المعاملات الإلكترونية تخفف «ألم الدفع» وتزيد معدل الإنفاق!
ما نقطة ضعف الاقتصاد الرقمي؟.. ومتى يحدث الهلع النقدي؟
تقرير: محمد الساعي
تشير الإحصائيات الرسمية المتعلقة بقطاع المدفوعات في البحرين، إلى أن نحو 65% إلى 83% من المستهلكين في البحرين يستخدمون وسائل الدفع غير النقدية مثل البطاقات المصرفية والمحافظ الرقمية وفي مقدمتها BenefitPay لإجراء معظم معاملاتهم اليومية.
وتبين الأرقام أن المعاملات النقدية (الكاش) انخفضت خلال السنوات القليلة الماضية لتشكل نحو 15% إلى 17% فقط من إجمالي المعاملات اليومية للمستهلكين.
وفي النصف الأول من عام 2026 وحده، بلغت قيمة المعاملات عبر نظام التحويلات المالية الإلكتروني (EFTS) ما يقارب 19.3 مليار دينار بحريني، جرى تنفيذها من خلال أكثر من 261.2 مليون معاملة رقمية.
وفي الوقت نفسه تعد خدمة التحويل الفوري (Fawri+) عبر تطبيق BenefitPay المحرك الأساسي للمعاملات اليومية عالية التكرار، حيث شهدت وحدها أكثر من 248 مليون معاملة بقيمة تتجاوز 5.4 مليارات دينار بحريني خلال 6 أشهر فقط.
وفي المقابل، تراجعت عمليات السحب النقدي عبر أجهزة الصرف الآلي بشكل كبير، حيث باتت وفقا للإحصائيات المعلنة، لا تتجاوز 120-130 مليون دينار بحريني.
هذه الأرقام تؤكد أن البحرين تشهد تحولاً نوعياً نحو الاقتصاد الرقمي، يجعلها واحدة من أكثر دول المنطقة تسارعاً في تقليل الاعتماد على النقد لصالح عمليات الدفع الإلكترونية، مدعومة ببنية تحتية رقمية قوية مثل تطبيق «بنفت بي» (BenefitPay) ونظام التحويلات المالية الإلكتروني (EFTS). والسؤال هنا: هل نشهد بداية النهاية للتعاملات النقدية محليا أو على مستوى العالم ككل؟
إحصائيات عالمية
البيانات الاقتصادية وسلوكيات التداول اليومي حول العالم تشير إلى أننا نعيش هيمنة مطلقة للتعاملات الرقمية مع تراجع دور الأوراق النقدية في الحياة اليومية. فمن جانب، تحول الهاتف الذكي والبطاقات المصرفية إلى بديل دفع حتى المشتريات البسيطة. ومن جانب آخر هناك شبه اختفاء لعبارة «الدفع نقداً فقط» من غالبية المحال التجارية. وفي الوقت نفسه، تراجعت معدلات السحب النقدي الإقليمية والدولية بشكل كبير، بل البيانات المصرفية إلى أن الكثير من الأفراد باتوا يزورون أجهزة الصراف الآلي بشكل نادر للحصول على «نقد احتياطي» فقط.
وربما تعد النرويج من أبرز النماذج في هذا الجانب، حيث يشكّل النقد 3% فقط من إجمالي عدد المدفوعات. وفي السويد تقل نسبة المعاملات النقدية فيها عن 8% من إجمالي المبيعات، وتتجه رسمياً لتصبح أول مجتمع خالٍ تماماً من النقد. وفي الصين يعتمد أكثر من 80% من السكان على تطبيقات الدفع مثل (WeChat Pay) للمعاملات اليومية.
ويشير تقرير Worldpay Global Payments Report 2026 إلى أن تطبيقات الدفع والمحافظ الرقمية وخدمات الدفع من حساب إلى حساب وغيرها من وسائل الدفع الرقمية شكّلت 37% من قيمة معاملات نقاط البيع عالمياً في 2025، مع توقع ارتفاعها إلى 46% بحلول 2030. كما بلغت المحافظ الرقمية 34% من قيمة المشتريات الحضورية عالمياً في 2025.
ولكن على الرغم من ذلك، يجمع الخبراء على أن الأوراق النقدية لن تختفي بنسبة 100% في المدى القريب، بل ستتحول من «وسيلة الدفع الأساسية» إلى «وسيلة احتياطية، خاصة لدى بعض الفئات مثل كبار السن، أو بعض المعاملات التي تتطلب خصوصية من دون إبقاء أثر رقمي مسجل».
ووفقا لتحليل بنك التسويات الدولية المنشور في أبريل 2026، فإنه على الرغم من تواصل الزيادة في المدفوعات غير النقدية عالمياً، إلا أن حجم النقد المتداول استقر إلى حد كبير، بما يؤكد استمرار الطلب عليه.
لماذا تراجع النقد؟
هذا التحول والتفضيل للتعامل الرقمي يعود إلى أسباب كثيرة، من أبرزها:
- السرعة في إنجاز المعاملات بلمسة واحدة.
- الراحة والاستغناء عن حمل النقود، أو انتظار الباقي، أو عدم وجود «فكة». فضلا عن توفير الكثير من العناء والاضطرار إلى التوجه إلى الفرع عند دفع الفواتير والرسوم وغيرها
- الأمان والحماية من السرقة أو ضياع الأموال. وحتى في حال فقدان البطاقة أو الهاتف، يمكن إلغاؤهما أو تجميدهما فورا.
- المصادقة البيومترية تضمن أقصى حد من الخصوصية والحماية.
- سهولة حفظ وتتبع المصروفات من خلال وجود سجل إلكتروني آلي ودقيق لكل المعاملات موثقا بالوقت والجهة والمبلغ، وهو ما لا يتوفر في المعاملات النقدية.
- المكافآت وعروض الولاء وبرامج الاسترداد النقدي التي تقدمها الكثير من البنوك وشركات الدفع تمثل عامل جذب كبيرا.
- عدم الحاجة إلى التلامس، وهو جانب يرتبط بالنظافة والصحة العامة.
- انتشار خدمات التجارة الإلكترونية التي فرضت الدفع الرقمي كحل وحيد.
العامل النفسي
جميع ما سبق، يمثل دوافع قوية لتفضيل التعاملات الرقمية، ولكن هناك عاملا قد يكون أكثر تأثيرا وهو الجانب النفسي، فالدفع الإلكتروني لا يجعل عملية الشراء أسهل فقط، بل يجعل «تكلفة الدفع النفسية» وألم الإنفاق أقل. حيث تشير الدراسات الحديثة إلى أن طريقة الدفع يمكن أن تؤثر في سلوك المستهلك، وليس فقط في الطريقة التي يسدد بها ثمن السلعة.
وتؤكد الأبحاث المتعلقة بعلم النفس الاقتصادي وسلوك المستهلك أن الدفع غير النقدي يحفز الأفراد غالباً إلى إنفاق أموال أكثر وبسهولة أكبر مقارنة بالنقد الورقي. وتُعرف هذه الظاهرة في أدبيات الاقتصاد السلوكي بـ «ألم الدفع».
وخلصت دراسة لجامعات Notre Dame وToronto وStanford وChicago حول تأثير الدفع النقدي مقابل البطاقة، إلى أن الدفع النقدي يسبب شعوراً نفسيا مصحوبا بألم الدفع مقارنة بالدفع بالبطاقة، حتى لدى المستهلكين المعاصرين الذين يستخدمون البطاقات والمحافظ الرقمية والعملات الافتراضية.
كما أن تأثير طريقة الدفع في المبلغ الذي ينفقه المستهلك كان أكثر وضوحاً وموثوقية من تأثيرها في مقدار ما يقول إنه مستعد لدفعه. و«ألم الدفع» يفسر جزءاً من هذا التأثير.
والفكرة ببساطة هي أنه عندما يدفع الشخص عشرة دنانير نقدا على سبيل المثال، فإنه يرى النقود تخرج من يده مباشرة، أما عند الدفع الرقمي، فإن المال يكون أكثر تجريداً وأقل حضوراً بصرياً، وهو ما يعرف بالانفصال الرقمي. يضاف إلى ذلك أن الدفع الرقمي يتسم بنوع من تغييب الإدراك اللحظي للميزانية. ففي الدفع النقدي، يكون المستهلك على إدراك تام بما تبقى معه في جيبه مع كل معاملة. أما في الدفع الرقمي، فإن الرصيد المتاح يبقى غير مرئي إلا إذا تعمد الشخص فتح التطبيق ومراجعته.
الوجه الآخر
السؤال المهم هنا، ماذا سيحدث عند الأزمات؟ مثل انقطاع الإنترنت أو الكهرباء أو تعطل أنظمة الدفع لأي سبب؟
هنا سينكشف الوجه الآخر ونقاط الضعف للاقتصاد غير النقدي. فهذه التعاملات تعتمد على التكنولوجيا المرتبطة بالطاقة والشبكات بشكل كلي، وبالتالي عند الأزمات قد تحدث سيناريوهات صعبة. ومن ذلك شلل تام في حركة البيع والشراء اليومية نتيجة توقف نقاط البيع بسبب انقطاع الإنترنت أو التيار الكهربائي. وهذا ما يعني عجز المستهلك عن شراء حتى أساسياته اليومية إذا لم يمتلك نقدا.
وهنا تكون المشكلة أكبر، إذ سيحدث ما يسمى في الاقتصاد بالهلع النقدي، حيث يهرع المستهلكون إلى سحب ما يمكن من أجهزة الصراف الآلي، مما يؤدي الى طوابير أمام هذه الأجهزة، ونفاد السيولة منها بسرعة. وهنا سيبرز النقد كملجأ آمن ووحيد، ويستعيد قيمته في التداول.
وهذه ليست سيناريوهات خيالية، بل حدثت في الواقع، مثل عطل «كرودسترايك» العالمي عام 2024، حيث كان هناك خطأ في شلل أنظمة الدفع والطيران والبنوك حول العالم عدة ساعات، مما منع ملايين الأشخاص من دفع قيمة مشترياتهم.
كما أثبتت الأزمات المناخية والنزاعات المسلحة أن البنية التحتية للاتصالات هي أول ما يتضرر، مما يجعل الاعتماد على المعاملات الرقمية مهدد.
لذلك يتبع عديد من المؤسسات المالية استراتيجيات لحماية وتقليل المخاطر، مثل السويد وألمانيا، حيث تلزم البنوك والتجار بالحفاظ على نسبة معينة من التعامل بالنقد الورقي وتوفير سيولة نقدية طارئة للجمهور. كما توصي المستهلكين بتوفير قدر من النقد الاحتياطي دائما.
وهناك توجه آخذ بالانتشار يعتمد على اجراء بعض العمليات دون اتصال ولكن بسقف مالي محدود. فمثلا فعّل البنك المركزي السويدي مؤخرا إمكانية استخدام البطاقات في وضع عدم الاتصال لشراء السلع الأساسية مثل الغذاء والأدوية والوقود، ويمكن أن تستمر هذه المدفوعات في حالة انقطاع الاتصالات مدة تصل إلى 7 أيام.
كما تلجأ بعض النظم إلى الربط بين أكثر من مزود خدمة اتصالات وخوادم سحابية متعددة.
هل يعني ذلك أن التعامل النقدي أكثر ديمومة وأمانا خاصة في الأزمات؟
باختصار.. ليس بالضرورة ذلك، فالنقد أيضا يعتمد على إمكانية الوصول إلى أجهزة الصراف أو المصارف، وعلى استمرار نقل وتوزيع الأوراق النقدية، وعلى قدرة المتاجر على قبول النقد بعد أن اعتادت التعاملات الرقمية وقلصت استعداداتها النقدية، ما يعني أنها بحاجة إلى مخزون كافٍ من الفئات النقدية.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك