العدد : ١٧٧٢٦ - الأحد ٠٤ أكتوبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٣ ربيع الآخر ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٧٢٦ - الأحد ٠٤ أكتوبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٣ ربيع الآخر ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

العرب من إدارة الاختلاف إلى بناء الدولة والمجتمع

بقلم: د. محمد عيسى الكويتي

السبت ٠٣ أكتوبر ٢٠٢٦ - 02:00

احتفل‭ ‬العالم‭ ‬مؤخرا‭ ‬باليوم‭ ‬الدولي‭ ‬للسلام،‭ ‬وهي‭ ‬مناسبة‭ ‬تدعونا‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬نستحضر‭ ‬حاجة‭ ‬الأمة‭ ‬العربية‭ ‬للسلام‭ ‬الداخلي‭ ‬والتسامح‭ ‬وتقبل‭ ‬الاخر‭ ‬ونبذ‭ ‬الصراعات‭ ‬الفكرية‭ ‬والأيديولوجية‭ ‬والدينية‭ ‬لبناء‭ ‬مجتمعات‭ ‬متماسكة‭ ‬ومتعددة‭ ‬القناعات‭ ‬والعقائد‭ ‬والتوجهات،‭ ‬ومنتجة‭ ‬وقادرة‭ ‬على‭ ‬المنافسة‭ ‬والدفاع‭ ‬عن‭ ‬اوطانها‭ ‬وقضاياها‭. ‬للأسف‭ ‬تعاني‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬المجتمعات‭ ‬العربية‭ ‬من‭ ‬التفكك‭ ‬والصراعات‭ ‬السياسية‭ ‬والمذهبية‭ ‬والفكرية‭. ‬هذا‭ ‬يضعف‭ ‬الامة‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬اعدائها‭ ‬والدفاع‭ ‬عن‭ ‬حقوقها‭.‬

التفكك‭ ‬المجتمعي‭ ‬والصراع‭ ‬أيا‭ ‬كان‭ ‬موضوعه‭ ‬يبدأ‭ ‬بفكرة‭ ‬يعبَّر‭ ‬عنها‭ ‬بإقصاء‭ ‬المختلف،‭ ‬وادعاء‭ ‬الحق‭ ‬المطلق‭ ‬والصحيح‭ ‬الأوحد،‭ ‬ووصم‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬سواه‭ ‬بأنه‭ ‬ضلال‭ ‬باطل‭ ‬وكفر‭ ‬بواح‭. ‬ومع‭ ‬الوقت‭ ‬تتطور‭ ‬اللغة‭ ‬وتزداد‭ ‬وتيرة‭ ‬الخلاف‭. ‬الحوار‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الحالة‭ ‬لا‭ ‬يكفي،‭ ‬بل‭ ‬ينبغي‭ ‬ان‭ ‬يصاحبه‭ ‬استعداد‭ ‬لدى‭ ‬الإنسان‭ ‬لسماع‭ ‬الأدلة‭ ‬وفحص‭ ‬الفرضيات‭ ‬والشائعات‭ ‬والمطالبة‭ ‬بالأدلة‭ ‬ليتحول‭ ‬الصراع‭ ‬إلى‭ ‬خلاف‭ ‬عقلاني‭ ‬يُحسم‭ ‬بالأدلة‭ ‬والبراهين‭ ‬التي‭ ‬يتفق‭ ‬عليها‭ ‬الأطراف‭ ‬التي‭ ‬انتهجت‭ ‬العقلانية‭ ‬سبيلا‭ ‬لحل‭ ‬الاختلافات‭ ‬قبل‭ ‬ان‭ ‬تتحول‭ ‬إلى‭ ‬نزاعات‭ ‬مدمرة‭.‬

إن‭ ‬تجديد‭ ‬الخطاب‭ ‬الديني‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬الدين‭ ‬نفسه‭ ‬أو‭ ‬تبديل‭ ‬العقيدة‭ ‬أو‭ ‬القطع‭ ‬مع‭ ‬التراث،‭ ‬بل‭ ‬مراجعة‭ ‬طرائق‭ ‬فهم‭ ‬النصوص‭ ‬وتبليغها،‭ ‬والتمييز‭ ‬بين‭ ‬النص‭ ‬المقدس‭ ‬والاجتهاد‭ ‬البشري،‭ ‬وربط‭ ‬التدين‭ ‬بقيم‭ ‬الرحمة‭ ‬والعدل‭ ‬والعمران‭. ‬فالخطاب‭ ‬الذي‭ ‬يقبل‭ ‬التعدد‭ ‬ويمنع‭ ‬التكفير‭ ‬والتحريض‭ ‬يعيد‭ ‬بناء‭ ‬الثقة‭ ‬بين‭ ‬المواطنين،‭ ‬ويجعل‭ ‬الدولة‭ ‬حكمًا‭ ‬محايدًا‭ ‬بينهم،‭ ‬ويخفض‭ ‬كلفة‭ ‬النزاع‭ ‬على‭ ‬الأمن‭ ‬والاقتصاد،‭ ‬ويوجه‭ ‬الموارد‭ ‬إلى‭ ‬التعليم‭ ‬والصحة‭ ‬وإنتاج‭ ‬المعرفة‭. ‬لذلك‭ ‬فالتجديد‭ ‬ليس‭ ‬شأنًا‭ ‬منبريًا‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬شرطا‭ ‬للسلم‭ ‬الأهلي‭ ‬والتنمية‭ ‬والتقدم‭ ‬العلمي‭ ‬والازدهار‭ ‬المجتمعي‭.‬

إن‭ ‬الصراع‭ ‬المذهبي‭ ‬والتفكك‭ ‬العربي‭ ‬ليس‭ ‬طبيعة‭ ‬ثابتة‭ ‬في‭ ‬العرب‭ ‬أو‭ ‬الإسلام،‭ ‬وإنما‭ ‬هو‭ ‬نتيجة‭ ‬تفاعل‭ ‬على‭ ‬مر‭ ‬التاريخ‭ ‬بين‭ ‬تنازع‭ ‬السلطة،‭ ‬وتسييس‭ ‬الذاكرة‭ ‬الدينية،‭ ‬وضعف‭ ‬أمام‭ ‬مراجعة‭ ‬التاريخ،‭ ‬واحتكار‭ ‬جماعة‭ ‬ما‭ ‬للحقيقة،‭ ‬وضعف‭ ‬المواطنة‭ ‬والقضاء،‭ ‬والتدخلات‭ ‬الإقليمية‭ ‬والخارجية‭.‬

يتحول‭ ‬الاختلاف‭ ‬الفقهي‭ ‬الطبيعي‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬تطييف‮»‬‭ ‬حين‭ ‬يُعاد‭ ‬تفسير‭ ‬نزاع‭ ‬سياسي‭ ‬أو‭ ‬اجتماعي‭ ‬بلغة‭ ‬مذهبية،‭ ‬وحين‭ ‬تصبح‭ ‬الهوية‭ ‬مدخلًا‭ ‬إلى‭ ‬الحقوق‭ ‬والموارد‭. ‬وتُوَضِّح‭ ‬دراسة‭ ‬لبنان‭ ‬العثماني‭ ‬أن‭ ‬الطائفية‭ ‬ارتبطت‭ ‬بتفكك‭ ‬ترتيبات‭ ‬اجتماعية‭ ‬سابقة،‭ ‬وبالتدخل‭ ‬الأوروبي‭ ‬وتعبئة‭ ‬الهويات‭ (‬راجع‭: ‬مكاديسي،‭ ‬أسامة‭. (‬2000‭) ‬ثقافة‭ ‬الطائفية‭: ‬الجماعة‭ ‬والتاريخ‭ ‬والعنف‭ ‬في‭ ‬لبنان‭ ‬العثماني،‭ ‬ص67‭-‬95،‭ ‬بيركلي‭: ‬مطبعة‭ ‬جامعة‭ ‬كاليفورنيا‭). ‬كما‭ ‬أن‭ ‬المحاصصة،‭ ‬قد‭ ‬توقف‭ ‬القتال‭ ‬مؤقتًا،‭ ‬لكنها‭ ‬تجمد‭ ‬الهويات‭ ‬وتغذي‭ ‬الزبائنية‭ ‬إن‭ ‬لم‭ ‬تنتقل‭ ‬إلى‭ ‬مواطنة‭ ‬ومساءلة‭ (‬انظر‭: ‬سلوخ،‭ ‬باسل‭ ‬ف‭ (‬2020‭). ‬‮«‬تقاسم‭ ‬السلطة‭ ‬التوافقي‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭: ‬مراجعة‭ ‬نقدية‮»‬‭ ‬ص739‭-‬747‭).‬

وقد‭ ‬أسهم‭ ‬الاستعمار‭ ‬في‭ ‬إذكاء‭ ‬الانقسام‭ ‬عندما‭ ‬صنف‭ ‬السكان‭ ‬في‭ ‬فئات‭ ‬جامدة،‭ ‬ورجّح‭ ‬جماعات‭ ‬على‭ ‬أخرى،‭ ‬ورسم‭ ‬حدودًا‭ ‬لم‭ ‬تراع‭ ‬دائمًا‭ ‬الروابط‭ ‬الاجتماعية‭. ‬واليوم‭ ‬هناك‭ ‬استخبارات‭ ‬صهيونية‭ ‬تلعب‭ ‬هذا‭ ‬الدور‭ ‬وتستغل‭ ‬الخلاف‭ ‬بانتحال‭ ‬شخصيات‭ ‬من‭ ‬الاطراف‭ ‬المختلفة،‭ ‬كما‭ ‬أعادت‭ ‬نخب‭ ‬محلية‭ ‬توظيف‭ ‬التصنيفات‭ ‬القديمة،‭ ‬وسمحت‭ ‬الدولة‭ ‬الهشة‭ ‬والتمييز‭ ‬والتنافس‭ ‬الإقليمي‭ ‬بتحويلها‭ ‬إلى‭ ‬أدوات‭ ‬تعبئة‭.‬

تبين‭ ‬تجارب‭ ‬أمم‭ ‬أخرى‭ ‬أن‭ ‬الخروج‭ ‬من‭ ‬الصراع‭ ‬يتحقق‭ ‬ببناء‭ ‬مؤسسات‭ ‬تدير‭ ‬الاختلاف‭. ‬فأوروبا‭ ‬تجاوزت‭ ‬تدريجيًا‭ ‬الحروب‭ ‬الكاثوليكية‭ ‬–‭ ‬البروتستانتية‭ ‬عبر‭ ‬تسويات‭ ‬قانونية،‭ ‬وتقييد‭ ‬سلطة‭ ‬حكام‭ ‬وكهنوت‭ ‬القرون‭ ‬الوسطى،‭ ‬وتوسيع‭ ‬المواطنة‭ ‬وحيادية‭ ‬القضاء‭ ‬والتمثيل‭ ‬السياسي؛‭ ‬أي‭ ‬نقلت‭ ‬الخلاف‭ ‬من‭ ‬حرب‭ ‬وجودية‭ ‬إلى‭ ‬تنافس‭ ‬مؤسسي‭[  ‬Te‭ ‬Brake‭, ‬Wayne‭ ‬P‭.  (‬2017‭) ‬Religious‭ ‬War‭ ‬and‭ ‬Religious‭ ‬Peace‭ ‬in‭ ‬Early‭ ‬Modern‭ ‬Europe‭ ‬Cambridge‭: ‬Cambridge‭ ‬University‭ ‬Press‭, ‬2017‭, ‬pp1-22‭]. ‬اما‭ ‬إندونيسيا‭ ‬فقد‭ ‬تبنت‭ ‬خمسة‭ ‬مبادئ،‭ ‬أو‭ ‬ما‭ ‬يسمى‭ ‬‮«‬بانشاسيلا‮»‬،‭ ‬هي‭ ‬المواطنة،‭ ‬العدالة‭ ‬والفضيلة‭ ‬الإنسانية،‭ ‬والاجماع‭ ‬التشاوري،‭ ‬والرفاه‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬والحرية‭ ‬الدينية‭. ‬وشكلت‭ ‬هذه‭ ‬المبادئ‭ ‬اطارا‭ ‬لهوية‭ ‬وطنية‭ ‬جامعة‭ ‬للتنوع‭ ‬الديني‭ ‬والإثني‭ ‬‮«‬الوحدة‭ ‬في‭ ‬التنوع‮»‬‭ ‬تسندها‭ ‬مؤسسات‭ ‬عادلة،‭ ‬وإن‭ ‬ظلت‭ ‬المساواة‭ ‬بحاجة‭ ‬إلى‭ ‬حماية‭ ‬مؤسسية‭ ‬مستمرة‭[ ‬Chia‭, ‬Philip‭ ‬Suciadi‭ (‬2022‭) ‬“Pancasila‭ ‬and‭ ‬Covenantal‭ ‬Pluralism‭ ‬in‭ ‬Indonesia‭: ‬A‭ ‬Historical‭ ‬Approach‭.‬”‭ ‬Transformation‭ ‬39‭(‬2‭), ‬2022‭: ‬pp‭ ‬98–91‭]. ‬أما‭ ‬ماليزيا‭ ‬فاحتوت‭ ‬التوتر‭ ‬نسبيًا‭ ‬عبر‭ ‬الائتلاف‭ ‬وتقاسم‭ ‬السلطة‭.‬

وبالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬الدول‭ ‬العربية‭ ‬فإن‭ ‬المعضلة‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬منها‭ ‬ليس‭ ‬غياب‭ ‬قيم‭ ‬التسامح،‭ ‬بل‭ ‬ضعف‭ ‬القواعد‭ ‬التي‭ ‬تجعل‭ ‬احترامها‭ ‬ملزمًا‭. ‬فمثلا‭ ‬أرسى‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬العلماء‭ ‬في‭ ‬عهود‭ ‬تاريخية‭ ‬تقليداً‭ ‬في‭ ‬التسامح‭ ‬الفكري‭ ‬يستحق‭ ‬الاستعادة‭ ‬اليوم‭. ‬فالإمام‭ ‬الشافعي‭ ‬كان‭ ‬يصف‭ ‬اجتهاده‭ ‬بأنه‭ ‬رأي‭ ‬يحتمل‭ ‬الخطأ،‭ ‬ورأي‭ ‬غيره‭ ‬يحتمل‭ ‬الصواب،‭ ‬رافضاً‭ ‬بذلك‭ ‬احتكار‭ ‬الحقيقة‭ ‬المطلقة‭. ‬وسار‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬النهج‭ ‬أئمة‭ ‬المذاهب‭ ‬الذين‭ ‬اختلفوا‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يُخرج‭ ‬بعضهم‭ ‬بعضاً‭ ‬من‭ ‬الدين،‭ ‬معتبرين‭ ‬الاختلاف‭ ‬رحمة‭ ‬لا‭ ‬نقمة‭. ‬هؤلاء‭ ‬الأئمة‭ ‬قبلوا‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬فهمهم‭ ‬اجتهاداً‭ ‬بشرياً‭ ‬قابلاً‭ ‬للمراجعة،‭ ‬لا‭ ‬نصاً‭ ‬مقدساً،‭ ‬وهذا‭ ‬هو‭ ‬جوهر‭ ‬التسامح‭ ‬الديني‭ ‬الحقيقي؛‭ ‬أي‭ ‬الإقرار‭ ‬بأن‭ ‬قبول‭ ‬الرأي‭ ‬الآخر‭ ‬لا‭ ‬يضعف‭ ‬الإيمان‭ ‬بل‭ ‬يحميه‭ ‬من‭ ‬التعصب‭ ‬والتصلب‭. ‬فاستعادة‭ ‬هذا‭ ‬الإرث‭ ‬هي‭ ‬أقصر‭ ‬الطرق‭ ‬إلى‭ ‬خطاب‭ ‬ديني‭ ‬متجدد‭ ‬يعيد‭ ‬للاختلاف‭ ‬مكانته‭ ‬الطبيعية‭ ‬كمصدر‭ ‬ثراء‭ ‬لا‭ ‬تهديد‭ ‬للوجود‭.‬

في‭ ‬وضعنا‭ ‬الحالي،‭ ‬يمثل‭ ‬التعليم‭ ‬خط‭ ‬الدفاع‭ ‬الأعمق‭. ‬فالمدرسة‭ ‬التي‭ ‬تكافئ‭ ‬حفظ‭ ‬جواب‭ ‬واحد‭ ‬تدرب‭ ‬الطالب‭ ‬على‭ ‬الامتثال،‭ ‬بينما‭ ‬المدرسة‭ ‬التي‭ ‬تعلم‭ ‬تحليل‭ ‬الدليل،‭ ‬ومقارنة‭ ‬التأويلات،‭ ‬والتحقق‭ ‬من‭ ‬المصدر،‭ ‬وصياغة‭ ‬السؤال‭ ‬والمناظرة‭ ‬باحترام،‭ ‬تجعل‭ ‬الطالب‭ ‬أقل‭ ‬قابلية‭ ‬للدعاية‭ ‬والتكفير‭. ‬نحن‭ ‬بحاجة‭ ‬إلى‭ ‬تعليم‭ ‬حواري‭ ‬قائم‭ ‬على‭ ‬طرح‭ ‬المشكلات‭ ‬وبناء‭ ‬الوعي‭ ‬النقدي‭[  ‬Freire‭, ‬Paulo‭ (‬2005‭) ‬Pedagogy‭ ‬of‭ ‬the‭ ‬Oppressed‭. ‬30th‭ ‬Anniversary‭ ‬ed‭. ‬New‭ ‬York‭: ‬Continuum‭, ‬2005‭] (‬فريري،‭ ‬2005،‭ ‬ص‭ ‬71–86‭)‬،‭ ‬بذلك‭ ‬يصبح‭ ‬السؤال‭ ‬ليس‭ ‬عداءً‭ ‬للدين،‭ ‬بل‭ ‬وسيلة‭ ‬لتمييز‭ ‬النص‭ ‬المقدس‭ ‬من‭ ‬تفسيره‭ ‬البشري،‭ ‬والمعلومة‭ ‬من‭ ‬الشائعة،‭ ‬واليقين‭ ‬الشخصي‭ ‬من‭ ‬حق‭ ‬الآخرين‭ ‬في‭ ‬الاعتقاد‭.‬

ويتصل‭ ‬هذا‭ ‬النوع‭ ‬من‭ ‬التعليم‭ ‬مباشرة‭ ‬بالتقدم‭ ‬العلمي‭ ‬والمعرفي؛‭ ‬فالابتكار‭ ‬يفترض‭ ‬حرية‭ ‬السؤال،‭ ‬وقبول‭ ‬الخطأ،‭ ‬والتعاون‭ ‬خارج‭ ‬حدود‭ ‬الجماعة؛‭ ‬بينما‭ ‬يحوِّل‭ ‬الاستقطاب‭ ‬الجامعة‭ ‬إلى‭ ‬ساحة‭ ‬ولاءات،‭ ‬ويدفع‭ ‬الباحثين‭ ‬إلى‭ ‬الهجرة‭. ‬وقد‭ ‬ربط‭ ‬تقرير‭ ‬التنمية‭ ‬الإنسانية‭ ‬العربية‭ ‬بناء‭ ‬مجتمع‭ ‬المعرفة‭ ‬بالحريات‭ ‬الأساسية،‭ ‬والتعليم‭ ‬الجيد،‭ ‬وترسيخ‭ ‬العلم،‭ ‬والانتقال‭ ‬من‭ ‬استهلاك‭ ‬المعرفة‭ ‬إلى‭ ‬إنتاجها‭ [‬راجع‭: ‬برنامج‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬الإنمائي‭. (‬2003‭). ‬تقرير‭ ‬التنمية‭ ‬الإنسانية‭ ‬العربية‭ ‬2003‭: ‬نحو‭ ‬إقامة‭ ‬مجتمع‭ ‬المعرفة‭ ‬ص1‭-‬16‭ ‬و163‭-‬179‭]. ‬وهكذا‭ ‬يصبح‭ ‬الخطاب‭ ‬الذي‭ ‬يكرّم‭ ‬العقل‭ ‬والبرهان‭ ‬شرطًا‭ ‬للإنتاجية‭ ‬وتقليل‭ ‬التبعية‭ ‬التكنولوجية‭.‬

ومن‭ ‬ثم‭ ‬فإن‭ ‬معالجة‭ ‬الوضع‭ ‬العربي‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬ان‭ ‬تبدأ‭ ‬بتأهيل‭ ‬رجال‭ ‬الدين‭ ‬في‭ ‬الفقه‭ ‬المقارن‭ ‬والتاريخ‭ ‬وعلم‭ ‬الاجتماع‭ ‬والإعلام‭ ‬الرقمي،‭ ‬ووضع‭ ‬معايير‭ ‬شفافة‭ ‬تجرّم‭ ‬التحريض‭ ‬والعنف‭ ‬لا‭ ‬الاجتهاد‭ ‬والاختلاف‭. ‬ويوازي‭ ‬ذلك‭ ‬إصلاح‭ ‬المناهج‭ ‬بحيث‭ ‬يشمل‭ ‬التعليم‭ ‬جميع‭ ‬المدارس‭ ‬الإسلامية‭ ‬والإنسانية‭ ‬المتعددة،‭ ‬وتدريب‭ ‬المعلمين‭ ‬على‭ ‬إدارة‭ ‬الأسئلة‭ ‬الحساسة،‭ ‬وتعزيز‭ ‬الثقافة‭ ‬الإعلامية‭ ‬لكشف‭ ‬الأخبار‭ ‬المضللة‭ ‬والمغرضة‭. ‬كما‭ ‬يلزم‭ ‬فتح‭ ‬مجال‭ ‬عام‭ ‬للنقاش‭ ‬المنظم،‭ ‬وإنشاء‭ ‬مجالس‭ ‬حوار‭ ‬ذات‭ ‬مشروعات‭ ‬مشتركة‭. ‬فالمجتمع‭ ‬يتعلم‭ ‬التعايش‭ ‬والتسامح‭ ‬بممارسة‭ ‬يومية‭ ‬يشعر‭ ‬فيها‭ ‬كل‭ ‬فرد‭ ‬أن‭ ‬القانون‭ ‬يحميه‭ ‬وأن‭ ‬صوته‭ ‬مسموع‭.‬

في‭ ‬هذا‭ ‬اليوم‭ ‬العالمي‭ ‬للتسامح‭ ‬يجدر‭ ‬بالدول‭ ‬العربية‭ ‬ان‭ ‬ترى‭ ‬في‭ ‬تجديد‭ ‬الخطاب‭ ‬الديني‭ ‬مشروعا‭ ‬مدنيا‭ ‬ودستوريا‭ ‬وتعليميا‭ ‬ودينيا‭ ‬في‭ ‬آن‭ ‬واحد‭.‬‭ ‬غايته‭ ‬ليست‭ ‬صهر‭ ‬الاختلاف‭ ‬أو‭ ‬فرض‭ ‬‮«‬وسطية‮»‬‭ ‬رسمية،‭ ‬بل‭ ‬منع‭ ‬تحويل‭ ‬التنوع‭ ‬إلى‭ ‬عنف‭ ‬وكراهية،‭ ‬ونقل‭ ‬المجتمع‭ ‬من‭ ‬سؤال‭ ‬‮«‬من‭ ‬يملك‭ ‬الحقيقة؟‮»‬‭ ‬إلى‭ ‬سؤال‭ ‬‮«‬كيف‭ ‬نعيش‭ ‬معًا‭ ‬بتنوعنا؟‮»‬‭. ‬حين‭ ‬تصبح‭ ‬المؤسسة‭ ‬أقوى‭ ‬من‭ ‬الولاء‭ ‬الطائفي،‭ ‬والسؤال‭ ‬أقوى‭ ‬من‭ ‬التلقين،‭ ‬والكفاءة‭ ‬معيارا‭ ‬وطنيا،‭ ‬يصبح‭ ‬الاختلاف‭ ‬مصدرا‭ ‬للمعرفة‭ ‬لا‭ ‬ذريعة‭ ‬للتفكك،‭ ‬وتتحول‭ ‬الدولة‭ ‬من‭ ‬ساحة‭ ‬تتنازعها‭ ‬الجماعات‭ ‬إلى‭ ‬بيت‭ ‬آمن‭ ‬لمواطنين‭ ‬متساوين‭. ‬وبهذا‭ ‬تكون‭ ‬فرص‭ ‬الأمة‭ ‬أكبر‭ ‬في‭ ‬التأثير‭ ‬العالمي‭ ‬ورسم‭ ‬مستقبلها‭.‬

 

mkuwaiti@batelco‭.‬com‭.‬bh

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600) حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا