العدد : ١٧٧٢٨ - الثلاثاء ٠٦ أكتوبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٥ ربيع الآخر ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٧٢٨ - الثلاثاء ٠٦ أكتوبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٥ ربيع الآخر ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

عندما تعجز المؤسسات الدولية عن منع الحروب!

بقلم: د. رضوان السيد

الاثنين ٠٥ أكتوبر ٢٠٢٦ - 02:00

لا‭ ‬أعرف‭ ‬بالتأكيد‭ ‬ونحن‭ ‬في‭ ‬خضم‭ ‬الاجتماعات‭ ‬السنوية‭ ‬للجمعية‭ ‬العامة‭ ‬للأمم‭ ‬المتحدة،‭ ‬لماذا‭ ‬تذكّر‭ ‬الجميع‭ ‬مصائر‭ ‬عصبة‭ ‬الأُمم‭ (‬1920-1946‭) ‬التي‭ ‬أُحيطت‭ ‬بآمالٍ‭ ‬كبار‭ ‬في‭ ‬أعقاب‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الأولى،‭ ‬ولذلك‭ ‬جاء‭ ‬في‭ ‬نظامها‭ ‬الموضوع‭ ‬عام‭ ‬1920‭ ‬بباريس‭ ‬أنها‭ ‬أُنشئت‭ ‬‮«‬لمنع‭ ‬الحروب‭ ‬وحلّ‭ ‬الأزمات‭ ‬بين‭ ‬الدول‭ ‬بالطرق‭ ‬السلمية‭ ‬وتعزيز‭ ‬التعاون‭ ‬الدولي‮»‬‭.‬

بالطبع،‭ ‬هذا‭ ‬الكلام‭ ‬بمثابة‭ ‬‮«‬تجاهُل‭ ‬العارف»؛‭ ‬فالكل‭ ‬يعرف‭ ‬الأزمات‭ ‬التي‭ ‬تعاني‭ ‬منها‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬في‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة‭. ‬وفي‭ ‬أزمات‭ ‬مشابهة‭ ‬زالت‭ ‬عصبة‭ ‬الأمم‭ ‬السابقة‭. ‬فالواقع‭ ‬أنّ‭ ‬العصبة‭ ‬انخفض‭ ‬نشاطها‭ ‬كثيراً‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬عجزت‭ ‬في‭ ‬ثلاثينيات‭ ‬القرن‭ ‬الماضي‭ ‬عن‭ ‬منع‭ ‬اليابان‭ ‬من‭ ‬التوسع‭ ‬في‭ ‬الأراضي‭ ‬الصينية،‭ ‬ومنع‭ ‬إيطاليا‭ ‬من‭ ‬غزو‭ ‬إثيوبيا‭. ‬وبعد‭ ‬هذا‭ ‬وذاك‭ ‬من‭ ‬كانت‭ ‬تستطيع‭ ‬منع‭ ‬أدولف‭ ‬هتلر‭ ‬من‭ ‬اشعال‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الثانية‭ ‬بعد‭ ‬الاعتداء‭ ‬على‭ ‬تشيكوسلوفاكيا‭ ‬وبولندا‭ ‬وضم‭ ‬النمسا‭! ‬ورغم‭ ‬الهول‭ ‬الهائل‭ ‬الذي‭ ‬مثّلته‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الثانية؛‭ ‬فإنّ‭ ‬‮«‬عصبة‭ ‬الأُمم‮»‬‭ ‬الفاشلة‭ ‬في‭ ‬منع‭ ‬الحروب‭ ‬وحلّ‭ ‬الأزمات‭ ‬لم‭ ‬تُلغَ‭ ‬رسمياً‭ ‬إلاّ‭ ‬بعد‭ ‬استحداث‭ ‬البديل‭ ‬الذي‭ ‬قدّر‭ ‬المنتصرون‭ ‬الغربيون‭ ‬أنه‭ ‬سيكون‭ ‬قادراً‭ ‬على‭ ‬القيام‭ ‬بما‭ ‬لم‭ ‬تستطع‭ ‬عصبة‭ ‬الأمم‭ ‬القيام‭ ‬به‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬إنشاء‭ ‬مجلس‭ ‬الأمن‭ ‬لحلّ‭ ‬الأزمات‭ ‬ومنع‭ ‬الحروب،‭ ‬وإضافة‭ ‬المفوضيات‭ ‬التي‭ ‬تُعنى‭ ‬بالشؤون‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬والصحية‭ ‬ومنظمات‭ ‬حقوق‭ ‬الإنسان‭ ‬والمرأة‭ ‬والطفل‭ ‬والأُم‭ ‬ومشكلات‭ ‬البيئة‭. ‬هذه‭ ‬الأعمال‭ ‬الجليلة‭ ‬لم‭ ‬تتم‭ ‬مرةً‭ ‬واحدةً،‭ ‬بل‭ ‬ظلّت‭ ‬تتطور‭ ‬حتى‭ ‬تسعينيات‭ ‬القرن‭ ‬العشرين‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬بدأت‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬1945‭.‬

سيطر‭ ‬على‭ ‬مجلس‭ ‬الأمن‭ (‬وليس‭ ‬الجمعية‭ ‬العامة‭) ‬القوتان‭ ‬الأعظم‭: ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬والاتحاد‭ ‬السوفيتي‭. ‬لكن‭ ‬كانت‭ ‬الغلبة‭ ‬في‭ ‬أحيانٍ‭ ‬كثيرةٍ‭ ‬في‭ ‬الخمسينيات‭ ‬والستينيات‭ ‬للولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬وحلفائها‭. ‬واستطاع‭ ‬الاتحاد‭ ‬السوفيتي‭ ‬التقدم‭ ‬والموازنة‭ ‬في‭ ‬الجمعية‭ ‬العامة‭ ‬للأُمم‭ ‬المتحدة‭ ‬بسبب‭ ‬عضوية‭ ‬الدول‭ ‬المتحررة‭ ‬حديثاً‭ ‬من‭ ‬الاستعمار‭ ‬التي‭ ‬حظيت‭ ‬بدعم‭ ‬الاتحاد‭ ‬السوفيتي‭ ‬قبل‭ ‬الاستقلال‭ ‬وبعده‭.‬

من‭ ‬ميزات‭ ‬حقبة‭ ‬‮«‬الحرب‭ ‬الباردة‮»‬‭ ‬هذه‭ (‬1947-1990‭) ‬أنه‭ ‬مرت‭ ‬فترة‭ ‬في‭ ‬الستينيات‭ ‬والسبعينيات‭ ‬من‭ ‬القرن‭ ‬الماضي‭ ‬وُسمت‭ ‬بأنها‭ ‬مرحلة‭ ‬التعايش،‭ ‬وخلالها‭ ‬جرى‭ ‬التوافق‭ ‬على‭ ‬أمورٍ‭ ‬عدة‭ ‬تتصل‭ ‬بالعلاقات‭ ‬الدولية،‭ ‬وخاصة‭ ‬في‭ ‬المجال‭ ‬الأوروبي‭. ‬بيد‭ ‬أنّ‭ ‬الإيجابي‭ ‬الأبرز‭ ‬في‭ ‬الحقبة‭ ‬كلها‭ ‬كان‭ ‬في‭ ‬عمل‭ ‬المفوضيات‭ ‬والوكالات‭ ‬في‭ ‬الزراعة‭ ‬والتغذية‭ ‬والصحة‭ ‬العالمية‭ ‬واللاجئين‭ ‬في‭ ‬دول‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬يُعرف‭ ‬بالعالم‭ ‬الثالث‭. ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬روسيا‭ ‬تعترض‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬النشاطات‭ ‬الإنسانية‭ ‬والاستثمارية‭ ‬والنوعية‭ ‬التي‭ ‬تقوم‭ ‬بها‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬والدول‭ ‬الغربية‭ ‬الأخرى‭ ‬واليابان‭ ‬وكندا؛‭ ‬لكنها‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬تسهِم‭ ‬فيها،‭ ‬بل‭ ‬تفضّل‭ ‬التعامل‭ ‬المباشر‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬وساطةٍ‭ ‬من‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬ووكالاتها‭. ‬وكانت‭ ‬هذه‭ ‬الإنجازات‭ ‬رغم‭ ‬قصورها‭ ‬هي‭ ‬‮«‬القوة‭ ‬الناعمة‮»‬‭ ‬للدول‭ ‬الغربية‭ ‬في‭ ‬إفريقيا‭ ‬وآسيا‭ ‬وأمريكا‭ ‬اللاتينية‭.‬

وأحسب‭ ‬أن‭ ‬الموقف‭ ‬انقلب‭ ‬منذ‭ ‬عام‭ ‬1979‭ ‬عندما‭ ‬تدخلت‭ ‬القوات‭ ‬السوفيتية‭ ‬في‭ ‬أفغانستان،‭ ‬وجاء‭ ‬رونالد‭ ‬ريجان‭ ‬يهدّد‭ ‬بحرب‭ ‬الفضاء،‭ ‬وصاغت‭ ‬أمريكا‭ ‬تحالفاً‭ ‬مع‭ ‬الفاتيكان‭ (‬البابا‭ ‬يوحنا‭ ‬بولس،‭ ‬البولندي‭ ‬الأصل‭) ‬والحركات‭ ‬الإسلامية‭ ‬لشنّ‭ ‬حرب‭ ‬الإيمان‭ ‬والحرية‭ ‬على‭ ‬الاتحاد‭ ‬السوفيتي‭! ‬وفي‭ ‬حين‭ ‬كان‭ ‬الاتحاد‭ ‬السوفيتي‭ ‬ينهار،‭ ‬كان‭ ‬جورج‭ ‬بوش‭ ‬الأب‭ ‬يدعو‭ ‬إلى‭ ‬إقامة‭ ‬نظامٍ‭ ‬عالميٍ‭ ‬جديد‭ ‬عماده‭ ‬اقتصاد‭ ‬السوق‭ ‬وهيمنة‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭!‬

احتاجت‭ ‬روسيا‭ ‬وقد‭ ‬فقدت‭ ‬معسكرها‭ ‬وحلفاءها‭ ‬إلى‭ ‬قرابة‭ ‬العشرين‭ ‬عاماً‭ ‬لاستعادة‭ ‬التوازن‭ ‬الداخلي‭ ‬وبدء‭ ‬التحرش‭ ‬فيما‭ ‬بين‭ ‬جورجيا‭ (‬2008‭) ‬وجزيرة‭ ‬القرم‭ (‬2014‭)‬،‭ ‬وأخيراً‭ ‬الحرب‭ ‬الكبرى‭ ‬على‭ ‬أوكرانيا‭ (‬منذ‭ ‬عام‭ ‬2022‭). ‬ولم‭ ‬تكتف‭ ‬بذلك،‭ ‬بل‭ ‬تدخلت‭ ‬في‭ ‬السودان‭ ‬وليبيا‭ ‬وبلدانٍ‭ ‬إفريقية‭ ‬عدة‭.‬

ولم‭ ‬تهتم‭ ‬روسيا‭ ‬لإدانات‭ ‬مجلس‭ ‬الأمن‭. ‬وبدا‭ ‬للوهلة‭ ‬الأولى‭ ‬أنّ‭ ‬الرئيس‭ ‬دونالد‭ ‬ترامب‭ ‬في‭ ‬رئاسته‭ ‬الأولى‭ ‬مستعد‭ ‬للتحالف‭ ‬مع‭ ‬روسيا‭ ‬بوتين‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬أوروبا‭. ‬كما‭ ‬هدَّد‭ ‬بالتخلي‭ ‬عن‭ ‬حلف‭ ‬الأطلسي‭ ‬وطالب‭ ‬أوروبا‭ ‬بالدفع‭ ‬في‭ ‬مقابل‭ ‬الحماية،‭ ‬كما‭ ‬قال‭.‬

أما‭ ‬في‭ ‬رئاسته‭ ‬الثانية،‭ ‬فقد‭ ‬شنّ‭ ‬حروباً‭ ‬على‭ ‬إيران،‭ ‬واستولى‭ ‬على‭ ‬فنزويلا‭ ‬أو‭ ‬على‭ ‬بترولها،‭ ‬وهو‭ ‬يحاصر‭ ‬كوبا‭ ‬لإسقاط‭ ‬السلطة‭ ‬فيها،‭ ‬دعوته‭ ‬إلى‭ ‬السلام‭ ‬تقترن‭ ‬بالسيطرة‭ ‬على‭ ‬المسالمين‭. ‬أما‭ ‬الروسي‭ ‬فيريد‭ ‬استعادة‭ ‬المجد‭ ‬السوفيتي‭ ‬القديم،‭ ‬وكلاهما‭ ‬لا‭ ‬يأبه‭ ‬للأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬وقراراتها‭. ‬وقبل‭ ‬أن‭ ‬يأتي‭ ‬ترامب‭ ‬إلى‭ ‬نيويورك‭ ‬لإلقاء‭ ‬خطابه‭ ‬السنوي‭ ‬أعلن‭ ‬خروج‭ ‬أمريكا‭ ‬من‭ ‬مجلس‭ ‬حقوق‭ ‬الإنسان‭ ‬وكانت‭ ‬أمريكا‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬أنشأته‭. ‬وفي‭ ‬خطابه‭ ‬بالأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬طالب‭ ‬ترامب‭ ‬الدول‭ ‬بالخروج‭ ‬من‭ ‬المحكمة‭ ‬الجنائية‭ ‬الدولية‭!‬

تنفلت‭ ‬الجيوش‭ ‬الأمريكية‭ ‬والروسية‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬مكانٍ‭ ‬دونما‭ ‬إذنٍ‭ ‬ولا‭ ‬دستور‭. ‬وتنتشر‭ ‬الحروب‭ ‬الصغيرة‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬مكانٍ‭ ‬دونما‭ ‬اهتمامٍ‭ ‬حقيقي‭ ‬من‭ ‬الكبار‭.‬

فهل‭ ‬يكون‭ ‬مصير‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬مثل‭ ‬مصير‭ ‬عصبة‭ ‬الأمم؟‭ ‬سيستمر‭ ‬الضعف‭ ‬وتستمر‭ ‬الفوضى‭ ‬والتنمر‭. ‬لكن‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬لن‭ ‬تنتهي‭ ‬لأنه‭ ‬يتعذر‭ ‬الاتفاق‭ ‬على‭ ‬بديلٍ‭ ‬بين‭ ‬الكبار‭. ‬أما‭ ‬الصغار‭ ‬والأوساط‭ ‬فيصعب‭ ‬عليهم‭ ‬التخلي‭ ‬عن‭ ‬المكان‭ ‬الذي‭ ‬يبثون‭ ‬فيه‭ ‬شكاواهم‭!‬

 

{‭ ‬كاتب‭ ‬ومفكر‭ ‬أكاديمي‭ ‬لبناني‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600) حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا