احتفل العالم مؤخرا باليوم الدولي للسلام، وهي مناسبة تدعونا إلى أن نستحضر حاجة الأمة العربية للسلام الداخلي والتسامح وتقبل الاخر ونبذ الصراعات الفكرية والأيديولوجية والدينية لبناء مجتمعات متماسكة ومتعددة القناعات والعقائد والتوجهات، ومنتجة وقادرة على المنافسة والدفاع عن اوطانها وقضاياها. للأسف تعاني الكثير من المجتمعات العربية من التفكك والصراعات السياسية والمذهبية والفكرية. هذا يضعف الامة في مواجهة اعدائها والدفاع عن حقوقها.
التفكك المجتمعي والصراع أيا كان موضوعه يبدأ بفكرة يعبَّر عنها بإقصاء المختلف، وادعاء الحق المطلق والصحيح الأوحد، ووصم كل ما سواه بأنه ضلال باطل وكفر بواح. ومع الوقت تتطور اللغة وتزداد وتيرة الخلاف. الحوار في هذه الحالة لا يكفي، بل ينبغي ان يصاحبه استعداد لدى الإنسان لسماع الأدلة وفحص الفرضيات والشائعات والمطالبة بالأدلة ليتحول الصراع إلى خلاف عقلاني يُحسم بالأدلة والبراهين التي يتفق عليها الأطراف التي انتهجت العقلانية سبيلا لحل الاختلافات قبل ان تتحول إلى نزاعات مدمرة.
إن تجديد الخطاب الديني لا يعني الدين نفسه أو تبديل العقيدة أو القطع مع التراث، بل مراجعة طرائق فهم النصوص وتبليغها، والتمييز بين النص المقدس والاجتهاد البشري، وربط التدين بقيم الرحمة والعدل والعمران. فالخطاب الذي يقبل التعدد ويمنع التكفير والتحريض يعيد بناء الثقة بين المواطنين، ويجعل الدولة حكمًا محايدًا بينهم، ويخفض كلفة النزاع على الأمن والاقتصاد، ويوجه الموارد إلى التعليم والصحة وإنتاج المعرفة. لذلك فالتجديد ليس شأنًا منبريًا فقط، بل شرطا للسلم الأهلي والتنمية والتقدم العلمي والازدهار المجتمعي.
إن الصراع المذهبي والتفكك العربي ليس طبيعة ثابتة في العرب أو الإسلام، وإنما هو نتيجة تفاعل على مر التاريخ بين تنازع السلطة، وتسييس الذاكرة الدينية، وضعف أمام مراجعة التاريخ، واحتكار جماعة ما للحقيقة، وضعف المواطنة والقضاء، والتدخلات الإقليمية والخارجية.
يتحول الاختلاف الفقهي الطبيعي إلى «تطييف» حين يُعاد تفسير نزاع سياسي أو اجتماعي بلغة مذهبية، وحين تصبح الهوية مدخلًا إلى الحقوق والموارد. وتُوَضِّح دراسة لبنان العثماني أن الطائفية ارتبطت بتفكك ترتيبات اجتماعية سابقة، وبالتدخل الأوروبي وتعبئة الهويات (راجع: مكاديسي، أسامة. (2000) ثقافة الطائفية: الجماعة والتاريخ والعنف في لبنان العثماني، ص67-95، بيركلي: مطبعة جامعة كاليفورنيا). كما أن المحاصصة، قد توقف القتال مؤقتًا، لكنها تجمد الهويات وتغذي الزبائنية إن لم تنتقل إلى مواطنة ومساءلة (انظر: سلوخ، باسل ف (2020). «تقاسم السلطة التوافقي في العالم العربي: مراجعة نقدية» ص739-747).
وقد أسهم الاستعمار في إذكاء الانقسام عندما صنف السكان في فئات جامدة، ورجّح جماعات على أخرى، ورسم حدودًا لم تراع دائمًا الروابط الاجتماعية. واليوم هناك استخبارات صهيونية تلعب هذا الدور وتستغل الخلاف بانتحال شخصيات من الاطراف المختلفة، كما أعادت نخب محلية توظيف التصنيفات القديمة، وسمحت الدولة الهشة والتمييز والتنافس الإقليمي بتحويلها إلى أدوات تعبئة.
تبين تجارب أمم أخرى أن الخروج من الصراع يتحقق ببناء مؤسسات تدير الاختلاف. فأوروبا تجاوزت تدريجيًا الحروب الكاثوليكية – البروتستانتية عبر تسويات قانونية، وتقييد سلطة حكام وكهنوت القرون الوسطى، وتوسيع المواطنة وحيادية القضاء والتمثيل السياسي؛ أي نقلت الخلاف من حرب وجودية إلى تنافس مؤسسي[ Te Brake, Wayne P. (2017) Religious War and Religious Peace in Early Modern Europe Cambridge: Cambridge University Press, 2017, pp1-22]. اما إندونيسيا فقد تبنت خمسة مبادئ، أو ما يسمى «بانشاسيلا»، هي المواطنة، العدالة والفضيلة الإنسانية، والاجماع التشاوري، والرفاه الاجتماعي، والحرية الدينية. وشكلت هذه المبادئ اطارا لهوية وطنية جامعة للتنوع الديني والإثني «الوحدة في التنوع» تسندها مؤسسات عادلة، وإن ظلت المساواة بحاجة إلى حماية مؤسسية مستمرة[ Chia, Philip Suciadi (2022) “Pancasila and Covenantal Pluralism in Indonesia: A Historical Approach.” Transformation 39(2), 2022: pp 98–91]. أما ماليزيا فاحتوت التوتر نسبيًا عبر الائتلاف وتقاسم السلطة.
وبالنسبة إلى الدول العربية فإن المعضلة في كثير منها ليس غياب قيم التسامح، بل ضعف القواعد التي تجعل احترامها ملزمًا. فمثلا أرسى كثير من العلماء في عهود تاريخية تقليداً في التسامح الفكري يستحق الاستعادة اليوم. فالإمام الشافعي كان يصف اجتهاده بأنه رأي يحتمل الخطأ، ورأي غيره يحتمل الصواب، رافضاً بذلك احتكار الحقيقة المطلقة. وسار على هذا النهج أئمة المذاهب الذين اختلفوا من دون أن يُخرج بعضهم بعضاً من الدين، معتبرين الاختلاف رحمة لا نقمة. هؤلاء الأئمة قبلوا أن يكون فهمهم اجتهاداً بشرياً قابلاً للمراجعة، لا نصاً مقدساً، وهذا هو جوهر التسامح الديني الحقيقي؛ أي الإقرار بأن قبول الرأي الآخر لا يضعف الإيمان بل يحميه من التعصب والتصلب. فاستعادة هذا الإرث هي أقصر الطرق إلى خطاب ديني متجدد يعيد للاختلاف مكانته الطبيعية كمصدر ثراء لا تهديد للوجود.
في وضعنا الحالي، يمثل التعليم خط الدفاع الأعمق. فالمدرسة التي تكافئ حفظ جواب واحد تدرب الطالب على الامتثال، بينما المدرسة التي تعلم تحليل الدليل، ومقارنة التأويلات، والتحقق من المصدر، وصياغة السؤال والمناظرة باحترام، تجعل الطالب أقل قابلية للدعاية والتكفير. نحن بحاجة إلى تعليم حواري قائم على طرح المشكلات وبناء الوعي النقدي[ Freire, Paulo (2005) Pedagogy of the Oppressed. 30th Anniversary ed. New York: Continuum, 2005] (فريري، 2005، ص 71–86)، بذلك يصبح السؤال ليس عداءً للدين، بل وسيلة لتمييز النص المقدس من تفسيره البشري، والمعلومة من الشائعة، واليقين الشخصي من حق الآخرين في الاعتقاد.
ويتصل هذا النوع من التعليم مباشرة بالتقدم العلمي والمعرفي؛ فالابتكار يفترض حرية السؤال، وقبول الخطأ، والتعاون خارج حدود الجماعة؛ بينما يحوِّل الاستقطاب الجامعة إلى ساحة ولاءات، ويدفع الباحثين إلى الهجرة. وقد ربط تقرير التنمية الإنسانية العربية بناء مجتمع المعرفة بالحريات الأساسية، والتعليم الجيد، وترسيخ العلم، والانتقال من استهلاك المعرفة إلى إنتاجها [راجع: برنامج الأمم المتحدة الإنمائي. (2003). تقرير التنمية الإنسانية العربية 2003: نحو إقامة مجتمع المعرفة ص1-16 و163-179]. وهكذا يصبح الخطاب الذي يكرّم العقل والبرهان شرطًا للإنتاجية وتقليل التبعية التكنولوجية.
ومن ثم فإن معالجة الوضع العربي لا بد ان تبدأ بتأهيل رجال الدين في الفقه المقارن والتاريخ وعلم الاجتماع والإعلام الرقمي، ووضع معايير شفافة تجرّم التحريض والعنف لا الاجتهاد والاختلاف. ويوازي ذلك إصلاح المناهج بحيث يشمل التعليم جميع المدارس الإسلامية والإنسانية المتعددة، وتدريب المعلمين على إدارة الأسئلة الحساسة، وتعزيز الثقافة الإعلامية لكشف الأخبار المضللة والمغرضة. كما يلزم فتح مجال عام للنقاش المنظم، وإنشاء مجالس حوار ذات مشروعات مشتركة. فالمجتمع يتعلم التعايش والتسامح بممارسة يومية يشعر فيها كل فرد أن القانون يحميه وأن صوته مسموع.
في هذا اليوم العالمي للتسامح يجدر بالدول العربية ان ترى في تجديد الخطاب الديني مشروعا مدنيا ودستوريا وتعليميا ودينيا في آن واحد. غايته ليست صهر الاختلاف أو فرض «وسطية» رسمية، بل منع تحويل التنوع إلى عنف وكراهية، ونقل المجتمع من سؤال «من يملك الحقيقة؟» إلى سؤال «كيف نعيش معًا بتنوعنا؟». حين تصبح المؤسسة أقوى من الولاء الطائفي، والسؤال أقوى من التلقين، والكفاءة معيارا وطنيا، يصبح الاختلاف مصدرا للمعرفة لا ذريعة للتفكك، وتتحول الدولة من ساحة تتنازعها الجماعات إلى بيت آمن لمواطنين متساوين. وبهذا تكون فرص الأمة أكبر في التأثير العالمي ورسم مستقبلها.
mkuwaiti@batelco.com.bh

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك