يدعو المشهد الانتخابي في ألمانيا إلى التفكير مليًّا في حركية الظهور والانحسار لنزعة اليمين الألماني الراديكالي عبر التاريخ. فالمشاهد نزعة الغالبية إلى التطرف القومي اليميني في عصر العولمة والنيوليبرالية وحقوق الإنسان. فها هو ذا اليمين المتطرف في ألمانيا على مشارف السلطة في ولاية «ساكسونيا إنهالت» في منطقة ألمانيا الشرقية بعد أن حصل حزب «البديل من أجل ألمانيا (AFD) على نحو 44 بالمائة من الأصوات متقدمًا بفارق كبير على المحافظين في حزب الاتحاد الديمقراطي المسيحي (CDU).
ولئن لم يحصل هذا الحزب المتطرف على الأغلبية المطلقة التي بدونها لن يمكنه تشكيل الحكومة فإن ظاهرة صعوده المدوي في الانتخابات واقترابه من أبواب السلطة باتت الشغل الشاغل لرجال الفكر داخل ألمانيا وخارجها. وقد نشرت صحيفة Suddeutsche Zeitung تحذيرًا تقول فيه: «إن جمهورية ألمانيا الاتحادية التي تأسست ذات يوم كنموذج مضاد للنظام النازي الإجرامي لم تعد بمنأى عن التطرف اليميني، وإن الاعتقاد الذي كان راسخًا فترة طويلة أن النازيين والمتعاطفين معهم والمدافعين عنهم قد منعوا نهائيًا من الوصول إلى السلطة في ألمانيا بدأ يحل محله التأكيد أنه «لم يعد هناك شيء مضمون».
والواقع أننا لو عدنا بالذاكرة إلى فترة ما قبل اندلاع الثورة الفرنسية فسنجد أن ألمانيا وقتئذ كانت تمر بفترة تاريخية عصيبة، إذ أجهضت فيها وحدتها السياسية والثقافية وانقسمت على نفسها وهو انقسام له جذور تاريخية تمتد إلى فترة الإصلاح الديني الذي قسم الألمان إلى كاثوليك وبروتستانت. يضاف إلى ذلك أن الصراع المشتعل بين النمسا وبروسيا قبل الثورة الفرنسية نسف تمامًا فكرة المصلحة العامة.
وفي الواقع السياسي كان المتعلمون في ألمانيا ينظرون إلى بلادهم باعتبارها متخلفة، وخاصة عندما شاهدوا الأحداث الجارية خارج حدودها مثل التحولات الاقتصادية العظيمة في إنجلترا بفضل الثورة الصناعية والثورات السياسية في فرنسا وأمريكا، فراحوا ينكبّون على قراءة كتابات مونتسكيو وروسو اللذين كانا من أكثر الكتاب شهرة في ألمانيا في النصف الثاني من القرن الـ18، فتعرفوا علي نظريات جديدة أسرت ألبابهم كنظرية فصل السلطات والعقد الاجتماعي.
وكانوا يحلمون بخروج ألمانيا من المنظومات الأوروبية القديمة الجامدة إلى مجتمع حديث تحركه الرغبة في تحقيق الحرية والمساواة. كانت فرنسا وقتئذ بمثابة قبلة فكرية للمفكرين الألمان. وقد وصفت الكاتبة السويسرية الفرنسية «مدام دوستايل» بدقة في كتابها «حول ألمانيا» الذي ظل على مدى عقود طويلة أكثر الكتب شعبية بشأن ألمانيا هؤلاء المفكرين بقولها: «لم تكن لهم مكانة اجتماعية وحكم عليهم بحياة عزلة غير آمنة في حواضرهم ومدنهم الإقليمية الصغيرة خلافًا لنظرائهم في إنجلترا وفرنسا اللتين كانتا تشهدان تطورًا مذهلًا». وتضيف دوستايل أن فريدريك الأكبر قال ذات يوم لفولتير: «إن ألمانيا تفتقر إلى سوق أيديولوجية موحدة كتلك التي تشكلها شبكات الآداب والعلوم الإنسانية المعقدة في فرنسا وإنجلترا». كان الألمان يشعرون بالإقصاء ولم يجدوا ضالتهم في الصالونات الأرستقراطية التي كان يصول ويجول فيها فولتير وفلاسفة التنوير.
اشتد ولع المفكرين الألمان بفرنسا ورحب السواد الأعظم منهم بالثورة الفرنسية ورأى فيها الفيلسوف الألماني كانط، وكان متيمًا بروسو، دليلًا على تحرر الجنس البشري من عدم النضج العقلي. بيد أن هذا الوضع لم يدم طويلًا؛ إذ ساد شعور عميق بالخيبة بعد أن تسلم «اليعقوبيون» زمام السلطة في فرنسا وانتشر الرعب باسم الحرية على يد قوى سياسية ونشر إدموند بيرك كتابه المشهور «تأملات في الثورة الفرنسية» الذي هاجم فيه الثورة ومبادئها، ونال هذا الكتاب رواجًا هائلًا في ربوع ألمانيا وتراجع المتحمسون للثورة الفرنسية عن مواقفهم بعد أن وصلت إليهم روايات عن الفظائع المرتكبة باسم الثورة في فرنسا.
وبزغت في الأفق الثقافي الألماني أفكار شيلر ونظرته عن الفن الدرامي التي اعتبرت تمهيدًا جماليًا رائعًا لمفهوم الحرية السياسية وفتنت عقول المثقفين الألمان مقولته الشهيرة: «إن التنوير والعلم قد منحا للإنسان تربية فكرية غير أنهما لم يهذبا (وحشيته الباطنية) التي لن يخلصه منها سوى الفن والأدب».
كان شيلر يرى أن أيديولوجية التنوير قد انحرفت عن غاياتها فتحولت إلى إرهاب لم يكتف بتحطيم المؤسسات التقليدية القديمة بل قوض أيضًا الاستقامة الروحية للإنسان.
وهكذا انصرف جل اهتمام المفكرين والمثقفين إلى قيمة «التربية» في مواجهة المجتمع الحديث وما فيه من نزعة فردية للاستبداد والقهر والأنانية.
شهدت ألمانيا في تلك الفترة نهضة إنسانية رفيعة في مجال الفكر والإبداع. بيد أن هذا الوضع لم يلبث أن انقلب رأسًا على عقب؛ إذ اندلعت حروب مريرة بين بروسيا وفرنسا، وانفجرت مرة أخري النزعة القومية المتطرفة في وقت كانت فيه ألمانيا تبني نهضتها الروحية، فإذا بها تتفكك مرة أخري وترزح تحت القمع الأعمى والضرائب المتصاعدة، وإذا بالكفاحات الرومانسية من أجل بعث الأمل في ألمانيا تتحول إلى نزعة شوفينية عسكرية مستبدة.
{ أستاذ فلسفة اللغة والأدب الفرنسي
بكلية الآداب - جامعة حلوان

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك