العدد : ١٧٧٢٤ - الجمعة ٠٢ أكتوبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٢١ ربيع الآخر ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٧٢٤ - الجمعة ٠٢ أكتوبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٢١ ربيع الآخر ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

الاستعمار الجديد والحرب على الشعوب

بقلم: د. منار الشوربجي

الجمعة ٠٢ أكتوبر ٢٠٢٦ - 02:00

أكدت‭ ‬اجتماعات‭ ‬الجمعية‭ ‬العامة‭ ‬للأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬أن‭ ‬انهيار‭ ‬النظام‭ ‬الدولي‭ ‬الذي‭ ‬تشكل‭ ‬بعد‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الثانية‭ ‬بات‭ ‬واقعًا‭ ‬مَعِيشًا‭. ‬وانهياره‭ ‬يحمل‭ ‬فرصة‭ ‬ذهبية‭ ‬ومخاطر‭ ‬شتى‭ ‬لشعوب‭ ‬جنوب‭ ‬العالم‭ ‬التي‭ ‬عانت‭ ‬طويلًا‭ ‬من‭ ‬تكريسه‭ ‬النهب‭ ‬المنظم‭ ‬لخيراتها‭ ‬ودعمه‭ ‬نظمًا‭ ‬شمولية‭ ‬على‭ ‬حسابها‭. ‬وما‭ ‬لم‭ ‬تكافح‭ ‬تلك‭ ‬الشعوب‭ ‬لبناء‭ ‬نظام‭ ‬دولي‭ ‬عادل‭ ‬يجسد‭ ‬مصالحها،‭ ‬لا‭ ‬مصالح‭ ‬الهيمنة‭ ‬والقهر،‭ ‬فستقوم‭ ‬القوى‭ ‬نفسها‭ ‬التي‭ ‬استفادت‭ ‬من‭ ‬النهب‭ ‬والقمع‭ ‬بتشكيله‭ ‬وإرساء‭ ‬قيمه‭ ‬وهياكله،‭ ‬فتعيد‭ ‬إنتاج‭ ‬النظام‭ ‬المنهار،‭ ‬وإن‭ ‬بشعارات‭ ‬جديدة‭. ‬فالنظام‭ ‬الدولي‭ ‬الذي‭ ‬ينهار‭ ‬اليوم‭ ‬صنعته‭ ‬الدول‭ ‬الاستعمارية‭ ‬المنتصرة‭ ‬في‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الثانية‭ ‬ليخدم‭ ‬مصالحها‭ ‬وحدها‭ ‬ويحافظ‭ ‬لها‭ ‬على‭ ‬استغلال‭ ‬المستعمرات‭ ‬السابقة‭ ‬ونهبها‭. ‬وانهياره‭ ‬اكتمل‭ ‬حين‭ ‬دار‭ ‬دورة‭ ‬كاملة‭ ‬حول‭ ‬نفسه،‭ ‬فعاد‭ ‬لصورة‭ ‬ميلاده‭ ‬الأولى‭ ‬الفجة،‭ ‬أي‭ ‬الاستعمار‭ ‬المباشر‭ ‬والنهب‭ ‬العلني‭ ‬والقتل‭ ‬المنظم‭. ‬فالرأسمالية‭ ‬المتوحشة‭ ‬التي‭ ‬نعيشها‭ ‬اليوم،‭ ‬والتي‭ ‬هي‭ ‬بطبيعتها‭ ‬معادية‭ ‬لإرادة‭ ‬الشعوب‭ ‬وتسعى‭ ‬لإرساء‭ ‬سلطوية‭ ‬تحمى‭ ‬مصالحها‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬الأغلبية‭ ‬الساحقة،‭ ‬هي‭ ‬النتاج‭ ‬الطبيعي‭ ‬لذلك‭ ‬النظام‭ ‬الدولي‭ ‬في‭ ‬مراحل‭ ‬تطوره‭ ‬الأخيرة‭. ‬وبذلك‭ ‬عدنا‭ ‬إلى‭ ‬مرحلة‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬الأقوياء‭ ‬يخفون‭ ‬فيها‭ ‬استهانتهم‭ ‬بأرواح‭ ‬البشر‭ ‬وحقوقهم‭. ‬وبعودته‭ ‬لصورة‭ ‬ميلاده‭ ‬الأولى،‭ ‬أنعش‭ ‬ذاكرة‭ ‬الشعوب‭. ‬فوجهه‭ ‬القبيح،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يرتدى‭ ‬قناع‭ ‬التحضر‭ ‬والعناية‭ ‬الزائفة‭ ‬بالبشر،‭ ‬بات‭ ‬يتصدر‭ ‬المشهد‭ ‬دون‭ ‬رتوش‭.‬

لذلك‭ ‬أندهش‭ ‬حقًا‭ ‬حين‭ ‬يُفاجأ‭ ‬البعض‭ ‬بما‭ ‬يقوله‭ ‬ترامب‭ ‬ويفعله،‭ ‬بدءًا‭ ‬بسرقة‭ ‬نفط‭ ‬فنزويلا‭ ‬وتجويع‭ ‬كوبا،‭ ‬بل‭ ‬إن‭ ‬الكثيرين‭ ‬فاجأتهم‭ ‬إبادة‭ ‬إسرائيل‭ ‬لغزة‭ ‬وتسويتها‭ ‬بالأرض‭ ‬وتجويع‭ ‬أهلها،‭ ‬ثم‭ ‬نقل‭ ‬الجريمة‭ ‬ذاتها‭ ‬إلى‭ ‬جنوب‭ ‬لبنان‭ ‬والضفة‭ ‬الغربية‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تحرك‭ ‬الحكومات‭ ‬الغربية‭ ‬ساكنًا‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬صدعت‭ ‬رؤوسنا‭ ‬بحديث‭ ‬التحضر‭ ‬وحقوق‭ ‬الإنسان‭. ‬فلا‭ ‬جديد‭ ‬في‭ ‬ما‭ ‬تقدم‭ ‬إلا‭ ‬إذا‭ ‬كنا‭ ‬نجهل‭ ‬التاريخ‭ ‬بل‭ ‬وجغرافية‭ ‬العالم‭. ‬فعلى‭ ‬سبيل‭ ‬المثال‭ ‬لا‭ ‬الحصر،‭ ‬حين‭ ‬واجهت‭ ‬فرنسا‭ ‬مقاومة‭ ‬شرسة‭ ‬في‭ ‬الجزائر‭ ‬ابتدع‭ ‬حاكمها‭ ‬الجنرال‭ ‬الفرنسي‭ ‬‮«‬توماس‭ ‬بوجو‮»‬‭ ‬نظامًا‭ ‬سُمى‭ ‬باسمه‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬‮«‬تدمير‭ ‬كل‭ ‬مقومات‭ ‬الحياة‭ ‬للجزائريين‭ ‬من‭ ‬أرض‭ ‬وزرع‭ ‬وماشية‮»‬،‭ ‬كما‭ ‬قال‭ ‬الرجل‭ ‬علنًا‭. ‬باختصار‭ ‬أعلن‭ ‬الحرب‭ ‬على‭ ‬المدنيين‭ ‬بتجويعهم‭ ‬وإرهابهم‭. ‬وفى‭ ‬ناميبيا،‭ ‬ارتكبت‭ ‬ألمانيا‭ ‬أولى‭ ‬إباداتها‭ ‬الجماعية‭ ‬حيث‭ ‬قتلت‭ ‬الآلاف‭ ‬في‭ ‬استعمار‭ ‬استيطاني‭ ‬ظل‭ ‬قائمًا‭ ‬حتى‭ ‬تم‭ ‬ضم‭ ‬ناميبيا‭ ‬إلى‭ ‬جنوب‭ ‬إفريقيا‭ ‬فاستمرت‭ ‬المعاناة‭ ‬وإن‭ ‬بأيد‭ ‬الأبارتيد‭ ‬الهولندي‭! ‬وفى‭ ‬الكونغو،‭ ‬التي‭ ‬شهدت‭ ‬أول‭ ‬إبادة‭ ‬جماعية‭ ‬في‭ ‬إفريقيا،‭ ‬قتلت‭ ‬بلجيكا‭ ‬ما‭ ‬يقرب‭ ‬من‭ ‬ملايين‭ ‬كونغولي‭ ‬وقطعت‭ ‬أيدي‭ ‬مئات‭ ‬الآلاف،‭ ‬وظلت‭ ‬الدعاية‭ ‬البلجيكية،‭ ‬كما‭ ‬الحال‭ ‬مع‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬اليوم،‭ ‬تصور‭ ‬الكونغو‭ ‬تحت‭ ‬الاحتلال‭ ‬باعتبارها‭ ‬نموذجًا‭ ‬للرخاء‭ ‬والتقدم‭! ‬حتى‭ ‬إيرلندا‭ ‬لم‭ ‬تسلم‭ ‬من‭ ‬تجويع‭ ‬بريطانيا‭ ‬لأهلها‭.‬

غير‭ ‬أن‭ ‬الأخطر‭ ‬من‭ ‬الشعور‭ ‬بالمفاجأة‭ ‬هو‭ ‬شخصنة‭ ‬الجرائم،‭ ‬أي‭ ‬حصر‭ ‬الجريمة‭ ‬في‭ ‬شخص‭ ‬ترامب‭ ‬أو‭ ‬نتنياهو‭ ‬وأمثالهما‭. ‬فهؤلاء‭ ‬لم‭ ‬يظهروا‭ ‬فجأة‭ ‬وإنما‭ ‬هم‭ ‬نتاج‭ ‬لقيم‭ ‬وهياكل‭ ‬ترسخت‭ ‬في‭ ‬مجتمعاتهم‭ ‬وفى‭ ‬النظام‭ ‬الدولي‭ ‬المنهار‭. ‬ومن‭ ‬درسوا‭ ‬الفاشية‭ ‬يحذرون‭ ‬من‭ ‬التركيز‭ ‬المفرط‭ ‬على‭ ‬الزعماء‭ ‬الفاشيين‭ ‬وتجاهل‭ ‬دور‭ ‬شعوبهم‭ ‬التي‭ ‬سمحت‭ ‬لفاشيتهم‭ ‬بالتمادي،‭ ‬فضلا‭ ‬عن‭ ‬تجاهل‭ ‬الهياكل‭ ‬والقيم‭ ‬التي‭ ‬جعلت‭ ‬بروز‭ ‬هؤلاء‭ ‬على‭ ‬الساحة‭ ‬‮«‬طبيعيًا‮»‬‭! ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يؤكد‭ ‬الأهمية‭ ‬الجوهرية‭ ‬لدور‭ ‬الشعوب‭. ‬فحين‭ ‬بلغت‭ ‬الوحشية‭ ‬مداها‭ ‬صنعت‭ ‬بنفسها‭ ‬مقاومة‭ ‬قوية‭ ‬نراها‭ ‬اليوم‭ ‬في‭ ‬الغرب‭ ‬غضبًا‭ ‬على‭ ‬سياسات‭ ‬أمريكا‭ ‬وأساطير‭ ‬إسرائيل‭. ‬والمقاومة‭ ‬الأهم‭ ‬على‭ ‬الإطلاق‭ ‬اليوم‭ ‬تتطلب‭ ‬إصرار‭ ‬أصحاب‭ ‬الضمائر‭ ‬الحية‭ ‬حول‭ ‬العالم‭ ‬على‭ ‬صناعة‭ ‬النظام‭ ‬الدولي‭ ‬البازغ‭ ‬وفق‭ ‬قيمهم،‭ ‬لا‭ ‬قيم‭ ‬الأقوى‭ ‬والأكثر‭ ‬ثراء‭ ‬وامتلاكًا‭ ‬للأسلحة‭ ‬التي‭ ‬تدمر‭ ‬البشرية‭. ‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600) حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا