يوميات سياسية
السيـــــــد زهـــــــره
ستعود الأمور إلى طبيعتها
تحدثت في المقال السابق عن الصراع الذي كشفت عنه خطابات الدول أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة بين قوى الهدم، أي الدول التي تريد هدم النظام الدولي وتدمير المؤسسات الدولية وحكم العالم بمنطق القوة والعدوان خارج القانون الدولي، وقوى الإنقاذ التي تدعو إلى نظام عالمي أكثر عدلا وتعددية، ورد الاعتبار للمنظمات الدولية والقانون الدولي وإصلاح الأمم المتحدة.
هذا الصراع بين الخطابات الصاخبة من الجانبين إلى ماذا يمكن أن يقود، وهل منه جدوى فعلية؟
حقيقة الأمر إن اجتماعات الجمعية العامة سوف تنتهي وسوف تعود الأمور في العالم إلى طبيعتها دون تغيير يذكر. ستظل الكلمة في العالم لقوى الهدم والتدمير، وستظل الأمم المتحدة عاجزة دون إصلاح، وسيظل القانون الدولي مغيبا.. وهكذا.
أسباب ذلك كثيرة لكن السبب الرئيسي هو أن دول العالم التي تريد إنقاذه تكتفي بالكلام ولا تفعل شيئا عمليا لتغيير هذه الأوضاع، وليست مستعدة لتحدي قوى الهدم.
حتى القوى الكبرى التي تتبنى مواقف قوى الإنقاذ وتدعو منذ سنوات إلى إقامة نظام عالمي جديد أكثر عدلا وإنصافا وفعالية لا تفعل شيئا عمليا. روسيا والصين بالذات أكبر قوتين عالميتين تتبنيان رسميا هذه الدعوة ليستا على استعداد لتحدي أمريكا أو الدخول في صراع معها من أجل تغيير العالم وإقامة نظام جديد. بالعكس، هي ولأسباب كثيرة تسعى إلى تهدئة العلاقات وتطويرها مع أمريكا.
ومختلف دول العالم كما ذكرنا تكتفي بالخطابات التي تطلقها في المؤتمرات والاجتماعات وتنتقد الأوضاع العالمية وتطالب بالتغيير، لكنها لا تفعل شيئا عمليا له قيمة من أجل تحقيق هذا.
أمثلة كثيرة جدا تؤكد هذا، لكن يكفي أن نتوقف عند القضايا التالية: مثلا حرب إبادة الفلسطينيين في غزة ومواقف هذه الدول منها. هذا العام، كما في الأعوام السابقة أغلبية دول العالم نددت بهذه الإبادة ودعت إلى منح الشعب الفلسطيني حقوقه.. وهكذا. لكن ماذا فعلت هذه الدول لوقف الإبادة غير الخطابات والمطالبات. لا شيء. الدول الأوروبية مثلا التي تتحدث في هذا الاتجاه، هل قاطعت إسرائيل أو أوقفت صادرات السلاح إليها أو فرضت أي إجراءات عقابية على مسئوليها المجرمين؟ لا.
لهذا تواصل إسرائيل جرائم الإبادة حتى اليوم، ويذهب مجرم الحرب نتنياهو ليتحدث من منبر الجمعية العامة مهينا العالم كله.
خذ مثلا قضية العدوان الإرهابي الإيراني الذي تتعرض له دول مجلس التعاون. الغالبية الساحقة من دول العالم تدين هذ العدوان، وتعبر عن تضامنها مع دول المجلس وتؤكد حرصها على أمنها واستقرارها. لكن ماذا فعلت عمليا لترجمة هذا الموقف وإجبار إيران فعلا على وقف عدوانها؟ لا شيء. وبعضها لا يتردد في معاونة إيران سرا بما يمكنها من مواصلة العدوان.
حتى قضية مثل قضية مضيق هرمز. على الرغم من أنها قضية تهم العالم كله، وكل الدول متضررة من إغلاق المضيق، لكن أيضا ماذا فعلت لضمان حرية الملاحة في المضيق وإجبار إيران على وقف أعمالها الإرهابية في المضيق؟ أيضا لا شيء مؤثر. ولهذا يظل مصير المضيق رهينة بيد قوى الهدم والتدمير وتهديد العالم.
وقضية مثل قضية إصلاح مجلس الأمن وتغيير حق الفيتو الذي يجعل مصير العالم معلقا بيد خمس دول. منذ سنوات طويلة وكل دول العالم تقريبا تتحدث عن إصلاح المجلس لكن لم يحدث أي تغيير ولا يلوح في الأفق أي تغيير وسيبقى حال الأمم المتحدة على ما هو عليه.
هذه مجرد أمثلة، وهناك غيرها كثير في العالم، تؤكد ما قلناه من أن قوى الإنقاذ تكتفي بالخطابات وإعلان المواقف ولا تقوم بشيء حاسم لترجمة هذه المواقف ترجمة عملية.
من المهم بالطبع أن تعبر دول العالم عن مواقفها وتطرح مطالبها لإنقاذ العالم سواء في الجمعية العامة أو في أي مناسبة أخرى.
لكن الحادث للأسف أن هذه الدول تلقي خطابات رنانة في الجمعية العامة لمجرد تسجيل المواقف وإظهار أنها فعلت ما عليها ولا شيء غير ذلك. طالما استمر الحال هكذا سيبقى العالم غارقا في الفوضى والعنف والإرهاب وغياب العدالة، وستظل قوى التدمير هي المهيمنة بلا رادع.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك