العدد : ١٧٧٢٦ - الأحد ٠٤ أكتوبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٣ ربيع الآخر ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٧٢٦ - الأحد ٠٤ أكتوبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٣ ربيع الآخر ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

الماضي يفتح أبوابه للغد

بقلم: نبيلة رجب

الأحد ٠٤ أكتوبر ٢٠٢٦ - 02:00

في‭ ‬الموسم‭ ‬الجديد‭ ‬لمركز‭ ‬الشيخ‭ ‬إبراهيم‭ ‬بن‭ ‬محمد‭ ‬آل‭ ‬خليفة‭ ‬تستطيع‭ ‬في‭ ‬أمسية‭ ‬أن‭ ‬تستمع‭ ‬إلى‭ ‬عالم‭ ‬يتحدث‭ ‬عن‭ ‬فيزياء‭ ‬الجسيمات،‭ ‬وتعود‭ ‬في‭ ‬أمسية‭ ‬أخرى‭ ‬لتجد‭ ‬الشعر‭ ‬ينتظرك‭ ‬في‭ ‬بيت‭ ‬الشعر‭ ‬بالمنامة،‭ ‬وفي‭ ‬ثالثة‭ ‬يُناقش‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬في‭ ‬بيت‭ ‬عبدالله‭ ‬الزايد‭. ‬هذا‭ ‬المشهد‭ ‬جعلني‭ ‬أتوقف‭ ‬عند‭ ‬الاسم‭ ‬الذي‭ ‬اختاره‭ ‬المركز‭ ‬لموسمه‭ ‬الخامس‭ ‬والعشرين‭: ‬‮«‬أجمل‭ ‬التاريخ‭ ‬كان‭ ‬غدًا‮»‬‭.‬

وفي‭ ‬الاسم‭ ‬ما‭ ‬يشبه‭ ‬المفارقة‭: ‬التاريخ‭ ‬ما‭ ‬مضى،‭ ‬فكيف‭ ‬يكون‭ ‬أجمله‭ ‬غدًا؟‭ ‬أفهمه‭ ‬هكذا‭: ‬يزداد‭ ‬جمال‭ ‬ما‭ ‬مضى‭ ‬كلما‭ ‬عدنا‭ ‬إليه‭ ‬بنظرة‭ ‬جديدة‭.‬

وبيوت‭ ‬المركز‭ ‬مثال‭ ‬قريب‭ ‬على‭ ‬ذلك‭. ‬فالبيت‭ ‬القديم‭ ‬يمكن‭ ‬إنقاذه‭ ‬من‭ ‬الهدم،‭ ‬وترميم‭ ‬أبوابه‭ ‬ونوافذه‭ ‬وإعادة‭ ‬تفاصيله‭ ‬كما‭ ‬كانت‭. ‬لكن‭ ‬هذا‭ ‬نصف‭ ‬الحكاية‭. ‬أما‭ ‬نصفها‭ ‬الآخر‭ ‬فهو‭ ‬السؤال‭: ‬ماذا‭ ‬نفعل‭ ‬بالبيت‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬ننقذه؟

بدأت‭ ‬المسيرة‭ ‬عام‭ ‬2002،‭ ‬حين‭ ‬عاد‭ ‬مجلس‭ ‬الشيخ‭ ‬إبراهيم‭ ‬بن‭ ‬محمد‭ ‬آل‭ ‬خليفة‭ ‬إلى‭ ‬مكانه‭ ‬في‭ ‬المحرق‭. ‬كان‭ ‬الشيخ‭ ‬إبراهيم‭ ‬يجمع‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المجلس‭ ‬المثقفين‭ ‬حتى‭ ‬وفاته‭ ‬عام‭ ‬1933،‭ ‬وبعد‭ ‬نحو‭ ‬سبعين‭ ‬عامًا‭ ‬عاد‭ ‬المكان‭ ‬ليؤدي‭ ‬الدور‭ ‬نفسه‭: ‬بيت‭ ‬يتحدث‭ ‬فيه‭ ‬الناس‭. ‬وهنا‭ ‬يتضح‭ ‬ما‭ ‬أقصده؛‭ ‬فالبيت‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬للحوار‭ ‬يبقى‭ ‬ناقصًا‭ ‬ما‭ ‬لم‭ ‬يُستأنف‭ ‬فيه‭ ‬الحوار‭.‬

ومن‭ ‬فعاليات‭ ‬هذا‭ ‬الموسم‭ ‬توقفت‭ ‬عند‭ ‬محاضرة‭ ‬السادس‭ ‬عشر‭ ‬من‭ ‬نوفمبر‭ ‬عن‭ ‬مستقبل‭ ‬فيزياء‭ ‬الجسيمات‭ ‬والتعاون‭ ‬بين‭ ‬البحرين‭ ‬و«سيرن‮»‬،‭ ‬المنظمة‭ ‬الأوروبية‭ ‬للأبحاث‭ ‬النووية‭. ‬أثارني‭ ‬أن‭ ‬يجد‭ ‬واحد‭ ‬من‭ ‬أكثر‭ ‬ميادين‭ ‬العلم‭ ‬تقدمًا‭ ‬مكانه‭ ‬في‭ ‬مركز‭ ‬قام‭ ‬على‭ ‬موقع‭ ‬مجلس‭ ‬قديم‭. ‬فالمركز‭ ‬يحتفظ‭ ‬بتاريخه،‭ ‬ولا‭ ‬يُطلب‭ ‬من‭ ‬النقاش‭ ‬فيه‭ ‬أن‭ ‬يبقى‭ ‬في‭ ‬زمنه‭.‬

وعلى‭ ‬مدى‭ ‬هذه‭ ‬السنوات،‭ ‬استضاف‭ ‬المركز‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬خمسمائة‭ ‬من‭ ‬المتحدثين‭ ‬والمفكرين‭ ‬والشعراء‭ ‬والفلاسفة‭. ‬لكن‭ ‬الرقم‭ ‬يعني‭ ‬لي‭ ‬شيئًا‭ ‬آخر‭: ‬المسافة‭ ‬التي‭ ‬اختصرها‭ ‬مجيء‭ ‬هؤلاء‭ ‬إلى‭ ‬البحرين‭. ‬فالضيف‭ ‬الذي‭ ‬كنا‭ ‬نقرأ‭ ‬له‭ ‬أو‭ ‬نشاهده‭ ‬على‭ ‬شاشة‭ ‬أصبح‭ ‬أمام‭ ‬جمهور‭ ‬بحريني‭. ‬وهو‭ ‬بدوره‭ ‬يدخل‭ ‬مركزًا‭ ‬يقع‭ ‬في‭ ‬أحد‭ ‬أقدم‭ ‬أحياء‭ ‬المحرق،‭ ‬ويرى‭ ‬عمارتها‭ ‬وشيئًا‭ ‬من‭ ‬ذاكرتها‭. ‬نحن‭ ‬نسمع‭ ‬ما‭ ‬جاء‭ ‬ليقوله،‭ ‬والمكان‭ ‬يقول‭ ‬له‭ ‬هو‭ ‬أيضًا‭ ‬شيئًا‭ ‬عنا‭.‬

لا‭ ‬أظن‭ ‬أن‭ ‬قيمة‭ ‬هذه‭ ‬اللقاءات‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬نخرج‭ ‬مقتنعين‭ ‬بكل‭ ‬ما‭ ‬سمعناه‭. ‬أحيانًا‭ ‬تكون‭ ‬الفكرة‭ ‬التي‭ ‬نختلف‭ ‬معها‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬تبقى‭ ‬معنا‭ ‬أطول،‭ ‬لأنها‭ ‬تدفعنا‭ ‬إلى‭ ‬التأمل‭ ‬والبحث‭ ‬ومراجعة‭ ‬ما‭ ‬نظنه‭ ‬محسومًا‭. ‬نعود‭ ‬إلى‭ ‬بيوتنا‭ ‬ونحن‭ ‬نردّ‭ ‬عليها‭ ‬في‭ ‬سرّنا،‭ ‬ونكمل‭ ‬الجدال‭ ‬مع‭ ‬من‭ ‬لا‭ ‬يسمعنا،‭ ‬وقد‭ ‬نفتح‭ ‬كتابًا‭ ‬في‭ ‬اليوم‭ ‬التالي‭ ‬لنتأكد‭ ‬أننا‭ ‬على‭ ‬حق،‭ ‬فنكتشف‭ ‬أننا‭ ‬نعرف‭ ‬أقل‭ ‬مما‭ ‬ظننا‭. ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬أريده‭ ‬من‭ ‬المكان‭ ‬الثقافي‭: ‬أن‭ ‬أخرج‭ ‬منه‭ ‬وفي‭ ‬ذهني‭ ‬شيء‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬معي‭ ‬حين‭ ‬دخلت،‭ ‬فكرة‭ ‬جديدة‭ ‬أو‭ ‬سؤال‭ ‬لم‭ ‬يخطر‭ ‬لي‭ ‬من‭ ‬قبل‭.‬

وللاستمرار‭ ‬فكرة‭ ‬وُلدت‭ ‬مع‭ ‬المركز‭ ‬نفسه‭ ‬عام‭ ‬2002‭: ‬‮«‬الاستثمار‭ ‬في‭ ‬الثقافة‮»‬،‭ ‬التي‭ ‬فتحت‭ ‬للقطاع‭ ‬الخاص‭ ‬بابًا‭ ‬للمشاركة‭ ‬في‭ ‬دعم‭ ‬مشروعات‭ ‬ثقافية‭ ‬وتراثية‭. ‬وبيت‭ ‬إبراهيم‭ ‬العريّض‭ ‬في‭ ‬المنامة‭ ‬مثال‭ ‬على‭ ‬ذلك؛‭ ‬اقتُني‭ ‬ورُمّم‭ ‬وتحوّل‭ ‬إلى‭ ‬بيت‭ ‬للشعر،‭ ‬بدعم‭ ‬من‭ ‬أفراد‭ ‬ومؤسسات‭. ‬إنقاذ‭ ‬البيت‭ ‬قرار‭ ‬يُتخذ‭ ‬في‭ ‬لحظة،‭ ‬أما‭ ‬بقاؤه‭ ‬حيًا‭ ‬عامًا‭ ‬بعد‭ ‬عام‭ ‬فيحتاج‭ ‬إلى‭ ‬شركاء‭ ‬وموارد‭ ‬وبرنامج‭ ‬يتجدد‭.‬

واتسع‭ ‬أثر‭ ‬الترميم‭ ‬خارج‭ ‬أبواب‭ ‬تلك‭ ‬البيوت‭. ‬فالعمل‭ ‬الذي‭ ‬بدأ‭ ‬في‭ ‬ترميم‭ ‬المباني‭ ‬وإعادة‭ ‬استخدامها‭ ‬أصبح‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬مشروع‭ ‬أكبر‭ ‬لإحياء‭ ‬المحرق،‭ ‬ونال‭ ‬المشروع‭ ‬عام‭ ‬2019‭ ‬جائزة‭ ‬الآغا‭ ‬خان‭ ‬للعمارة،‭ ‬وهي‭ ‬جائزة‭ ‬دولية‭ ‬تُعنى‭ ‬بأثر‭ ‬العمارة‭ ‬في‭ ‬حياة‭ ‬المجتمعات‭. ‬وهكذا‭ ‬انتقلت‭ ‬الفكرة‭ ‬من‭ ‬البيت‭ ‬إلى‭ ‬المدينة،‭ ‬وصار‭ ‬الاعتناء‭ ‬بالماضي‭ ‬من‭ ‬صميم‭ ‬حياة‭ ‬المكان‭ ‬ومستقبله‭.‬

وللمركز‭ ‬في‭ ‬المنامة‭ ‬بيوت‭ ‬أيضًا،‭ ‬منها‭ ‬بيت‭ ‬إبراهيم‭ ‬العريّض‭. ‬ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬كلما‭ ‬رأيت‭ ‬ما‭ ‬تحقق‭ ‬في‭ ‬المحرق،‭ ‬تمنيت‭ ‬أن‭ ‬تتسع‭ ‬المساحة‭ ‬الثقافية‭ ‬في‭ ‬المنامة‭ ‬أكثر‭. ‬للمدينة‭ ‬ذاكرتها‭ ‬وأحياؤها‭ ‬وحكاياتها،‭ ‬وأتمنى‭ ‬أن‭ ‬نرى‭ ‬فيها‭ ‬مزيدًا‭ ‬من‭ ‬الأماكن‭ ‬التي‭ ‬يصبح‭ ‬فيها‭ ‬الفكر‭ ‬والفن‭ ‬والحوار‭ ‬مألوفًا‭ ‬في‭ ‬حركة‭ ‬المدينة‭ ‬وحياة‭ ‬أهلها‭.‬

وأرجو‭ ‬أن‭ ‬تصل‭ ‬هذه‭ ‬الأمسيات‭ ‬يومًا‭ ‬إلى‭ ‬من‭ ‬لم‭ ‬يعتد‭ ‬حضورها‭. ‬فقد‭ ‬يظن‭ ‬بعضنا‭ ‬أن‭ ‬المحاضرة‭ ‬والقصيدة‭ ‬لا‭ ‬تخصانه،‭ ‬وأن‭ ‬القاعة‭ ‬لأهل‭ ‬الاختصاص‭ ‬وحدهم‭. ‬ومن‭ ‬يجلس‭ ‬مرة‭ ‬واحدة‭ ‬ويسمع‭ ‬ما‭ ‬يمسّ‭ ‬همومه‭ ‬وحياته،‭ ‬قد‭ ‬يعود‭ ‬في‭ ‬المرة‭ ‬التالية‭ ‬ومعه‭ ‬من‭ ‬يحب‭.‬

قبل‭ ‬ربع‭ ‬قرن‭ ‬كان‭ ‬التحدي‭ ‬أن‭ ‬يعود‭ ‬البيت‭. ‬واليوم،‭ ‬حين‭ ‬يتسع‭ ‬المركز‭ ‬لفيزياء‭ ‬الجسيمات‭ ‬والذكاء‭ ‬الاصطناعي،‭ ‬تبدو‭ ‬الإجابة‭ ‬أوضح‭: ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬المطلوب‭ ‬أن‭ ‬يعود‭ ‬البيت‭ ‬كما‭ ‬كان،‭ ‬وإنما‭ ‬أن‭ ‬يعود‭ ‬إليه‭ ‬الناس‭.‬

وربما‭ ‬لهذا‭ ‬جاء‭ ‬‮«‬أجمل‭ ‬التاريخ‭ ‬كان‭ ‬غدًا‮»‬‭ ‬عنوانًا‭ ‬مناسبًا‭ ‬لموسم‭ ‬ربع‭ ‬القرن‭. ‬فهذه‭ ‬تجربة‭ ‬بدأت‭ ‬من‭ ‬الماضي،‭ ‬لكنها‭ ‬لم‭ ‬تختر‭ ‬أن‭ ‬تبقى‭ ‬فيه‭.‬

 

{‭ ‬قانونية‭ ‬وكاتبة‭ ‬بحرينية‭.‬

rajabnabeela@gmail‭.‬com

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600) حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا