أكدت اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة أن انهيار النظام الدولي الذي تشكل بعد الحرب العالمية الثانية بات واقعًا مَعِيشًا. وانهياره يحمل فرصة ذهبية ومخاطر شتى لشعوب جنوب العالم التي عانت طويلًا من تكريسه النهب المنظم لخيراتها ودعمه نظمًا شمولية على حسابها. وما لم تكافح تلك الشعوب لبناء نظام دولي عادل يجسد مصالحها، لا مصالح الهيمنة والقهر، فستقوم القوى نفسها التي استفادت من النهب والقمع بتشكيله وإرساء قيمه وهياكله، فتعيد إنتاج النظام المنهار، وإن بشعارات جديدة. فالنظام الدولي الذي ينهار اليوم صنعته الدول الاستعمارية المنتصرة في الحرب العالمية الثانية ليخدم مصالحها وحدها ويحافظ لها على استغلال المستعمرات السابقة ونهبها. وانهياره اكتمل حين دار دورة كاملة حول نفسه، فعاد لصورة ميلاده الأولى الفجة، أي الاستعمار المباشر والنهب العلني والقتل المنظم. فالرأسمالية المتوحشة التي نعيشها اليوم، والتي هي بطبيعتها معادية لإرادة الشعوب وتسعى لإرساء سلطوية تحمى مصالحها على حساب الأغلبية الساحقة، هي النتاج الطبيعي لذلك النظام الدولي في مراحل تطوره الأخيرة. وبذلك عدنا إلى مرحلة لم يعد الأقوياء يخفون فيها استهانتهم بأرواح البشر وحقوقهم. وبعودته لصورة ميلاده الأولى، أنعش ذاكرة الشعوب. فوجهه القبيح، قبل أن يرتدى قناع التحضر والعناية الزائفة بالبشر، بات يتصدر المشهد دون رتوش.
لذلك أندهش حقًا حين يُفاجأ البعض بما يقوله ترامب ويفعله، بدءًا بسرقة نفط فنزويلا وتجويع كوبا، بل إن الكثيرين فاجأتهم إبادة إسرائيل لغزة وتسويتها بالأرض وتجويع أهلها، ثم نقل الجريمة ذاتها إلى جنوب لبنان والضفة الغربية دون أن تحرك الحكومات الغربية ساكنًا بعد أن صدعت رؤوسنا بحديث التحضر وحقوق الإنسان. فلا جديد في ما تقدم إلا إذا كنا نجهل التاريخ بل وجغرافية العالم. فعلى سبيل المثال لا الحصر، حين واجهت فرنسا مقاومة شرسة في الجزائر ابتدع حاكمها الجنرال الفرنسي «توماس بوجو» نظامًا سُمى باسمه يقوم على «تدمير كل مقومات الحياة للجزائريين من أرض وزرع وماشية»، كما قال الرجل علنًا. باختصار أعلن الحرب على المدنيين بتجويعهم وإرهابهم. وفى ناميبيا، ارتكبت ألمانيا أولى إباداتها الجماعية حيث قتلت الآلاف في استعمار استيطاني ظل قائمًا حتى تم ضم ناميبيا إلى جنوب إفريقيا فاستمرت المعاناة وإن بأيد الأبارتيد الهولندي! وفى الكونغو، التي شهدت أول إبادة جماعية في إفريقيا، قتلت بلجيكا ما يقرب من ملايين كونغولي وقطعت أيدي مئات الآلاف، وظلت الدعاية البلجيكية، كما الحال مع الإسرائيلية اليوم، تصور الكونغو تحت الاحتلال باعتبارها نموذجًا للرخاء والتقدم! حتى إيرلندا لم تسلم من تجويع بريطانيا لأهلها.
غير أن الأخطر من الشعور بالمفاجأة هو شخصنة الجرائم، أي حصر الجريمة في شخص ترامب أو نتنياهو وأمثالهما. فهؤلاء لم يظهروا فجأة وإنما هم نتاج لقيم وهياكل ترسخت في مجتمعاتهم وفى النظام الدولي المنهار. ومن درسوا الفاشية يحذرون من التركيز المفرط على الزعماء الفاشيين وتجاهل دور شعوبهم التي سمحت لفاشيتهم بالتمادي، فضلا عن تجاهل الهياكل والقيم التي جعلت بروز هؤلاء على الساحة «طبيعيًا»! وهو ما يؤكد الأهمية الجوهرية لدور الشعوب. فحين بلغت الوحشية مداها صنعت بنفسها مقاومة قوية نراها اليوم في الغرب غضبًا على سياسات أمريكا وأساطير إسرائيل. والمقاومة الأهم على الإطلاق اليوم تتطلب إصرار أصحاب الضمائر الحية حول العالم على صناعة النظام الدولي البازغ وفق قيمهم، لا قيم الأقوى والأكثر ثراء وامتلاكًا للأسلحة التي تدمر البشرية.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك