العدد : ١٧٧٢٦ - الأحد ٠٤ أكتوبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٣ ربيع الآخر ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٧٢٦ - الأحد ٠٤ أكتوبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٣ ربيع الآخر ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

معركة التنوير في ألمانيا ضد صعود النازيين الجدد

بقلم: د. عصام عبدالفتاح

الأحد ٠٤ أكتوبر ٢٠٢٦ - 02:00

يدعو‭ ‬المشهد‭ ‬الانتخابي‭ ‬في‭ ‬ألمانيا‭ ‬إلى‭ ‬التفكير‭ ‬مليًّا‭ ‬في‭ ‬حركية‭ ‬الظهور‭ ‬والانحسار‭ ‬لنزعة‭ ‬اليمين‭ ‬الألماني‭ ‬الراديكالي‭ ‬عبر‭ ‬التاريخ‭. ‬فالمشاهد‭ ‬نزعة‭ ‬الغالبية‭ ‬إلى‭ ‬التطرف‭ ‬القومي‭ ‬اليميني‭ ‬في‭ ‬عصر‭ ‬العولمة‭ ‬والنيوليبرالية‭ ‬وحقوق‭ ‬الإنسان‭. ‬فها‭ ‬هو‭ ‬ذا‭ ‬اليمين‭ ‬المتطرف‭ ‬في‭ ‬ألمانيا‭ ‬على‭ ‬مشارف‭ ‬السلطة‭ ‬في‭ ‬ولاية‭ ‬‮«‬ساكسونيا‭ ‬إنهالت‮»‬‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬ألمانيا‭ ‬الشرقية‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬حصل‭ ‬حزب‭ ‬‮«‬البديل‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬ألمانيا‭ (‬AFD‭) ‬على‭ ‬نحو‭ ‬44‭ ‬بالمائة‭ ‬من‭ ‬الأصوات‭ ‬متقدمًا‭ ‬بفارق‭ ‬كبير‭ ‬على‭ ‬المحافظين‭ ‬في‭ ‬حزب‭ ‬الاتحاد‭ ‬الديمقراطي‭ ‬المسيحي‭ (‬CDU‭).‬

ولئن‭ ‬لم‭ ‬يحصل‭ ‬هذا‭ ‬الحزب‭ ‬المتطرف‭ ‬على‭ ‬الأغلبية‭ ‬المطلقة‭ ‬التي‭ ‬بدونها‭ ‬لن‭ ‬يمكنه‭ ‬تشكيل‭ ‬الحكومة‭ ‬فإن‭ ‬ظاهرة‭ ‬صعوده‭ ‬المدوي‭ ‬في‭ ‬الانتخابات‭ ‬واقترابه‭ ‬من‭ ‬أبواب‭ ‬السلطة‭ ‬باتت‭ ‬الشغل‭ ‬الشاغل‭ ‬لرجال‭ ‬الفكر‭ ‬داخل‭ ‬ألمانيا‭ ‬وخارجها‭. ‬وقد‭ ‬نشرت‭ ‬صحيفة‭ ‬Suddeutsche‭ ‬Zeitung‭ ‬تحذيرًا‭ ‬تقول‭ ‬فيه‭: ‬‮«‬إن‭ ‬جمهورية‭ ‬ألمانيا‭ ‬الاتحادية‭ ‬التي‭ ‬تأسست‭ ‬ذات‭ ‬يوم‭ ‬كنموذج‭ ‬مضاد‭ ‬للنظام‭ ‬النازي‭ ‬الإجرامي‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬بمنأى‭ ‬عن‭ ‬التطرف‭ ‬اليميني،‭ ‬وإن‭ ‬الاعتقاد‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬راسخًا‭ ‬فترة‭ ‬طويلة‭ ‬أن‭ ‬النازيين‭ ‬والمتعاطفين‭ ‬معهم‭ ‬والمدافعين‭ ‬عنهم‭ ‬قد‭ ‬منعوا‭ ‬نهائيًا‭ ‬من‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬السلطة‭ ‬في‭ ‬ألمانيا‭ ‬بدأ‭ ‬يحل‭ ‬محله‭ ‬التأكيد‭ ‬أنه‭ ‬‮«‬لم‭ ‬يعد‭ ‬هناك‭ ‬شيء‭ ‬مضمون‮»‬‭.‬

والواقع‭ ‬أننا‭ ‬لو‭ ‬عدنا‭ ‬بالذاكرة‭ ‬إلى‭ ‬فترة‭ ‬ما‭ ‬قبل‭ ‬اندلاع‭ ‬الثورة‭ ‬الفرنسية‭ ‬فسنجد‭ ‬أن‭ ‬ألمانيا‭ ‬وقتئذ‭ ‬كانت‭ ‬تمر‭ ‬بفترة‭ ‬تاريخية‭ ‬عصيبة،‭ ‬إذ‭ ‬أجهضت‭ ‬فيها‭ ‬وحدتها‭ ‬السياسية‭ ‬والثقافية‭ ‬وانقسمت‭ ‬على‭ ‬نفسها‭ ‬وهو‭ ‬انقسام‭ ‬له‭ ‬جذور‭ ‬تاريخية‭ ‬تمتد‭ ‬إلى‭ ‬فترة‭ ‬الإصلاح‭ ‬الديني‭ ‬الذي‭ ‬قسم‭ ‬الألمان‭ ‬إلى‭ ‬كاثوليك‭ ‬وبروتستانت‭. ‬يضاف‭ ‬إلى‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬الصراع‭ ‬المشتعل‭ ‬بين‭ ‬النمسا‭ ‬وبروسيا‭ ‬قبل‭ ‬الثورة‭ ‬الفرنسية‭ ‬نسف‭ ‬تمامًا‭ ‬فكرة‭ ‬المصلحة‭ ‬العامة‭. ‬

وفي‭ ‬الواقع‭ ‬السياسي‭ ‬كان‭ ‬المتعلمون‭ ‬في‭ ‬ألمانيا‭ ‬ينظرون‭ ‬إلى‭ ‬بلادهم‭ ‬باعتبارها‭ ‬متخلفة،‭ ‬وخاصة‭ ‬عندما‭ ‬شاهدوا‭ ‬الأحداث‭ ‬الجارية‭ ‬خارج‭ ‬حدودها‭ ‬مثل‭ ‬التحولات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬العظيمة‭ ‬في‭ ‬إنجلترا‭ ‬بفضل‭ ‬الثورة‭ ‬الصناعية‭ ‬والثورات‭ ‬السياسية‭ ‬في‭ ‬فرنسا‭ ‬وأمريكا،‭ ‬فراحوا‭ ‬ينكبّون‭ ‬على‭ ‬قراءة‭ ‬كتابات‭ ‬مونتسكيو‭ ‬وروسو‭ ‬اللذين‭ ‬كانا‭ ‬من‭ ‬أكثر‭ ‬الكتاب‭ ‬شهرة‭ ‬في‭ ‬ألمانيا‭ ‬في‭ ‬النصف‭ ‬الثاني‭ ‬من‭ ‬القرن‭ ‬الـ18،‭ ‬فتعرفوا‭ ‬علي‭ ‬نظريات‭ ‬جديدة‭ ‬أسرت‭ ‬ألبابهم‭ ‬كنظرية‭ ‬فصل‭ ‬السلطات‭ ‬والعقد‭ ‬الاجتماعي‭.‬

وكانوا‭ ‬يحلمون‭ ‬بخروج‭ ‬ألمانيا‭ ‬من‭ ‬المنظومات‭ ‬الأوروبية‭ ‬القديمة‭ ‬الجامدة‭ ‬إلى‭ ‬مجتمع‭ ‬حديث‭ ‬تحركه‭ ‬الرغبة‭ ‬في‭ ‬تحقيق‭ ‬الحرية‭ ‬والمساواة‭. ‬كانت‭ ‬فرنسا‭ ‬وقتئذ‭ ‬بمثابة‭ ‬قبلة‭ ‬فكرية‭ ‬للمفكرين‭ ‬الألمان‭. ‬وقد‭ ‬وصفت‭ ‬الكاتبة‭ ‬السويسرية‭ ‬الفرنسية‭ ‬‮«‬مدام‭ ‬دوستايل‮»‬‭ ‬بدقة‭ ‬في‭ ‬كتابها‭ ‬‮«‬حول‭ ‬ألمانيا‮»‬‭ ‬الذي‭ ‬ظل‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬عقود‭ ‬طويلة‭ ‬أكثر‭ ‬الكتب‭ ‬شعبية‭ ‬بشأن‭ ‬ألمانيا‭ ‬هؤلاء‭ ‬المفكرين‭ ‬بقولها‭: ‬‮«‬لم‭ ‬تكن‭ ‬لهم‭ ‬مكانة‭ ‬اجتماعية‭ ‬وحكم‭ ‬عليهم‭ ‬بحياة‭ ‬عزلة‭ ‬غير‭ ‬آمنة‭ ‬في‭ ‬حواضرهم‭ ‬ومدنهم‭ ‬الإقليمية‭ ‬الصغيرة‭ ‬خلافًا‭ ‬لنظرائهم‭ ‬في‭ ‬إنجلترا‭ ‬وفرنسا‭ ‬اللتين‭ ‬كانتا‭ ‬تشهدان‭ ‬تطورًا‭ ‬مذهلًا‮»‬‭. ‬وتضيف‭ ‬دوستايل‭ ‬أن‭ ‬فريدريك‭ ‬الأكبر‭ ‬قال‭ ‬ذات‭ ‬يوم‭ ‬لفولتير‭: ‬‮«‬إن‭ ‬ألمانيا‭ ‬تفتقر‭ ‬إلى‭ ‬سوق‭ ‬أيديولوجية‭ ‬موحدة‭ ‬كتلك‭ ‬التي‭ ‬تشكلها‭ ‬شبكات‭ ‬الآداب‭ ‬والعلوم‭ ‬الإنسانية‭ ‬المعقدة‭ ‬في‭ ‬فرنسا‭ ‬وإنجلترا‮»‬‭. ‬كان‭ ‬الألمان‭ ‬يشعرون‭ ‬بالإقصاء‭ ‬ولم‭ ‬يجدوا‭ ‬ضالتهم‭ ‬في‭ ‬الصالونات‭ ‬الأرستقراطية‭ ‬التي‭ ‬كان‭ ‬يصول‭ ‬ويجول‭ ‬فيها‭ ‬فولتير‭ ‬وفلاسفة‭ ‬التنوير‭.‬

اشتد‭ ‬ولع‭ ‬المفكرين‭ ‬الألمان‭ ‬بفرنسا‭ ‬ورحب‭ ‬السواد‭ ‬الأعظم‭ ‬منهم‭ ‬بالثورة‭ ‬الفرنسية‭ ‬ورأى‭ ‬فيها‭ ‬الفيلسوف‭ ‬الألماني‭ ‬كانط،‭ ‬وكان‭ ‬متيمًا‭ ‬بروسو،‭ ‬دليلًا‭ ‬على‭ ‬تحرر‭ ‬الجنس‭ ‬البشري‭ ‬من‭ ‬عدم‭ ‬النضج‭ ‬العقلي‭. ‬بيد‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الوضع‭ ‬لم‭ ‬يدم‭ ‬طويلًا؛‭ ‬إذ‭ ‬ساد‭ ‬شعور‭ ‬عميق‭ ‬بالخيبة‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬تسلم‭ ‬‮«‬اليعقوبيون‮»‬‭ ‬زمام‭ ‬السلطة‭ ‬في‭ ‬فرنسا‭ ‬وانتشر‭ ‬الرعب‭ ‬باسم‭ ‬الحرية‭ ‬على‭ ‬يد‭ ‬قوى‭ ‬سياسية‭ ‬ونشر‭ ‬إدموند‭ ‬بيرك‭ ‬كتابه‭ ‬المشهور‭ ‬‮«‬تأملات‭ ‬في‭ ‬الثورة‭ ‬الفرنسية‮»‬‭ ‬الذي‭ ‬هاجم‭ ‬فيه‭ ‬الثورة‭ ‬ومبادئها،‭ ‬ونال‭ ‬هذا‭ ‬الكتاب‭ ‬رواجًا‭ ‬هائلًا‭ ‬في‭ ‬ربوع‭ ‬ألمانيا‭ ‬وتراجع‭ ‬المتحمسون‭ ‬للثورة‭ ‬الفرنسية‭ ‬عن‭ ‬مواقفهم‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬وصلت‭ ‬إليهم‭ ‬روايات‭ ‬عن‭ ‬الفظائع‭ ‬المرتكبة‭ ‬باسم‭ ‬الثورة‭ ‬في‭ ‬فرنسا‭.‬

وبزغت‭ ‬في‭ ‬الأفق‭ ‬الثقافي‭ ‬الألماني‭ ‬أفكار‭ ‬شيلر‭ ‬ونظرته‭ ‬عن‭ ‬الفن‭ ‬الدرامي‭ ‬التي‭ ‬اعتبرت‭ ‬تمهيدًا‭ ‬جماليًا‭ ‬رائعًا‭ ‬لمفهوم‭ ‬الحرية‭ ‬السياسية‭ ‬وفتنت‭ ‬عقول‭ ‬المثقفين‭ ‬الألمان‭ ‬مقولته‭ ‬الشهيرة‭: ‬‮«‬إن‭ ‬التنوير‭ ‬والعلم‭ ‬قد‭ ‬منحا‭ ‬للإنسان‭ ‬تربية‭ ‬فكرية‭ ‬غير‭ ‬أنهما‭ ‬لم‭ ‬يهذبا‭ (‬وحشيته‭ ‬الباطنية‭) ‬التي‭ ‬لن‭ ‬يخلصه‭ ‬منها‭ ‬سوى‭ ‬الفن‭ ‬والأدب‮»‬‭.‬

كان‭ ‬شيلر‭ ‬يرى‭ ‬أن‭ ‬أيديولوجية‭ ‬التنوير‭ ‬قد‭ ‬انحرفت‭ ‬عن‭ ‬غاياتها‭ ‬فتحولت‭ ‬إلى‭ ‬إرهاب‭ ‬لم‭ ‬يكتف‭ ‬بتحطيم‭ ‬المؤسسات‭ ‬التقليدية‭ ‬القديمة‭ ‬بل‭ ‬قوض‭ ‬أيضًا‭ ‬الاستقامة‭ ‬الروحية‭ ‬للإنسان‭.‬

وهكذا‭ ‬انصرف‭ ‬جل‭ ‬اهتمام‭ ‬المفكرين‭ ‬والمثقفين‭ ‬إلى‭ ‬قيمة‭ ‬‮«‬التربية‮»‬‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬المجتمع‭ ‬الحديث‭ ‬وما‭ ‬فيه‭ ‬من‭ ‬نزعة‭ ‬فردية‭ ‬للاستبداد‭ ‬والقهر‭ ‬والأنانية‭.‬

شهدت‭ ‬ألمانيا‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬الفترة‭ ‬نهضة‭ ‬إنسانية‭ ‬رفيعة‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬الفكر‭ ‬والإبداع‭. ‬بيد‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الوضع‭ ‬لم‭ ‬يلبث‭ ‬أن‭ ‬انقلب‭ ‬رأسًا‭ ‬على‭ ‬عقب؛‭ ‬إذ‭ ‬اندلعت‭ ‬حروب‭ ‬مريرة‭ ‬بين‭ ‬بروسيا‭ ‬وفرنسا،‭ ‬وانفجرت‭ ‬مرة‭ ‬أخري‭ ‬النزعة‭ ‬القومية‭ ‬المتطرفة‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬كانت‭ ‬فيه‭ ‬ألمانيا‭ ‬تبني‭ ‬نهضتها‭ ‬الروحية،‭ ‬فإذا‭ ‬بها‭ ‬تتفكك‭ ‬مرة‭ ‬أخري‭ ‬وترزح‭ ‬تحت‭ ‬القمع‭ ‬الأعمى‭ ‬والضرائب‭ ‬المتصاعدة،‭ ‬وإذا‭ ‬بالكفاحات‭ ‬الرومانسية‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬بعث‭ ‬الأمل‭ ‬في‭ ‬ألمانيا‭ ‬تتحول‭ ‬إلى‭ ‬نزعة‭ ‬شوفينية‭ ‬عسكرية‭ ‬مستبدة‭.‬

 

{‭ ‬أستاذ‭ ‬فلسفة‭ ‬اللغة‭ ‬والأدب‭ ‬الفرنسي

‭ ‬بكلية‭ ‬الآداب‭ - ‬جامعة‭ ‬حلوان‭            ‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600) حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا