العدد : ١٧٧٢٨ - الثلاثاء ٠٦ أكتوبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٥ ربيع الآخر ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٧٢٨ - الثلاثاء ٠٦ أكتوبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٥ ربيع الآخر ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

حين يصبح التراث مشروعًا للمستقبل

بقلم: خالد فياض

الثلاثاء ٠٦ أكتوبر ٢٠٢٦ - 02:00

منذ‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬قرن،‭ ‬والعالم‭ ‬العربي‭ ‬يخوض‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬أطول‭ ‬معاركه‭ ‬الفكرية‭ ‬وأكثرها‭ ‬تعقيدًا‭: ‬كيف‭ ‬يمكن‭ ‬لمجتمع‭ ‬أن‭ ‬يدخل‭ ‬العصر‭ ‬الحديث‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يفقد‭ ‬هويته،‭ ‬وأن‭ ‬يستفيد‭ ‬من‭ ‬منجزات‭ ‬الحداثة‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يتحول‭ ‬إلى‭ ‬نسخة‭ ‬من‭ ‬مجتمعات‭ ‬أخرى،‭ ‬وأن‭ ‬يحافظ‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬على‭ ‬تراثه‭ ‬وقيمه‭ ‬وذاكرته‭ ‬التاريخية‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يجعل‭ ‬منها‭ ‬قيدًا‭ ‬يمنعه‭ ‬من‭ ‬الحركة‭ ‬نحو‭ ‬المستقبل؟

وقد‭ ‬يبدو‭ ‬السؤال‭ ‬في‭ ‬ظاهره‭ ‬بسيطًا،‭ ‬لأن‭ ‬الإجابة‭ ‬التقليدية‭ ‬غالبًا‭ ‬ما‭ ‬تضعنا‭ ‬أمام‭ ‬خيارين‭: ‬التمسك‭ ‬بالأصالة‭ ‬أو‭ ‬الأخذ‭ ‬بالمعاصرة،‭ ‬المحافظة‭ ‬على‭ ‬التراث‭ ‬أو‭ ‬الانفتاح‭ ‬على‭ ‬الحداثة‭. ‬لكن‭ ‬التجربة‭ ‬العربية‭ ‬خلال‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬قرن‭ ‬أثبتت‭ ‬أن‭ ‬المسألة‭ ‬أعقد‭ ‬من‭ ‬مجرد‭ ‬الاختيار‭ ‬بين‭ ‬طرفين‭.‬

فالسؤال‭ ‬الحقيقي‭ ‬ربما‭ ‬لا‭ ‬يكون‭: ‬كيف‭ ‬نحافظ‭ ‬على‭ ‬التراث؟‭ ‬وإنما‭: ‬ماذا‭ ‬نستطيع‭ ‬أن‭ ‬نصنع‭ ‬بالتراث‭ ‬ونحن‭ ‬نتجه‭ ‬إلى‭ ‬المستقبل؟

فالتراث‭ ‬الذي‭ ‬يتحول‭ ‬إلى‭ ‬مادة‭ ‬للحفظ‭ ‬وحده‭ ‬يفقد‭ ‬تدريجيًا‭ ‬قدرته‭ ‬على‭ ‬التأثير،‭ ‬بينما‭ ‬التراث‭ ‬الذي‭ ‬يعاد‭ ‬تفسيره‭ ‬واكتشاف‭ ‬قيمه‭ ‬وإعادة‭ ‬توظيفها‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يتحول‭ ‬إلى‭ ‬مصدر‭ ‬للمعنى‭ ‬والإبداع‭ ‬والتجدد‭. ‬وهنا‭ ‬تتغير‭ ‬زاوية‭ ‬النظر‭ ‬إلى‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬الماضي‭ ‬والمستقبل‭. ‬فالماضي‭ ‬ليس‭ ‬بالضرورة‭ ‬شيئًا‭ ‬نقف‭ ‬أمامه،‭ ‬وإنما‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬شيئًا‭ ‬ننطلق‭ ‬منه‭.‬

من‭ ‬الأصالة‭ ‬إلى‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬التجدد

هناك‭ ‬من‭ ‬يرى‭ ‬أن‭ ‬الأصالة‭ ‬هي‭ ‬جوهر‭ ‬الشخصية‭ ‬العربية،‭ ‬لأن‭ ‬اللغة‭ ‬والدين‭ ‬والذاكرة‭ ‬التاريخية‭ ‬والقيم‭ ‬الاجتماعية‭ ‬ليست‭ ‬عناصر‭ ‬هامشية‭ ‬يمكن‭ ‬التخلي‭ ‬عنها‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يفقد‭ ‬المجتمع‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬تعريفه‭ ‬لنفسه‭. ‬بينما‭ ‬يرى‭ ‬آخرون‭ ‬أن‭ ‬جانبًا‭ ‬من‭ ‬أزمات‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭ ‬ارتبط‭ ‬بالتشبث‭ ‬بالماضي،‭ ‬وأن‭ ‬التقدم‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬العلم‭ ‬والعقل‭ ‬والمؤسسات‭ ‬الحديثة‭.‬

وبين‭ ‬الطرفين‭ ‬ظهر‭ ‬اتجاه‭ ‬حاول‭ ‬الجمع‭ ‬بينهما‭: ‬الاحتفاظ‭ ‬بالتراث‭ ‬والقيم‭ ‬مع‭ ‬تبني‭ ‬العلم‭ ‬والتكنولوجيا‭ ‬والاقتصاد‭ ‬الحديث‭ ‬والمؤسسات‭ ‬المعاصرة‭. ‬لكن‭ ‬المشكلة‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬‮«‬الجمع‮»‬‭ ‬ظل‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الأحيان‭ ‬تسوية‭ ‬لغوية‭ ‬أكثر‭ ‬منه‭ ‬مشروعًا‭ ‬متكاملًا‭. ‬فنحن‭ ‬نقول‭ ‬إننا‭ ‬نريد‭ ‬الأصالة‭ ‬والمعاصرة‭ ‬معًا،‭ ‬لكننا‭ ‬لا‭ ‬نحدد‭ ‬دائمًا‭ ‬ماذا‭ ‬نعني‭ ‬بالأصالة،‭ ‬ولا‭ ‬أي‭ ‬حداثة‭ ‬نريد،‭ ‬ولا‭ ‬كيف‭ ‬نتعامل‭ ‬مع‭ ‬اللحظة‭ ‬التي‭ ‬تتعارض‭ ‬فيها‭ ‬بعض‭ ‬عناصر‭ ‬التراث‭ ‬مع‭ ‬بعض‭ ‬متطلبات‭ ‬العصر‭.‬

ولعل‭ ‬الخطأ‭ ‬يبدأ‭ ‬من‭ ‬اعتبار‭ ‬التراث‭ ‬كتلة‭ ‬واحدة‭ ‬ثابتة‭. ‬فالتراث‭ ‬ليس‭ ‬مجرد‭ ‬عادات‭ ‬ومظاهر،‭ ‬وإنما‭ ‬هو‭ ‬تراكم‭ ‬طويل‭ ‬من‭ ‬الأفكار‭ ‬والتجارب‭ ‬والقيم‭ ‬والمعارف‭ ‬والمؤسسات،‭ ‬وفي‭ ‬داخله‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يبقى،‭ ‬وما‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬إعادة‭ ‬قراءة،‭ ‬وما‭ ‬ارتبط‭ ‬بظروف‭ ‬تاريخية‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬قائمة‭. ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬فإن‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬التراث‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬بالضرورة‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬جاء‭ ‬منه‭ ‬بالطريقة‭ ‬نفسها‭.‬

ماذا‭ ‬تعلمنا‭ ‬التجارب‭ ‬الأخرى؟

تقدم‭ ‬اليابان‭ ‬مثالًا‭ ‬مهمًا‭. ‬فمنذ‭ ‬إصلاحات‭ ‬ميجي،‭ ‬أخذت‭ ‬من‭ ‬الغرب‭ ‬العلوم‭ ‬والتكنولوجيا‭ ‬والصناعة‭ ‬والتعليم‭ ‬والمؤسسات‭ ‬الحديثة،‭ ‬لكنها‭ ‬أعادت‭ ‬توطين‭ ‬هذه‭ ‬العناصر‭ ‬داخل‭ ‬تجربتها‭ ‬الوطنية‭. ‬ولم‭ ‬تعتبر‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬الماضي‭ ‬هدفًا‭ ‬في‭ ‬ذاته،‭ ‬بل‭ ‬احتفظت‭ ‬بما‭ ‬رأت‭ ‬أنه‭ ‬قادر‭ ‬على‭ ‬الاستمرار،‭ ‬وتخلت‭ ‬عن‭ ‬مؤسسات‭ ‬وممارسات‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬صالحة‭ ‬لمرحلة‭ ‬جديدة‭.‬

وتقدم‭ ‬كوريا‭ ‬الجنوبية‭ ‬تجربة‭ ‬أخرى‭. ‬فقد‭ ‬انتقلت‭ ‬خلال‭ ‬عقود‭ ‬قليلة‭ ‬من‭ ‬مجتمع‭ ‬فقير‭ ‬إلى‭ ‬قوة‭ ‬صناعية‭ ‬وتكنولوجية،‭ ‬مع‭ ‬استمرار‭ ‬تأثير‭ ‬عناصر‭ ‬من‭ ‬إرثها‭ ‬الكونفوشيوسي‭ ‬في‭ ‬الأسرة‭ ‬والتعليم‭ ‬والانضباط‭ ‬الاجتماعي‭ ‬واحترام‭ ‬المعرفة‭. ‬لكنها‭ ‬لم‭ ‬تحفظ‭ ‬ذلك‭ ‬الإرث‭ ‬كما‭ ‬كان،‭ ‬وإنما‭ ‬أعادت‭ ‬تشكيل‭ ‬بعض‭ ‬عناصره‭ ‬داخل‭ ‬مجتمع‭ ‬صناعي‭ ‬وتكنولوجي‭ ‬حديث‭.‬

أما‭ ‬سنغافورة،‭ ‬فقد‭ ‬بنت‭ ‬دولة‭ ‬عالمية‭ ‬منفتحة‭ ‬على‭ ‬الاقتصاد‭ ‬والتكنولوجيا،‭ ‬مع‭ ‬المحافظة‭ ‬على‭ ‬تعددها‭ ‬الثقافي‭ ‬والديني‭ ‬واللغوي‭ ‬وبناء‭ ‬هوية‭ ‬وطنية‭ ‬مشتركة‭.‬

ولا‭ ‬تقدم‭ ‬هذه‭ ‬التجارب‭ ‬وصفة‭ ‬جاهزة‭ ‬للعالم‭ ‬العربي،‭ ‬لكنها‭ ‬تكشف‭ ‬فكرة‭ ‬مهمة‭: ‬المجتمعات‭ ‬لا‭ ‬تتقدم‭ ‬عندما‭ ‬تختار‭ ‬بين‭ ‬الماضي‭ ‬والمستقبل،‭ ‬وإنما‭ ‬عندما‭ ‬تعيد‭ ‬تعريف‭ ‬العلاقة‭ ‬بينهما‭.‬

التراث‭ ‬ليس‭ ‬متحفًا

المشكلة‭ ‬إذن‭ ‬ليست‭ ‬في‭ ‬وجود‭ ‬التراث،‭ ‬وإنما‭ ‬في‭ ‬الطريقة‭ ‬التي‭ ‬نتعامل‭ ‬بها‭ ‬معه‭. ‬إذا‭ ‬تحول‭ ‬التراث‭ ‬إلى‭ ‬متحف‭ ‬مغلق،‭ ‬أصبح‭ ‬عبئًا‭ ‬على‭ ‬الحاضر‭. ‬وإذا‭ ‬تحول‭ ‬إلى‭ ‬مادة‭ ‬حية‭ ‬قابلة‭ ‬للنقد‭ ‬وإعادة‭ ‬القراءة،‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يصبح‭ ‬موردًا‭ ‬ثقافيًا‭ ‬للمستقبل‭. ‬وهذا‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬السؤال‭ ‬لا‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬فقط‭: ‬ماذا‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬نحافظ‭ ‬عليه؟‭ ‬وإنما‭ ‬أيضًا‭: ‬ماذا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬نعيد‭ ‬اكتشافه؟‭ ‬وما‭ ‬القيم‭ ‬التي‭ ‬يمكن‭ ‬تحويلها‭ ‬إلى‭ ‬مؤسسات‭ ‬وسياسات‭ ‬وتعليم‭ ‬وثقافة؟‭ ‬وكيف‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تتحول‭ ‬الذاكرة‭ ‬التاريخية‭ ‬من‭ ‬مجرد‭ ‬احتفاء‭ ‬بالماضي‭ ‬إلى‭ ‬قدرة‭ ‬على‭ ‬إنتاج‭ ‬أفكار‭ ‬جديدة؟‭ ‬فالقيمة‭ ‬الحقيقية‭ ‬للتراث‭ ‬لا‭ ‬تقاس‭ ‬فقط‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬نجحنا‭ ‬في‭ ‬حفظه،‭ ‬وإنما‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬يستطيع‭ ‬أن‭ ‬يضيفه‭ ‬إلى‭ ‬حياتنا‭ ‬المعاصرة‭. ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬تصبح‭ ‬اللغة‭ ‬مثلًا‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬وسيلة‭ ‬للتواصل؛‭ ‬تصبح‭ ‬وعاءً‭ ‬للذاكرة‭ ‬والمعرفة‭. ‬ويصبح‭ ‬التاريخ‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬سرد‭ ‬للأحداث؛‭ ‬يصبح‭ ‬مجالًا‭ ‬لفهم‭ ‬التحولات‭. ‬وتصبح‭ ‬القيم‭ ‬الاجتماعية‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬عادات‭ ‬موروثة؛‭ ‬تصبح‭ ‬موردًا‭ ‬لإعادة‭ ‬بناء‭ ‬الثقة‭ ‬والتماسك‭ ‬والمسؤولية‭.‬

لكن‭ ‬المستقبل‭ ‬لا‭ ‬ينتظر

الخطر‭ ‬المقابل‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬يتحول‭ ‬الاحتفاء‭ ‬بالتراث‭ ‬إلى‭ ‬بديل‭ ‬عن‭ ‬صناعة‭ ‬المستقبل‭. ‬فليس‭ ‬كل‭ ‬قديم‭ ‬جديرًا‭ ‬بالبقاء،‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬ليس‭ ‬كل‭ ‬جديد‭ ‬جديرًا‭ ‬بالاتباع‭. ‬والحداثة‭ ‬نفسها‭ ‬ليست‭ ‬حزمة‭ ‬واحدة‭. ‬فالعلم‭ ‬ليس‭ ‬هو‭ ‬الاستهلاك،‭ ‬والتكنولوجيا‭ ‬ليست‭ ‬هي‭ ‬التقدم‭ ‬وحدها،‭ ‬والاقتصاد‭ ‬العالمي‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬بالضرورة‭ ‬العدالة‭ ‬الاجتماعية‭. ‬ولذلك‭ ‬فإن‭ ‬المطلوب‭ ‬ليس‭ ‬استيراد‭ ‬نموذج‭ ‬جاهز،‭ ‬وإنما‭ ‬امتلاك‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬التعلم‭ ‬والاختيار‭ ‬وإعادة‭ ‬البناء‭. ‬وهنا‭ ‬يصبح‭ ‬التراث‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬مشروع‭ ‬المستقبل،‭ ‬لا‭ ‬منافسًا‭ ‬له‭.‬

إن‭ ‬المجتمع‭ ‬الذي‭ ‬يعرف‭ ‬جذوره‭ ‬ليس‭ ‬مضطرًا‭ ‬إلى‭ ‬العيش‭ ‬فيها،‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬المجتمع‭ ‬الذي‭ ‬يتطلع‭ ‬إلى‭ ‬المستقبل‭ ‬ليس‭ ‬مضطرًا‭ ‬إلى‭ ‬محو‭ ‬ذاكرته‭. ‬المهم‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬يمتلك‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬التمييز‭ ‬بين‭ ‬ما‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬يستمر،‭ ‬وما‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬يتغير،‭ ‬وما‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يولد‭ ‬من‭ ‬جديد‭ ‬في‭ ‬صورة‭ ‬مختلفة‭. ‬وربما‭ ‬تكون‭ ‬المعركة‭ ‬الحقيقية‭ ‬ليست‭ ‬بين‭ ‬ماضٍ‭ ‬نريد‭ ‬أن‭ ‬نحافظ‭ ‬عليه‭ ‬ومستقبل‭ ‬نريد‭ ‬أن‭ ‬نبلغه،‭ ‬وإنما‭ ‬في‭ ‬الطريقة‭ ‬التي‭ ‬ننظر‭ ‬بها‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬ورثناه‭.‬

فالتراث‭ ‬لا‭ ‬يحيا‭ ‬بتجميده،‭ ‬وإنما‭ ‬بقدرته‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬يظل‭ ‬منتجًا‭ ‬للمعنى‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬يتغير‭. ‬وما‭ ‬يستحق‭ ‬أن‭ ‬يبقى‭ ‬من‭ ‬الماضي‭ ‬ليس‭ ‬بالضرورة‭ ‬ما‭ ‬نحتفظ‭ ‬به‭ ‬كما‭ ‬هو،‭ ‬وإنما‭ ‬ما‭ ‬نستطيع‭ ‬أن‭ ‬نفهمه‭ ‬ونطوره‭ ‬ونمنحه‭ ‬قدرة‭ ‬جديدة‭ ‬على‭ ‬التفاعل‭ ‬مع‭ ‬أسئلة‭ ‬الحاضر‭ ‬والمستقبل‭.‬

لذلك‭ ‬ربما‭ ‬لا‭ ‬يكون‭ ‬السؤال‭: ‬كيف‭ ‬نحافظ‭ ‬على‭ ‬تراثنا؟‭ ‬بل‭ ‬ماذا‭ ‬نستطيع‭ ‬أن‭ ‬نصنع‭ ‬بما‭ ‬ورثناه؟‭ ‬فالمجتمع‭ ‬الذي‭ ‬يقطع‭ ‬صلته‭ ‬بماضيه‭ ‬قد‭ ‬يفقد‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬معناه،‭ ‬والمجتمع‭ ‬الذي‭ ‬يسجن‭ ‬نفسه‭ ‬فيه‭ ‬قد‭ ‬يفقد‭ ‬قدرته‭ ‬على‭ ‬الحركة‭. ‬أما‭ ‬المجتمع‭ ‬الحي،‭ ‬فهو‭ ‬الذي‭ ‬يعرف‭ ‬جذوره،‭ ‬ويملك‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬شجاعة‭ ‬إعادة‭ ‬النظر‭ ‬فيها‭.‬

وحين‭ ‬يصبح‭ ‬ما‭ ‬ورثناه‭ ‬قادرًا‭ ‬على‭ ‬إنتاج‭ ‬فكرة‭ ‬جديدة،‭ ‬ومعرفة‭ ‬جديدة،‭ ‬ورؤية‭ ‬جديدة‭ ‬للمستقبل،‭ ‬لا‭ ‬يعود‭ ‬التراث‭ ‬مجرد‭ ‬ماضٍ‭ ‬نحافظ‭ ‬عليه،‭ ‬بل‭ ‬يصبح‭ ‬مستقبلًا‭ ‬نبدأه‭ ‬من‭ ‬جذورنا‭.‬

 

{ باحث‭ ‬في‭ ‬الشؤون‭ ‬العربية

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600) حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا