العدد : ١٧٧١٦ - الخميس ٢٤ سبتمبر ٢٠٢٦ م، الموافق ١٣ ربيع الآخر ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٧١٦ - الخميس ٢٤ سبتمبر ٢٠٢٦ م، الموافق ١٣ ربيع الآخر ١٤٤٨هـ

المال و الاقتصاد

الاقتصاد غير النقدي.. هل نشهد مجتمعا بلا «كاش»؟
البحرين تسابق التحول الرقمي.. 15% فقط حصة الكاش من التعاملات اليومية

الخميس ٢٤ سبتمبر ٢٠٢٦ - 02:00

المعاملات‭ ‬الإلكترونية‭ ‬تخفف‭ ‬‮«‬ألم‭ ‬الدفع‮»‬‭ ‬وتزيد‭ ‬معدل‭ ‬الإنفاق‭!‬

ما‭ ‬نقطة‭ ‬ضعف‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الرقمي؟‭..  ‬ومتى‭ ‬يحدث‭ ‬الهلع‭ ‬النقدي؟


تقرير‭: ‬محمد‭ ‬الساعي

 

تشير‭ ‬الإحصائيات‭ ‬الرسمية‭ ‬المتعلقة‭ ‬بقطاع‭ ‬المدفوعات‭ ‬في‭ ‬البحرين،‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬نحو‭ ‬65‭%‬‭ ‬إلى‭ ‬83‭%‬‭ ‬من‭ ‬المستهلكين‭ ‬في‭ ‬البحرين‭ ‬يستخدمون‭ ‬وسائل‭ ‬الدفع‭ ‬غير‭ ‬النقدية‭ ‬مثل‭ ‬البطاقات‭ ‬المصرفية‭ ‬والمحافظ‭ ‬الرقمية‭ ‬وفي‭ ‬مقدمتها‭ ‬BenefitPay‭ ‬لإجراء‭ ‬معظم‭ ‬معاملاتهم‭ ‬اليومية‭. ‬

وتبين‭ ‬الأرقام‭ ‬أن‭ ‬المعاملات‭ ‬النقدية‭ (‬الكاش‭) ‬انخفضت‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬القليلة‭ ‬الماضية‭ ‬لتشكل‭ ‬نحو‭ ‬15‭%‬‭ ‬إلى‭ ‬17‭%‬‭ ‬فقط‭ ‬من‭ ‬إجمالي‭ ‬المعاملات‭ ‬اليومية‭ ‬للمستهلكين‭.‬

وفي‭ ‬النصف‭ ‬الأول‭ ‬من‭ ‬عام‭ ‬2026‭ ‬وحده،‭ ‬بلغت‭ ‬قيمة‭ ‬المعاملات‭ ‬عبر‭ ‬نظام‭ ‬التحويلات‭ ‬المالية‭ ‬الإلكتروني‭ (‬EFTS‭) ‬ما‭ ‬يقارب‭ ‬19‭.‬3‭ ‬مليار‭ ‬دينار‭ ‬بحريني،‭ ‬جرى‭ ‬تنفيذها‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬261‭.‬2‭ ‬مليون‭ ‬معاملة‭ ‬رقمية‭. ‬

وفي‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬تعد‭ ‬خدمة‭ ‬التحويل‭ ‬الفوري‭ (‬Fawri‭+) ‬عبر‭ ‬تطبيق‭ ‬BenefitPay‭ ‬المحرك‭ ‬الأساسي‭ ‬للمعاملات‭ ‬اليومية‭ ‬عالية‭ ‬التكرار،‭ ‬حيث‭ ‬شهدت‭ ‬وحدها‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬248‭ ‬مليون‭ ‬معاملة‭ ‬بقيمة‭ ‬تتجاوز‭ ‬5‭.‬4‭ ‬مليارات‭ ‬دينار‭ ‬بحريني‭ ‬خلال‭ ‬6‭ ‬أشهر‭ ‬فقط‭. ‬

وفي‭ ‬المقابل،‭ ‬تراجعت‭ ‬عمليات‭ ‬السحب‭ ‬النقدي‭ ‬عبر‭ ‬أجهزة‭ ‬الصرف‭ ‬الآلي‭ ‬بشكل‭ ‬كبير،‭ ‬حيث‭ ‬باتت‭ ‬وفقا‭ ‬للإحصائيات‭ ‬المعلنة،‭ ‬لا‭ ‬تتجاوز‭ ‬120‭-‬130‭ ‬مليون‭ ‬دينار‭ ‬بحريني‭. ‬

هذه‭ ‬الأرقام‭ ‬تؤكد‭ ‬أن‭ ‬البحرين‭ ‬تشهد‭ ‬تحولاً‭ ‬نوعياً‭ ‬نحو‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الرقمي،‭ ‬يجعلها‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬أكثر‭ ‬دول‭ ‬المنطقة‭ ‬تسارعاً‭ ‬في‭ ‬تقليل‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬النقد‭ ‬لصالح‭ ‬عمليات‭ ‬الدفع‭ ‬الإلكترونية،‭ ‬مدعومة‭ ‬ببنية‭ ‬تحتية‭ ‬رقمية‭ ‬قوية‭ ‬مثل‭ ‬تطبيق‭ ‬‮«‬بنفت‭ ‬بي‮»‬‭ (‬BenefitPay‭) ‬ونظام‭ ‬التحويلات‭ ‬المالية‭ ‬الإلكتروني‭ (‬EFTS‭). ‬والسؤال‭ ‬هنا‭: ‬هل‭ ‬نشهد‭ ‬بداية‭ ‬النهاية‭ ‬للتعاملات‭ ‬النقدية‭ ‬محليا‭ ‬أو‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬العالم‭ ‬ككل؟

إحصائيات‭ ‬عالمية

البيانات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬وسلوكيات‭ ‬التداول‭ ‬اليومي‭ ‬حول‭ ‬العالم‭ ‬تشير‭ ‬إلى‭ ‬أننا‭ ‬نعيش‭ ‬هيمنة‭ ‬مطلقة‭ ‬للتعاملات‭ ‬الرقمية‭ ‬مع‭ ‬تراجع‭ ‬دور‭ ‬الأوراق‭ ‬النقدية‭ ‬في‭ ‬الحياة‭ ‬اليومية‭. ‬فمن‭ ‬جانب،‭ ‬تحول‭ ‬الهاتف‭ ‬الذكي‭ ‬والبطاقات‭ ‬المصرفية‭ ‬إلى‭ ‬بديل‭ ‬دفع‭ ‬حتى‭ ‬المشتريات‭ ‬البسيطة‭. ‬ومن‭ ‬جانب‭ ‬آخر‭ ‬هناك‭ ‬شبه‭ ‬اختفاء‭ ‬لعبارة‭ ‬‮«‬الدفع‭ ‬نقداً‭ ‬فقط‮»‬‭ ‬من‭ ‬غالبية‭ ‬المحال‭ ‬التجارية‭. ‬وفي‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه،‭ ‬تراجعت‭ ‬معدلات‭ ‬السحب‭ ‬النقدي‭ ‬الإقليمية‭ ‬والدولية‭ ‬بشكل‭ ‬كبير،‭ ‬بل‭ ‬البيانات‭ ‬المصرفية‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الأفراد‭ ‬باتوا‭ ‬يزورون‭ ‬أجهزة‭ ‬الصراف‭ ‬الآلي‭ ‬بشكل‭ ‬نادر‭ ‬للحصول‭ ‬على‭ ‬‮«‬نقد‭ ‬احتياطي‮»‬‭ ‬فقط‭.‬

وربما‭ ‬تعد‭ ‬النرويج‭ ‬من‭ ‬أبرز‭ ‬النماذج‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الجانب،‭ ‬حيث‭ ‬يشكّل‭ ‬النقد‭ ‬3‭%‬‭ ‬فقط‭ ‬من‭ ‬إجمالي‭ ‬عدد‭ ‬المدفوعات‭. ‬وفي‭ ‬السويد‭ ‬تقل‭ ‬نسبة‭ ‬المعاملات‭ ‬النقدية‭ ‬فيها‭ ‬عن‭ ‬8‭%‬‭ ‬من‭ ‬إجمالي‭ ‬المبيعات،‭ ‬وتتجه‭ ‬رسمياً‭ ‬لتصبح‭ ‬أول‭ ‬مجتمع‭ ‬خالٍ‭ ‬تماماً‭ ‬من‭ ‬النقد‭. ‬وفي‭ ‬الصين‭ ‬يعتمد‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬80‭%‬‭ ‬من‭ ‬السكان‭ ‬على‭ ‬تطبيقات‭ ‬الدفع‭ ‬مثل‭ (‬WeChat‭ ‬Pay‭) ‬للمعاملات‭ ‬اليومية‭.‬

ويشير‭ ‬تقرير‭ ‬Worldpay‭ ‬Global‭ ‬Payments‭ ‬Report‭ ‬2026‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬تطبيقات‭ ‬الدفع‭ ‬والمحافظ‭ ‬الرقمية‭ ‬وخدمات‭ ‬الدفع‭ ‬من‭ ‬حساب‭ ‬إلى‭ ‬حساب‭ ‬وغيرها‭ ‬من‭ ‬وسائل‭ ‬الدفع‭ ‬الرقمية‭ ‬شكّلت‭ ‬37‭%‬‭ ‬من‭ ‬قيمة‭ ‬معاملات‭ ‬نقاط‭ ‬البيع‭ ‬عالمياً‭ ‬في‭ ‬2025،‭ ‬مع‭ ‬توقع‭ ‬ارتفاعها‭ ‬إلى‭ ‬46‭%‬‭ ‬بحلول‭ ‬2030‭. ‬كما‭ ‬بلغت‭ ‬المحافظ‭ ‬الرقمية‭ ‬34‭%‬‭ ‬من‭ ‬قيمة‭ ‬المشتريات‭ ‬الحضورية‭ ‬عالمياً‭ ‬في‭ ‬2025‭. ‬

ولكن‭ ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬ذلك،‭ ‬يجمع‭ ‬الخبراء‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬الأوراق‭ ‬النقدية‭ ‬لن‭ ‬تختفي‭ ‬بنسبة‭ ‬100‭%‬‭ ‬في‭ ‬المدى‭ ‬القريب،‭ ‬بل‭ ‬ستتحول‭ ‬من‭ ‬‮«‬وسيلة‭ ‬الدفع‭ ‬الأساسية‮»‬‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬وسيلة‭ ‬احتياطية،‭ ‬خاصة‭ ‬لدى‭ ‬بعض‭ ‬الفئات‭ ‬مثل‭ ‬كبار‭ ‬السن،‭ ‬أو‭ ‬بعض‭ ‬المعاملات‭ ‬التي‭ ‬تتطلب‭ ‬خصوصية‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬إبقاء‭ ‬أثر‭ ‬رقمي‭ ‬مسجل‮»‬‭.‬

ووفقا‭ ‬لتحليل‭ ‬بنك‭ ‬التسويات‭ ‬الدولية‭ ‬المنشور‭ ‬في‭ ‬أبريل‭ ‬2026،‭ ‬فإنه‭ ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬تواصل‭ ‬الزيادة‭ ‬في‭ ‬المدفوعات‭ ‬غير‭ ‬النقدية‭ ‬عالمياً،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬حجم‭ ‬النقد‭ ‬المتداول‭ ‬استقر‭ ‬إلى‭ ‬حد‭ ‬كبير،‭ ‬بما‭ ‬يؤكد‭ ‬استمرار‭ ‬الطلب‭ ‬عليه‭. ‬

لماذا‭ ‬تراجع‭ ‬النقد؟

هذا‭ ‬التحول‭ ‬والتفضيل‭ ‬للتعامل‭ ‬الرقمي‭ ‬يعود‭ ‬إلى‭ ‬أسباب‭ ‬كثيرة،‭ ‬من‭ ‬أبرزها‭: ‬

‭- ‬السرعة‭ ‬في‭ ‬إنجاز‭ ‬المعاملات‭ ‬بلمسة‭ ‬واحدة‭. ‬

‭- ‬الراحة‭ ‬والاستغناء‭ ‬عن‭ ‬حمل‭ ‬النقود،‭ ‬أو‭ ‬انتظار‭ ‬الباقي،‭ ‬أو‭ ‬عدم‭ ‬وجود‭ ‬‮«‬فكة‮»‬‭. ‬فضلا‭ ‬عن‭ ‬توفير‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬العناء‭ ‬والاضطرار‭ ‬إلى‭ ‬التوجه‭ ‬إلى‭ ‬الفرع‭ ‬عند‭ ‬دفع‭ ‬الفواتير‭ ‬والرسوم‭ ‬وغيرها‭ ‬

‭- ‬الأمان‭ ‬والحماية‭ ‬من‭ ‬السرقة‭ ‬أو‭ ‬ضياع‭ ‬الأموال‭. ‬وحتى‭ ‬في‭ ‬حال‭ ‬فقدان‭ ‬البطاقة‭ ‬أو‭ ‬الهاتف،‭ ‬يمكن‭ ‬إلغاؤهما‭ ‬أو‭ ‬تجميدهما‭ ‬فورا‭. ‬

‭- ‬المصادقة‭ ‬البيومترية‭ ‬تضمن‭ ‬أقصى‭ ‬حد‭ ‬من‭ ‬الخصوصية‭ ‬والحماية‭.‬

‭- ‬سهولة‭ ‬حفظ‭ ‬وتتبع‭ ‬المصروفات‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬وجود‭ ‬سجل‭ ‬إلكتروني‭ ‬آلي‭ ‬ودقيق‭ ‬لكل‭ ‬المعاملات‭ ‬موثقا‭ ‬بالوقت‭ ‬والجهة‭ ‬والمبلغ،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬يتوفر‭ ‬في‭ ‬المعاملات‭ ‬النقدية‭. ‬

‭- ‬المكافآت‭ ‬وعروض‭ ‬الولاء‭ ‬وبرامج‭ ‬الاسترداد‭ ‬النقدي‭ ‬التي‭ ‬تقدمها‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬البنوك‭ ‬وشركات‭ ‬الدفع‭ ‬تمثل‭ ‬عامل‭ ‬جذب‭ ‬كبيرا‭.‬

‭- ‬عدم‭ ‬الحاجة‭ ‬إلى‭ ‬التلامس،‭ ‬وهو‭ ‬جانب‭ ‬يرتبط‭ ‬بالنظافة‭ ‬والصحة‭ ‬العامة‭.‬

‭- ‬انتشار‭ ‬خدمات‭ ‬التجارة‭ ‬الإلكترونية‭ ‬التي‭ ‬فرضت‭ ‬الدفع‭ ‬الرقمي‭ ‬كحل‭ ‬وحيد‭.‬

العامل‭ ‬النفسي

جميع‭ ‬ما‭ ‬سبق،‭ ‬يمثل‭ ‬دوافع‭ ‬قوية‭ ‬لتفضيل‭ ‬التعاملات‭ ‬الرقمية،‭ ‬ولكن‭ ‬هناك‭ ‬عاملا‭ ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬أكثر‭ ‬تأثيرا‭ ‬وهو‭ ‬الجانب‭ ‬النفسي،‭ ‬فالدفع‭ ‬الإلكتروني‭ ‬لا‭ ‬يجعل‭ ‬عملية‭ ‬الشراء‭ ‬أسهل‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬يجعل‭ ‬‮«‬تكلفة‭ ‬الدفع‭ ‬النفسية‮»‬‭ ‬وألم‭ ‬الإنفاق‭ ‬أقل‭. ‬حيث‭ ‬تشير‭ ‬الدراسات‭ ‬الحديثة‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬طريقة‭ ‬الدفع‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تؤثر‭ ‬في‭ ‬سلوك‭ ‬المستهلك،‭ ‬وليس‭ ‬فقط‭ ‬في‭ ‬الطريقة‭ ‬التي‭ ‬يسدد‭ ‬بها‭ ‬ثمن‭ ‬السلعة‭.‬

وتؤكد‭ ‬الأبحاث‭ ‬المتعلقة‭ ‬بعلم‭ ‬النفس‭ ‬الاقتصادي‭ ‬وسلوك‭ ‬المستهلك‭ ‬أن‭ ‬الدفع‭ ‬غير‭ ‬النقدي‭ ‬يحفز‭ ‬الأفراد‭ ‬غالباً‭ ‬إلى‭ ‬إنفاق‭ ‬أموال‭ ‬أكثر‭ ‬وبسهولة‭ ‬أكبر‭ ‬مقارنة‭ ‬بالنقد‭ ‬الورقي‭. ‬وتُعرف‭ ‬هذه‭ ‬الظاهرة‭ ‬في‭ ‬أدبيات‭ ‬الاقتصاد‭ ‬السلوكي‭ ‬بـ‭ ‬‮«‬ألم‭ ‬الدفع‮»‬‭.‬

وخلصت‭ ‬دراسة‭ ‬لجامعات‭ ‬Notre‭ ‬Dame‭ ‬وToronto‭ ‬وStanford‭ ‬وChicago‭ ‬حول‭ ‬تأثير‭ ‬الدفع‭ ‬النقدي‭ ‬مقابل‭ ‬البطاقة،‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الدفع‭ ‬النقدي‭ ‬يسبب‭ ‬شعوراً‭ ‬نفسيا‭ ‬مصحوبا‭ ‬بألم‭ ‬الدفع‭ ‬مقارنة‭ ‬بالدفع‭ ‬بالبطاقة،‭ ‬حتى‭ ‬لدى‭ ‬المستهلكين‭ ‬المعاصرين‭ ‬الذين‭ ‬يستخدمون‭ ‬البطاقات‭ ‬والمحافظ‭ ‬الرقمية‭ ‬والعملات‭ ‬الافتراضية‭.‬

كما‭ ‬أن‭ ‬تأثير‭ ‬طريقة‭ ‬الدفع‭ ‬في‭ ‬المبلغ‭ ‬الذي‭ ‬ينفقه‭ ‬المستهلك‭ ‬كان‭ ‬أكثر‭ ‬وضوحاً‭ ‬وموثوقية‭ ‬من‭ ‬تأثيرها‭ ‬في‭ ‬مقدار‭ ‬ما‭ ‬يقول‭ ‬إنه‭ ‬مستعد‭ ‬لدفعه‭. ‬و«ألم‭ ‬الدفع‮»‬‭ ‬يفسر‭ ‬جزءاً‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬التأثير‭. ‬

والفكرة‭ ‬ببساطة‭ ‬هي‭ ‬أنه‭ ‬عندما‭ ‬يدفع‭ ‬الشخص‭ ‬عشرة‭ ‬دنانير‭ ‬نقدا‭ ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال،‭ ‬فإنه‭ ‬يرى‭ ‬النقود‭ ‬تخرج‭ ‬من‭ ‬يده‭ ‬مباشرة،‭ ‬أما‭ ‬عند‭ ‬الدفع‭ ‬الرقمي،‭ ‬فإن‭ ‬المال‭ ‬يكون‭ ‬أكثر‭ ‬تجريداً‭ ‬وأقل‭ ‬حضوراً‭ ‬بصرياً،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يعرف‭ ‬بالانفصال‭ ‬الرقمي‭. ‬يضاف‭ ‬إلى‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬الدفع‭ ‬الرقمي‭ ‬يتسم‭ ‬بنوع‭ ‬من‭ ‬تغييب‭ ‬الإدراك‭ ‬اللحظي‭ ‬للميزانية‭. ‬ففي‭ ‬الدفع‭ ‬النقدي،‭ ‬يكون‭ ‬المستهلك‭ ‬على‭ ‬إدراك‭ ‬تام‭ ‬بما‭ ‬تبقى‭ ‬معه‭ ‬في‭ ‬جيبه‭ ‬مع‭ ‬كل‭ ‬معاملة‭. ‬أما‭ ‬في‭ ‬الدفع‭ ‬الرقمي،‭ ‬فإن‭ ‬الرصيد‭ ‬المتاح‭ ‬يبقى‭ ‬غير‭ ‬مرئي‭ ‬إلا‭ ‬إذا‭ ‬تعمد‭ ‬الشخص‭ ‬فتح‭ ‬التطبيق‭ ‬ومراجعته‭.‬

الوجه‭ ‬الآخر

السؤال‭ ‬المهم‭ ‬هنا،‭ ‬ماذا‭ ‬سيحدث‭ ‬عند‭ ‬الأزمات؟‭ ‬مثل‭ ‬انقطاع‭ ‬الإنترنت‭ ‬أو‭ ‬الكهرباء‭ ‬أو‭ ‬تعطل‭ ‬أنظمة‭ ‬الدفع‭ ‬لأي‭ ‬سبب؟‭ ‬

هنا‭ ‬سينكشف‭ ‬الوجه‭ ‬الآخر‭ ‬ونقاط‭ ‬الضعف‭ ‬للاقتصاد‭ ‬غير‭ ‬النقدي‭. ‬فهذه‭ ‬التعاملات‭ ‬تعتمد‭ ‬على‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالطاقة‭ ‬والشبكات‭ ‬بشكل‭ ‬كلي،‭ ‬وبالتالي‭ ‬عند‭ ‬الأزمات‭ ‬قد‭ ‬تحدث‭ ‬سيناريوهات‭ ‬صعبة‭. ‬ومن‭ ‬ذلك‭ ‬شلل‭ ‬تام‭ ‬في‭ ‬حركة‭ ‬البيع‭ ‬والشراء‭ ‬اليومية‭ ‬نتيجة‭ ‬توقف‭ ‬نقاط‭ ‬البيع‭ ‬بسبب‭ ‬انقطاع‭ ‬الإنترنت‭ ‬أو‭ ‬التيار‭ ‬الكهربائي‭. ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬يعني‭ ‬عجز‭ ‬المستهلك‭ ‬عن‭ ‬شراء‭ ‬حتى‭ ‬أساسياته‭ ‬اليومية‭ ‬إذا‭ ‬لم‭ ‬يمتلك‭ ‬نقدا‭.‬

وهنا‭ ‬تكون‭ ‬المشكلة‭ ‬أكبر،‭ ‬إذ‭ ‬سيحدث‭ ‬ما‭ ‬يسمى‭ ‬في‭ ‬الاقتصاد‭ ‬بالهلع‭ ‬النقدي،‭ ‬حيث‭ ‬يهرع‭ ‬المستهلكون‭ ‬إلى‭ ‬سحب‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬من‭ ‬أجهزة‭ ‬الصراف‭ ‬الآلي،‭ ‬مما‭ ‬يؤدي‭ ‬الى‭ ‬طوابير‭ ‬أمام‭ ‬هذه‭ ‬الأجهزة،‭ ‬ونفاد‭ ‬السيولة‭ ‬منها‭ ‬بسرعة‭. ‬وهنا‭ ‬سيبرز‭ ‬النقد‭ ‬كملجأ‭ ‬آمن‭ ‬ووحيد،‭ ‬ويستعيد‭ ‬قيمته‭ ‬في‭ ‬التداول‭. ‬

وهذه‭ ‬ليست‭ ‬سيناريوهات‭ ‬خيالية،‭ ‬بل‭ ‬حدثت‭ ‬في‭ ‬الواقع،‭ ‬مثل‭ ‬عطل‭ ‬‮«‬كرودسترايك‮»‬‭ ‬العالمي‭ ‬عام‭ ‬2024،‭ ‬حيث‭ ‬كان‭ ‬هناك‭ ‬خطأ‭ ‬في‭ ‬شلل‭ ‬أنظمة‭ ‬الدفع‭ ‬والطيران‭ ‬والبنوك‭ ‬حول‭ ‬العالم‭ ‬عدة‭ ‬ساعات،‭ ‬مما‭ ‬منع‭ ‬ملايين‭ ‬الأشخاص‭ ‬من‭ ‬دفع‭ ‬قيمة‭ ‬مشترياتهم‭.‬

كما‭ ‬أثبتت‭ ‬الأزمات‭ ‬المناخية‭ ‬والنزاعات‭ ‬المسلحة‭ ‬أن‭ ‬البنية‭ ‬التحتية‭ ‬للاتصالات‭ ‬هي‭ ‬أول‭ ‬ما‭ ‬يتضرر،‭ ‬مما‭ ‬يجعل‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬المعاملات‭ ‬الرقمية‭ ‬مهدد‭.‬

لذلك‭ ‬يتبع‭ ‬عديد‭ ‬من‭ ‬المؤسسات‭ ‬المالية‭ ‬استراتيجيات‭ ‬لحماية‭ ‬وتقليل‭ ‬المخاطر،‭ ‬مثل‭ ‬السويد‭ ‬وألمانيا،‭ ‬حيث‭ ‬تلزم‭ ‬البنوك‭ ‬والتجار‭ ‬بالحفاظ‭ ‬على‭ ‬نسبة‭ ‬معينة‭ ‬من‭ ‬التعامل‭ ‬بالنقد‭ ‬الورقي‭ ‬وتوفير‭ ‬سيولة‭ ‬نقدية‭ ‬طارئة‭ ‬للجمهور‭. ‬كما‭ ‬توصي‭ ‬المستهلكين‭ ‬بتوفير‭ ‬قدر‭ ‬من‭ ‬النقد‭ ‬الاحتياطي‭ ‬دائما‭. ‬

وهناك‭ ‬توجه‭ ‬آخذ‭ ‬بالانتشار‭ ‬يعتمد‭ ‬على‭ ‬اجراء‭ ‬بعض‭ ‬العمليات‭ ‬دون‭ ‬اتصال‭ ‬ولكن‭ ‬بسقف‭ ‬مالي‭ ‬محدود‭.  ‬فمثلا‭ ‬فعّل‭ ‬البنك‭ ‬المركزي‭ ‬السويدي‭ ‬مؤخرا‭ ‬إمكانية‭ ‬استخدام‭ ‬البطاقات‭ ‬في‭ ‬وضع‭ ‬عدم‭ ‬الاتصال‭ ‬لشراء‭ ‬السلع‭ ‬الأساسية‭ ‬مثل‭ ‬الغذاء‭ ‬والأدوية‭ ‬والوقود،‭ ‬ويمكن‭ ‬أن‭ ‬تستمر‭ ‬هذه‭ ‬المدفوعات‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬انقطاع‭ ‬الاتصالات‭ ‬مدة‭ ‬تصل‭ ‬إلى‭ ‬7‭ ‬أيام‭. ‬

كما‭ ‬تلجأ‭ ‬بعض‭ ‬النظم‭ ‬إلى‭ ‬الربط‭ ‬بين‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬مزود‭ ‬خدمة‭ ‬اتصالات‭ ‬وخوادم‭ ‬سحابية‭ ‬متعددة‭.‬

هل‭ ‬يعني‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬التعامل‭ ‬النقدي‭ ‬أكثر‭ ‬ديمومة‭ ‬وأمانا‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬الأزمات؟

باختصار‭.. ‬ليس‭ ‬بالضرورة‭ ‬ذلك،‭ ‬فالنقد‭ ‬أيضا‭ ‬يعتمد‭ ‬على‭ ‬إمكانية‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬أجهزة‭ ‬الصراف‭ ‬أو‭ ‬المصارف،‭ ‬وعلى‭ ‬استمرار‭ ‬نقل‭ ‬وتوزيع‭ ‬الأوراق‭ ‬النقدية،‭ ‬وعلى‭ ‬قدرة‭ ‬المتاجر‭ ‬على‭ ‬قبول‭ ‬النقد‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬اعتادت‭ ‬التعاملات‭ ‬الرقمية‭ ‬وقلصت‭ ‬استعداداتها‭ ‬النقدية،‭ ‬ما‭ ‬يعني‭ ‬أنها‭ ‬بحاجة‭ ‬إلى‭ ‬مخزون‭ ‬كافٍ‭ ‬من‭ ‬الفئات‭ ‬النقدية‭.  ‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا