منذ أن بدأ العالم العربي رحلته مع مصطلحات الإعاقة، تنقّل الخطاب الرسمي بين محطات متعددة، من «المعوقين» إلى «ذوي الاحتياجات الخاصة»، ثم «ذوي الهمم»، وصولًا إلى المصطلح الحقوقي الراسخ حاليًا «الأشخاص ذوو الإعاقة»، الذي تتبناه الأمم المتحدة باعتباره الأدق مطابقة لمبدأ «الشخص أولًا». لكن كل هذه المحطات تشترك في عيب بنيوي واحد لم يتجرأ أحد على تجاوزه، حيث إن جميعها صيغ مركبة من كلمتين على الأقل (ذوو + صفة)، وجميعها تُبقي كلمة »إعاقة« أو ما يقاربها حاضرة في صلب التسمية، بما تحمله من ثقل تاريخي يصعب محوه مهما تغيّرت الصياغة من حولها.
في أغسطس 2026، كسر الزميل الباحث الدكتور محمد كيلاني هذا القيد باقتراح كلمة عربية واحدة، مستقلة تمامًا عن جذر «عوق» أو «عجز» هي «العفافرة»، مشتقة من جذر (ع ف ر) بمعنى القوة والمصارعة. الفكرة الجوهرية في هذا السبق لم تكن الكلمة ذاتها بقدر ما كان المبدأ الذي أرساه، وهو أن الحل الحقيقي ليس في تحسين الصفة، بل في التخلص من فكرة «الوصف المُلحق» تماما، واستبدالها باسم مستقل قائم بذاته، على غرار كلمات عربية أصيلة مثل «الأشراف» أو «النبلاء»، لا تحتاج أن تُشرح أو تُبرَّر لأنها تحمل كرامتها في بنيتها الصرفية نفسها.
الإعجاب بجرأة هذه المحاولة لا يمنع من تفكيكها لغويا. فحين رجعت إلى المعاجم العربية، تبيّن أن جذر (ع ف ر) مزدوج الدلالة، فبينما يحمل معنى الشدة والقوة كما استند إليه الدكتور الكيلاني، فإنه يحمل في الوقت نفسه معاني التراب والغبار والذلة، وهو ازدواج قد يستحضره السامع لا شعوريًا، فيعيد إنتاج المشكلة نفسها التي حاول المصطلح الجديد الهروب منها. كذلك، فإن وزن «فَعافِلة» الذي بُني عليه المصطلح، رغم رنينه القوي (مثل «جبابرة» و«عمالقة»)، يصعب تصريفه الطبيعي للمفرد أو المؤنث بسلاسة، وهي مشكلة صرفية تحدّ من قابلية التداول اليومي.
دفعني ذلك إلى البحث عن كلمة عربية واحدة من جذر سليم بلا أحرف علة، لضمان سهولة الاشتقاق والتصريف، تحمل دلالة إيجابية خالصة لا يشوبها أي التباس تاريخي، وتقع على وزن صرفي مألوف تمامًا في الأذن العربية بحيث تُنطق وتُتداول من أول سماع.
وبعد البحث والتمحيص، توصلت إلى كلمة «الفُرَداء»، مفردها »فريد«، من جذر (ف ر د)، على وزن »فُعَلاء« وهو الوزن العربي الأكثر شيوعًا في صفات المدح الجماعية، كما في «عظماء» و«شرفاء» و«نبلاء» و«كرماء». اخترت هذا الوزن تحديدًا بعناية، فهو يحمل في اللاوعي اللغوي العربي رصيدًا تاريخيًا من التبجيل لا التصنيف، إذ إن كل كلمة عربية أخرى تقع على هذا الوزن تقريبًا هي صفة إيجابية راسخة.
الفكرة المفاهيمية الكامنة خلف اختياري هذا أعمق من مجرد الجرس الصوتي. فكلمة «فريد» في الاستخدام العربي اليومي لا ترتبط بالنقص إطلاقًا، بل بالعكس تمامًا، حيث يُقال «فريد من نوعه» للثناء على شيء استثنائي، ويُسمَّى الأبناء «فريد» و«فريدة» تفاؤلًا وتكريمًا. حين تُستخدم هذه الكلمة نفسها لوصف شخص ذي إعاقة، فإنها تنقل بؤرة المعنى بالكامل من «ما ينقصه» إلى «ما يميّزه»، منسجمة تمامًا مع الفلسفة التي يتبناها النموذج الاجتماعي للإعاقة، القائم على أن الإنسان يختلف عن غيره في طريقة أدائه لا في قيمته أو اكتماله.
عند مقارنة «الفُرَداء» بأبرز المقترحات المتنافسة، سواء «العفافرة» العربي أو «المتنوعون وظيفيا» المستلهم من مصطلح «التنوع الوظيفي» الذي صاغه ناشطون إسبان عام 2005 وانتشر عالميًا، تظهر ثلاثة معايير حاسمة تصب جميعها في مصلحة «الفُرَداء»: معيار الوزن الصرفي وسهولة النطق، فكلمة واحدة من ثلاثة مقاطع تتفوق حتمًا على تركيب من كلمتين يحتاج ثمانية مقاطع كما هو حال «المتنوعون وظيفيًا»؛ ومعيار نقاء الدلالة، إذ يخلو جذر (ف ر د) تمامًا من أي معنى مزدوج أو سلبي كامن، بخلاف جذر (ع ف ر)؛ ومعيار قابلية التصريف الطبيعي، فكلمة »فريد« تُصرَّف بسهولة إلى المؤنث («فريدة») والجمع («الفُرَداء») دون أي تعقيد نحوي، بعكس الصيغ المركبة التي تصطدم بمشكلات تصريفية عند تأنيثها أو جمعها في سياق الحديث السريع. يبقى تحدٍّ واحد يستحق الإقرار الصريح به: أي مصطلح جديد كليًّا، مهما بلغت دقته اللغوية، يواجه في البداية غرابة الوقع لأنه غير مألوف، وهذا أمر طبيعي ومؤقت لكل ابتكار لغوي حقيقي، ولا ينبغي أن يُفهم كدليل على فشل الفكرة، بل كأثر متوقع لحداثتها.
ثمة درس بالغ الدلالة تقدّمه دراسة أكاديمية حللت أكثر من 56 ألف مقال صحفي سويدي على مدى أربعة عقود متصلة (1982-2019)، إذ تبيّن أن تسميات الإعاقة تبدّلت مرارًا وتكرارًا خلال هذه الفترة، بينما بقي الإطار الذهني الكامن خلفها على حاله لم يتزحزح، وهو أن النظر إلى الإعاقة بوصفها خللاً فرديًا يحتاج تفسيرًا طبيًا بيولوجيًا، لا محصلة تفاعل بين الشخص وبيئته. وهذا الدرس يفرض نفسه هنا بكامل ثقله، فـاسم «الفُرَداء» لا يُراد منه أن يكون ترياقًا سحريًا يمحو الوصم بمجرد تداوله على الألسنة، بل هو أداة لغوية تحمل قدرًا أكبر من الكرامة في صميم بنيتها الصرفية، غير أن نجاحها الحقيقي رهين بما يواكبها من تحول موازٍ في المناهج الدراسية والخطاب الإعلامي والسياسات العامة العربية. فاللغة وحدها تستطيع أن تفتح الباب، لكنها عاجزة عن أن تخطو فيه بمفردها دون إرادة مجتمعية وسياسية تسير خلفها.
ومن هذا المنبر الإعلامي الذي ينبض بعروبته، أناشد الجهات العربية المعنية كافة أن تتبنى دراسة مصطلح «الفُرَداء» جديًا، بوصفه قضية لغوية حقوقية تخص الأمة العربية بأسرها لا قطرًا بعينه. وأناشد جامعة الدول العربية، التي تقود منذ 2023 »العقد العربي الثاني للأشخاص ذوي الإعاقة«، أن تفتح حوله نقاشًا رسميًا يُشرك ذوي الإعاقة أنفسهم بصفتهم أصحاب الحق الأول في اختيار اسمهم. وأناشد معها مجلس وزراء الشؤون الاجتماعية الخليجي، الذي اعتمد مؤخرًا «القواعد الموحدة لتمكين الأشخاص ذوي الإعاقة»، أن يدرج هذا التوجه ضمن أعماله المقبلة. وأخصّ بالنداء وزارة التنمية الاجتماعية البحرينية، البلد المضيف لهذا المنبر، والتي ترأس حاليًا لجنة وكلاء وزارات الشؤون الاجتماعية الخليجية، أن تبادر بريادة هذا الحوار من أرضها.
فإن ثبتت جدارة هذا المصطلح، فليُطبَّق عبر ثلاث خطوات متوازية: تعليمه في برامج وزارات التنمية الاجتماعية ومناهج التربية العربية ليشبّ عليه جيل كامل، واعتماده رسميًا في الوثائق والبطاقات الحكومية، وتعميمه عبر الإعلام في كل أرجاء الوطن العربي، أسوة بالتجربة السعودية التي رسّخت صيغة «الشخص أولًا» خلال سنوات قليلة بقرار سياسي حاسم.
فالأمة التي أطلقت عقدين متتاليين لتمكين ذوي الإعاقة، وصاغت قواعد موحدة لحقوقهم، قادرة اليوم على الريادة أيضًا في الجرأة اللغوية، فتمنح ملايين «الفُرَداء» مصطلحًا يليق بتفردهم، لا تفضلًا، بل استحقاقًا، وتكتب فصلًا جديدًا تنحاز فيه اللغة العربية إلى كرامة الإنسان.
{ أُسْتاذ اللُّغويَّات والتَّرْجمة
_زميل أكاديميَّة التَّعْليم
العالي البريطانيَّة المتقدِّمة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك