‭ ‬ما‭ ‬يحدث‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬يجد‭ ‬الطالب‭ ‬تلك‭ ‬الأذن‭ ‬الاصطناعية‭. ‬الرفيق‭ ‬الحقيقي‭ ‬يتعب‭ ‬أحياناً‭ ‬وينشغل‭ ‬عنا،‭ ‬وقد‭ ‬يعاتبنا‭ ‬أو‭ ‬ينسى‭ ‬ما‭ ‬قلناه‭ ‬له‭ ‬الأسبوع‭ ‬الماضي،‭ ‬بينما‭ ‬البرنامج‭ ‬حاضر‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬ساعة،‭ ‬لا‭ ‬يملّ‭ ‬ولا‭ ‬يغضب‭. ‬وتنقل‭ ‬CBC‭ ‬عن‭ ‬مختصين‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬البرامج‭ ‬تقلّد‭ ‬التعاطف،‭ ‬لكنها‭ ‬لا‭ ‬تقدّم‭ ‬ما‭ ‬يقدّمه‭ ‬الناس‭ ‬بعضهم‭ ‬لبعض‭ ‬حين‭ ‬يتفاوضون‭ ‬ويتنازلون‭ ‬لحلّ‭ ‬الخلاف‭. ‬يبدو‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬الخارج‭ ‬صداقة‭ ‬كاملة،‭ ‬لكنه‭ ‬يفتقد‭ ‬الشيء‭ ‬الذي‭ ‬يصنع‭ ‬الصداقة‭.‬

فالصداقة‭ ‬التي‭ ‬تدوم‭ ‬سنوات‭ ‬تنشأ‭ ‬من‭ ‬الاحتكاك‭: ‬صديق‭ ‬عاتبنا‭ ‬فتصالحنا،‭ ‬فتعلّمنا‭ ‬معه‭ ‬كيف‭ ‬نحتمل‭ ‬رأياً‭ ‬غير‭ ‬رأينا‭. ‬ويقول‭ ‬الدكتور‭ ‬جيسون‭ ‬ناغاتا،‭ ‬طبيب‭ ‬أمريكي‭ ‬مختص‭ ‬بالمراهقين‭ ‬في‭ ‬جامعة‭ ‬كاليفورنيا‭ ‬في‭ ‬سان‭ ‬فرانسيسكو،‭ ‬إن‭ ‬تعلّم‭ ‬الخلاف‭ ‬مع‭ ‬الناس‭ ‬مهارة‭ ‬أساسية‭ ‬للمراهق،‭ ‬ولا‭ ‬تتحقق‭ ‬مع‭ ‬الآلة‭. ‬وأخشى‭ ‬أن‭ ‬من‭ ‬لم‭ ‬يجرّب‭ ‬أن‭ ‬المحبة‭ ‬تصمد‭ ‬بعد‭ ‬الخلاف‭ ‬قد‭ ‬يظن‭ ‬أول‭ ‬خلاف‭ ‬حقيقي‭ ‬في‭ ‬حياته‭ ‬نهاية‭ ‬العلاقة‭.‬

ولا‭ ‬أظن‭ ‬أن‭ ‬الحل‭ ‬يبدأ‭ ‬بالمنع،‭ ‬فموقّتي‭ ‬القديم‭ ‬علّمني‭ ‬أن‭ ‬الأبناء‭ ‬يجدون‭ ‬طريقهم‭ ‬حول‭ ‬أي‭ ‬قفل‭. ‬وتنصح‭ ‬أخصائية‭ ‬نفسية‭ ‬للمراهقين‭ ‬هي‭ ‬كانديس‭ ‬فينبرغ‭ ‬بأن‭ ‬ننتبه‭ ‬إذا‭ ‬صار‭ ‬ابننا‭ ‬أو‭ ‬ابنتنا‭ ‬يفضّل‭ ‬الحديث‭ ‬مع‭ ‬البرنامج‭ ‬على‭ ‬الحديث‭ ‬مع‭ ‬أهله‭ ‬وأصدقائه،‭ ‬فقد‭ ‬يكون‭ ‬في‭ ‬صدره‭ ‬كلام‭ ‬لم‭ ‬يجد‭ ‬من‭ ‬يسمعه‭. ‬وأتمنى‭ ‬أن‭ ‬نجلس‭ ‬بجانبه‭ ‬بهدوء،‭ ‬ونسأله‭ ‬عن‭ ‬يومه،‭ ‬ثم‭ ‬نسكت‭ ‬ونسمع‭ ‬حتى‭ ‬ينتهي،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬نفكر‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬عقاب‭.‬

موقّت‭ ‬البيت‭ ‬هزمته‭ ‬طفلة‭ ‬تريد‭ ‬دقائق‭ ‬إضافية‭ ‬من‭ ‬اللعب،‭ ‬وكان‭ ‬يقيس‭ ‬الساعات‭. ‬أما‭ ‬ما‭ ‬نواجهه‭ ‬اليوم‭ ‬فلا‭ ‬يُقاس‭ ‬بالساعات‭. ‬والسؤال‭ ‬الذي‭ ‬يبقى‭ ‬بعد‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬قرأناه‭: ‬حين‭ ‬يضيق‭ ‬صدر‭ ‬ابننا‭ ‬أو‭ ‬ابنتنا،‭ ‬إلى‭ ‬من‭ ‬يذهب‭ ‬أولاً؟

 

{‭ ‬قانونية‭ ‬وكاتبة‭ ‬بحرينية‭.‬

rajabnabeela@gmail‭.‬com

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600) حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا