في الموسم الجديد لمركز الشيخ إبراهيم بن محمد آل خليفة تستطيع في أمسية أن تستمع إلى عالم يتحدث عن فيزياء الجسيمات، وتعود في أمسية أخرى لتجد الشعر ينتظرك في بيت الشعر بالمنامة، وفي ثالثة يُناقش الذكاء الاصطناعي في بيت عبدالله الزايد. هذا المشهد جعلني أتوقف عند الاسم الذي اختاره المركز لموسمه الخامس والعشرين: «أجمل التاريخ كان غدًا».
وفي الاسم ما يشبه المفارقة: التاريخ ما مضى، فكيف يكون أجمله غدًا؟ أفهمه هكذا: يزداد جمال ما مضى كلما عدنا إليه بنظرة جديدة.
وبيوت المركز مثال قريب على ذلك. فالبيت القديم يمكن إنقاذه من الهدم، وترميم أبوابه ونوافذه وإعادة تفاصيله كما كانت. لكن هذا نصف الحكاية. أما نصفها الآخر فهو السؤال: ماذا نفعل بالبيت بعد أن ننقذه؟
بدأت المسيرة عام 2002، حين عاد مجلس الشيخ إبراهيم بن محمد آل خليفة إلى مكانه في المحرق. كان الشيخ إبراهيم يجمع في هذا المجلس المثقفين حتى وفاته عام 1933، وبعد نحو سبعين عامًا عاد المكان ليؤدي الدور نفسه: بيت يتحدث فيه الناس. وهنا يتضح ما أقصده؛ فالبيت الذي كان للحوار يبقى ناقصًا ما لم يُستأنف فيه الحوار.
ومن فعاليات هذا الموسم توقفت عند محاضرة السادس عشر من نوفمبر عن مستقبل فيزياء الجسيمات والتعاون بين البحرين و«سيرن»، المنظمة الأوروبية للأبحاث النووية. أثارني أن يجد واحد من أكثر ميادين العلم تقدمًا مكانه في مركز قام على موقع مجلس قديم. فالمركز يحتفظ بتاريخه، ولا يُطلب من النقاش فيه أن يبقى في زمنه.
وعلى مدى هذه السنوات، استضاف المركز أكثر من خمسمائة من المتحدثين والمفكرين والشعراء والفلاسفة. لكن الرقم يعني لي شيئًا آخر: المسافة التي اختصرها مجيء هؤلاء إلى البحرين. فالضيف الذي كنا نقرأ له أو نشاهده على شاشة أصبح أمام جمهور بحريني. وهو بدوره يدخل مركزًا يقع في أحد أقدم أحياء المحرق، ويرى عمارتها وشيئًا من ذاكرتها. نحن نسمع ما جاء ليقوله، والمكان يقول له هو أيضًا شيئًا عنا.
لا أظن أن قيمة هذه اللقاءات في أن نخرج مقتنعين بكل ما سمعناه. أحيانًا تكون الفكرة التي نختلف معها هي التي تبقى معنا أطول، لأنها تدفعنا إلى التأمل والبحث ومراجعة ما نظنه محسومًا. نعود إلى بيوتنا ونحن نردّ عليها في سرّنا، ونكمل الجدال مع من لا يسمعنا، وقد نفتح كتابًا في اليوم التالي لنتأكد أننا على حق، فنكتشف أننا نعرف أقل مما ظننا. وهذا ما أريده من المكان الثقافي: أن أخرج منه وفي ذهني شيء لم يكن معي حين دخلت، فكرة جديدة أو سؤال لم يخطر لي من قبل.
وللاستمرار فكرة وُلدت مع المركز نفسه عام 2002: «الاستثمار في الثقافة»، التي فتحت للقطاع الخاص بابًا للمشاركة في دعم مشروعات ثقافية وتراثية. وبيت إبراهيم العريّض في المنامة مثال على ذلك؛ اقتُني ورُمّم وتحوّل إلى بيت للشعر، بدعم من أفراد ومؤسسات. إنقاذ البيت قرار يُتخذ في لحظة، أما بقاؤه حيًا عامًا بعد عام فيحتاج إلى شركاء وموارد وبرنامج يتجدد.
واتسع أثر الترميم خارج أبواب تلك البيوت. فالعمل الذي بدأ في ترميم المباني وإعادة استخدامها أصبح جزءًا من مشروع أكبر لإحياء المحرق، ونال المشروع عام 2019 جائزة الآغا خان للعمارة، وهي جائزة دولية تُعنى بأثر العمارة في حياة المجتمعات. وهكذا انتقلت الفكرة من البيت إلى المدينة، وصار الاعتناء بالماضي من صميم حياة المكان ومستقبله.
وللمركز في المنامة بيوت أيضًا، منها بيت إبراهيم العريّض. ومع ذلك، كلما رأيت ما تحقق في المحرق، تمنيت أن تتسع المساحة الثقافية في المنامة أكثر. للمدينة ذاكرتها وأحياؤها وحكاياتها، وأتمنى أن نرى فيها مزيدًا من الأماكن التي يصبح فيها الفكر والفن والحوار مألوفًا في حركة المدينة وحياة أهلها.
وأرجو أن تصل هذه الأمسيات يومًا إلى من لم يعتد حضورها. فقد يظن بعضنا أن المحاضرة والقصيدة لا تخصانه، وأن القاعة لأهل الاختصاص وحدهم. ومن يجلس مرة واحدة ويسمع ما يمسّ همومه وحياته، قد يعود في المرة التالية ومعه من يحب.
قبل ربع قرن كان التحدي أن يعود البيت. واليوم، حين يتسع المركز لفيزياء الجسيمات والذكاء الاصطناعي، تبدو الإجابة أوضح: لم يكن المطلوب أن يعود البيت كما كان، وإنما أن يعود إليه الناس.
وربما لهذا جاء «أجمل التاريخ كان غدًا» عنوانًا مناسبًا لموسم ربع القرن. فهذه تجربة بدأت من الماضي، لكنها لم تختر أن تبقى فيه.
{ قانونية وكاتبة بحرينية.
rajabnabeela@gmail.com

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك