بعد سنواتٍ حافلةٍ بالعطاءِ والإنجازاتِ مع الأنديةِ والمنتخبِ الوطني، يطوي الدولي السابق محمد ميرزا صفحةَ مشوارِه لاعبًا، بعد مسيرةٍ ترك خلالها بصمةً واضحةً في كرةِ اليد البحرينية، وعاصر أجيالًا مختلفةً من «المحاربين»، وشارك في محطاتٍ تاريخيَّة، أبرزها التأهلُ الأول إلى كأس العالم، والوصول إلى أولمبياد طوكيو 2020.
وفي هذا الحوار مع «أخبار الخليج الرياضي»، يسترجعُ محمد ميرزا بداياتِه مع اللعبة، وأبرز محطات مسيرته، وذكريات التأهل التاريخي إلى المونديال والأولمبياد، كما يتحدثُ عن الجيلِ الحالي من «المحاربين»، وما يتطلعُ إليه بعد الاعتزال، والرسالة التي يتركها للأجيالِ القادمة.
{ بعد مسيرة امتدت سنوات طويلة.. كيف تتذكر البدايات الأولى لمحمد ميرزا مع كرة اليد؟ ومن كان له الفضل في اكتشاف موهبتك؟
- البدايات دائمًا ما تحمل طابعًا خاصًا وممزوجًا بالشغف، بدأت كأي طفل يعشق كرة اليد في الأحياء والأندية المحلية، حيث كانت اللعبة هي الشغف الأول. يعود الفضل بعد الله تعالى إلى المدربين الأوائل في الفئات العمرية الذين آمنوا بموهبتي، ورأوا فيَّ مقومات اللاعب الذي يمكنه العطاء والاستمرار، وكان لتشجيع العائلة والبيئة الرياضية المحيطة الدور الأكبر في صقل هذه الموهبة.
{ عشرون عامًا مع المنتخب الوطني.. عندما تسترجع هذه السنوات، ماذا يعني لك ارتداء قميص «المحاربين» وتمثيل مملكة البحرين؟
- ارتداء قميص منتخب البحرين لـ20 عامًا هو شرف لا يُضاهيه شرف. كلمة «المحاربين» لم تكن مجرد لقب، بل كانت أسلوب حياة داخل الملعب؛ كنا نلعب بروح البحريني الذي لا يستسلم، ونرفع علم المملكة في كل محفل بحس المسؤولية والفخر.
{خلال عقدين مع المنتخب عاصرت أجيالًا مختلفة من اللاعبين.. كيف تغيَّر المنتخب وكرة اليد البحرينية من وجهة نظرك؟
- خلال عقدين، عاصرت أجيالًا تتسم بالقتالية والتأسيس القوي، حتى وصلنا إلى جيل يتسم بالاحترافية العالية والخبرة الدولية. التغير الحقيقي كان في الذهنية؛ تحولنا من منتخب يطمح إلى المنافسة إقليميًّا إلى منتخب يُحسب له ألف حساب عالميًّا وآسيويًّا.
{ كنتم جزءًا من الجيل الذي حاول سنوات الوصول إلى كأس العالم، قبل أن يتحقق التأهل للمرة الأولى.. كيف عشت تلك اللحظة؟
- كانت لحظة امتزجت فيها الدموع بالفرح. سنوات من المحاولات والتعثرات القريبة، وعندما تحقق التأهل للمرة الأولى، شعرنا أن كل نقطة عرق مسحت سنوات التعب، وكانت نقطة التحول التاريخية لكرة اليد البحرينية.
{ اليوم وصل «المحاربون» إلى نهائيات كأس العالم للمرة الثامنة في تاريخهم.. ماذا يعني لك هذا الإنجاز وأنت أحد اللاعبين الذين ساهموا في بناء هذه المسيرة؟
رؤية «المحاربين» يصلون إلى المونديال للمرة الثامنة تُشعرني بالاعتزاز؛ لأنها تؤكد أن ما بنيناه مع الأجيال السابقة لم يكن طفرة عابرة، بل قاعدة صلبة واستمرارية في القمة.
{ التأهل التاريخي إلى أولمبياد طوكيو 2020 كان محطة استثنائية.. ماذا تتذكر من تلك اللحظة وماذا مثّلت لك شخصيًا؟
- التأهل للأولمبياد هو أسمى حلم لأي رياضي. الوجود في طوكيو وسط صفوة رياضيي العالم كان محطة استثنائية وتتويجًا لمسيرة طويلة من الجهد والتضحية، وهي اللحظة الأكثر فخرًا في تاريخنا الرياضي.
{ في بداية العام الحالي حقق المنتخب كأس آسيا للمرة الأولى في تاريخه بعد سنوات طويلة من المحاولات.. ماذا شعرت عندما شاهدت الحلم الذي طال انتظاره يتحقق؟
- كانت مشاعر لا توصف. بعد سنوات من الوصول إلى النهائيات والحلول في وصافة القارة، رؤية الكأس الآسيوية في أيدي المحاربين كانت بمثابة تحقيق الحلم الأكبر الذي طال انتظاره، والعدالة التي استحقها هذا الجيل والرياضة البحرينية.
{ هل ترى أن تتويج الجيل الحالي آسيويًا هو امتداد لما قدمته الأجيال السابقة، ومنها جيل محمد ميرزا الذي حاول الوصول إلى هذا الإنجاز؟
- بالتأكيد التتويج الآسيوي لم يأتِ من فراغ، بل هو تراكم خبرات وتضحيات أجيال متعاقبة مهدت الطريق، وجاء الجيل الحالي ليكمل اللوحة ويحقق الذهب.
* حققت عديد من البطولات والإنجازات مع الأندية والمنتخب.. ما اللقب أو الإنجاز الذي تحتفظ له بمكانة خاصة في قلبك؟
- كل بطولة لها طعم خاص، لكن التأهل إلى أولمبياد طوكيو يبقى له مكانة خاصة جدًا في قلبي، لأنه الحلم الرياضي الأسمى الذي يسعى له كل لاعب في العالم.
{ من بين جميع الأندية التي مثلتها خلال مسيرتك، أي نادٍ تشعر أنه كان الأفضل بالنسبة إليك فنيًّا وإنسانيًّا، وشكّل محطة فارقة في مسيرتك؟ ولماذا؟
- صراحة ومن دون دبلوماسية، صعوبة التفضيل لا تعني التهرب، بل لأن لكل تجربة يخوضها اللاعب بصمتها الخاصة التي لا تشبه غيرها.
هناك نادٍ كان هو الأساس والمدرسة التي صنعت شخصيتي داخل الملعب، وشهدت انطلاقتي الأولى ودعمًا إنسانيًا من جماهير وإدارة لا يمكن أن أنساه. وهناك نادٍ آخر مثّل مرحلة النضج والقمة الفنية، حيث عشت فيه بيئة تنافسية أعلى وضغوطات بطولات جعلتني أقدم أفضل ما لدي فنيًا وأحقق معه الألقاب الكبرى.
كل نادٍ مثّلته ترك في ذاكرتي تجربة فريدة، الأول صنع البناء الأول لشخصيتي كلاعب، والآخر توّج هذا البناء بالاستمرارية وحصد البطولات.
{ خلال هذه المسيرة الطويلة ما المباراة التي لا تزال عالقة في ذاكرتك وتتمنى لو تعيشها من جديد؟
- مباراتنا التاريخية أمام المنتخب السعودي في البطولة الآسيوية ببيروت عام 2010، كانت مباراة فارقة بكل المقاييس ومحفورة في ذاكرتي بكل تفاصيلها. المواجهة كانت تحبس الأنفاس والضغوطات فيها بلغت ذروتها، ولعبت بروح قتالية عالية من الطرفين حتى اللحظات الأخيرة.
تلك الليلة شهدت انتصارًا دراماتيكيًا فتح لنا باب التأهل الأول لكأس العالم في السويد، ولحظة صافرة النهاية وفرحة التأهل المونديالي التاريخي.
{ وماذا يمثل لك شخصيًا دعم سمو الشيخ خالد بن حمد آل خليفة، وهل هناك موقف أو كلمة منه بقيت عالقة في ذاكرتك؟
- دعم سمو الشيخ خالد بن حمد آل خليفة يمثل لي ولجميع اللاعبين دافعًا معنويًا لا يُقدّر بثمن. كلماته المشجعة ووجوده الدائم إلى جانبنا في الأوقات الصعبة قبل السعيدة كانت تعطينا الشحنة القوية لتقديم أقصى ما لدينا.
{ بعد سنوات مع المنتخب، كيف تنظر إلى الجيل الحالي من «المحاربين»؟ وهل ترى أنهم قادرون على مواصلة الإنجازات؟
- أرى في الجيل الحالي الامتداد الحقيقي لروح المحاربين، يمتلكون الموهبة، والخبرة، والانتماء، وأنا على ثقة تامة بقدرتهم على مواصلة حصد الإنجازات ورفع اسم المملكة عاليًا.
{ لو تحدثت اليوم بكل صراحة بعيدًا عن المجاملات، ما أكثر شيء كنت تتمنى أن يتغير في كرة اليد البحرينية؟
- بكل صراحة ودون مجاملة، أكثر شيء كنت أتمنى تغييره هو عدم وجود اللاعب المحترف الأجنبي في الدوري المحلي، كنت أتمنى تطبيق نظام السماح باستقطاب المحترفين الأجانب في الأندية البحرينية لرفع مستوى المنافسة والقيمة الفنية للدوري.
{ متى بدأت تفكر جديًا في الاعتزال؟ وهل كان اتخاذ القرار سهلًا بعد 20 عامًا من تمثيل المنتخب؟
- التفكير في الاعتزال يبدأ عندما تشعر أنك قدمت كل ما لديك، وأن الوقت قد حان لمنح الفرصة للدماء الجديدة. القرار لم يكن سهلًا على الإطلاق بعد 20 عامًا من العطاء، لكن اتخاذه في القمة وفي الوقت المناسب هو الخيار الأفضل.
{ ما توجه محمد ميرزا في المرحلة المقبلة بعد الاعتزال؟
- مستمر في خدمة الرياضة البحرينية، فالتوجه القادم ينصب نحو مجال التدريب الفني والإعداد البدني ونقل الخبرات التراكمية إلى اللاعبين الجدد والأندية، للمساهمة في صناعة أبطال جدد يستكملون مسيرة الرياضة الوطنية.
{ بعد إسدال الستار على مسيرتك كلاعب، ماذا تقول لمملكة البحرين وللأجيال القادمة؟
- أقول لمملكة البحرين شكرًا على كل لحظة حب ودعم. وللأجيال القادمة قميص المنتخب أمانة، والشعار الذي تحمله على صدرك يستحق كل قطرة عرق، ورسالتي أن الانضباط والروح القتالية هما الطريق الوحيد للوصول إلى المجد.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك