العدد : ١٧٧١٤ - الثلاثاء ٢٢ سبتمبر ٢٠٢٦ م، الموافق ١١ ربيع الآخر ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٧١٤ - الثلاثاء ٢٢ سبتمبر ٢٠٢٦ م، الموافق ١١ ربيع الآخر ١٤٤٨هـ

مقالات

الذكاء الاصطناعي والوظائف الخليجية

بقلم: عدنان أحمد يوسف.

الثلاثاء ٢٢ سبتمبر ٢٠٢٦ - 02:00

لم‭ ‬يعد‭ ‬السؤال‭ ‬في‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬العربي‭: ‬هل‭ ‬سيؤثر‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬في‭ ‬سوق‭ ‬العمل؟‭ ‬بل‭: ‬متى‭ ‬سيظهر‭ ‬أثره‭ ‬كاملا،‭ ‬وأي‭ ‬الوظائف‭ ‬ستدفع‭ ‬الثمن‭ ‬أولاً،‭ ‬ومن‭ ‬سيحصل‭ ‬على‭ ‬مكاسب‭ ‬الإنتاجية‭ ‬والدخل؟

تشير‭ ‬تقديرات‭ ‬صندوق‭ ‬النقد‭ ‬الدولي‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬سيؤثر‭ ‬في‭ ‬نحو‭ ‬40‭% ‬من‭ ‬الوظائف‭ ‬عالمياً،‭ ‬وترتفع‭ ‬النسبة‭ ‬إلى‭ ‬قرابة‭ ‬60‭% ‬في‭ ‬الاقتصادات‭ ‬المتقدمة‭. ‬ولا‭ ‬يعني‭ ‬‮«‬التأثر‮»‬‭ ‬اختفاء‭ ‬هذه‭ ‬الوظائف‭ ‬جميعاً؛‭ ‬إذ‭ ‬سيؤدي‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬في‭ ‬بعضها‭ ‬إلى‭ ‬رفع‭ ‬إنتاجية‭ ‬الموظف،‭ ‬بينما‭ ‬سيخفض‭ ‬الحاجة‭ ‬إلى‭ ‬العمالة‭ ‬أو‭ ‬الأجور‭ ‬في‭ ‬وظائف‭ ‬أخرى‭.‬

أما‭ ‬تقرير‭ ‬مستقبل‭ ‬الوظائف‭ ‬2025‭ ‬الصادر‭ ‬عن‭ ‬المنتدى‭ ‬الاقتصادي‭ ‬العالمي،‭ ‬فيتوقع‭ ‬أن‭ ‬تؤدي‭ ‬التحولات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والتكنولوجية‭ ‬إلى‭ ‬إنشاء‭ ‬170‭ ‬مليون‭ ‬وظيفة‭ ‬جديدة‭ ‬وإزاحة‭ ‬92‭ ‬مليون‭ ‬وظيفة‭ ‬حتى‭ ‬عام‭ ‬2030،‭ ‬أي‭ ‬مكسب‭ ‬صافٍ‭ ‬قدره‭ ‬78‭ ‬مليون‭ ‬وظيفة‭. ‬لكنه‭ ‬يتوقع‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬تغير‭ ‬39‭% ‬من‭ ‬المهارات‭ ‬الحالية‭ ‬للعاملين،‭ ‬وأن‭ ‬يكون‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬والبيانات‭ ‬الضخمة‭ ‬والأمن‭ ‬السيبراني‭ ‬من‭ ‬أسرع‭ ‬المهارات‭ ‬نمواً‭.‬

هذه‭ ‬الأرقام‭ ‬تحمل‭ ‬دلالة‭ ‬خاصة‭ ‬لدول‭ ‬الخليج‭ ‬العربي؛‭ ‬لأن‭ ‬اقتصاداتها‭ ‬تضم‭ ‬أعداداً‭ ‬كبيرة‭ ‬من‭ ‬الوظائف‭ ‬الإدارية‭ ‬والمكتبية‭ ‬والمالية‭ ‬والخدمية‭ ‬التي‭ ‬تستطيع‭ ‬الأنظمة‭ ‬الذكية‭ ‬إنجاز‭ ‬جانب‭ ‬معتبر‭ ‬من‭ ‬مهامها‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬برامج‭ ‬التحول‭ ‬الرقمي‭ ‬الحكومي،‭ ‬وتوسع‭ ‬المصارف‭ ‬الرقمية،‭ ‬والتجارة‭ ‬الإلكترونية،‭ ‬والخدمات‭ ‬الذاتية،‭ ‬ستسرّع‭ ‬الانتقال‭ ‬مقارنة‭ ‬بأسواق‭ ‬أقل‭ ‬تطوراً‭ ‬تقنياً‭.‬

الوظائف‭ ‬الأكثر‭ ‬تعرضاً‭ ‬ليست‭ ‬بالضرورة‭ ‬الوظائف‭ ‬اليدوية،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬وظائف‭ ‬‮«‬الياقات‭ ‬البيضاء‮»‬‭: ‬إدخال‭ ‬البيانات،‭ ‬وإعداد‭ ‬المراسلات‭ ‬والتقارير‭ ‬الأولية،‭ ‬والترجمة‭ ‬العامة،‭ ‬وخدمة‭ ‬العملاء،‭ ‬ومراكز‭ ‬الاتصال،‭ ‬والمحاسبة‭ ‬الروتينية،‭ ‬والتسويق‭ ‬التقليدي،‭ ‬والسكرتارية،‭ ‬ومعالجة‭ ‬الطلبات‭ ‬والمطالبات‭ ‬التأمينية‭. ‬ووفق‭ ‬دراسة‭ ‬مشتركة‭ ‬لمنظمة‭ ‬العمل‭ ‬الدولية‭ ‬والمعهد‭ ‬الوطني‭ ‬البولندي‭ ‬للبحوث،‭ ‬فإن‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬أربع‭ ‬وظائف‭ ‬عالمياً‭ ‬تقع‭ ‬ضمن‭ ‬درجة‭ ‬من‭ ‬درجات‭ ‬التعرض‭ ‬للذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬التوليدي،‭ ‬مع‭ ‬بقاء‭ ‬التحول‭ ‬في‭ ‬طبيعة‭ ‬الوظيفة‭ ‬أكثر‭ ‬احتمالاً‭ ‬من‭ ‬اختفائها‭ ‬بالكامل‭.‬

الخطر‭ ‬الأكبر‭ ‬خليجياً‭ ‬قد‭ ‬يقع‭ ‬على‭ ‬الوظائف‭ ‬المبتدئة‭ ‬التي‭ ‬يدخل‭ ‬منها‭ ‬الشباب‭ ‬إلى‭ ‬سوق‭ ‬العمل‭. ‬فالمؤسسة‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬توظف‭ ‬خمسة‭ ‬خريجين‭ ‬لإعداد‭ ‬البيانات‭ ‬والعروض‭ ‬والتقارير‭ ‬تستطيع‭ ‬أن‭ ‬تنجز‭ ‬العمل‭ ‬نفسه‭ ‬بموظفَين‭ ‬يستخدمان‭ ‬أدوات‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭. ‬وبذلك‭ ‬قد‭ ‬لا‭ ‬تظهر‭ ‬البطالة‭ ‬التكنولوجية‭ ‬في‭ ‬صورة‭ ‬تسريح‭ ‬جماعي،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬صورة‭ ‬أكثر‭ ‬هدوءاً‭ ‬وخطورة‭: ‬تراجع‭ ‬الوظائف‭ ‬الجديدة،‭ ‬وتقليص‭ ‬التوظيف،‭ ‬وارتفاع‭ ‬شروط‭ ‬القبول،‭ ‬واختفاء‭ ‬السلم‭ ‬التقليدي‭ ‬الذي‭ ‬يبدأ‭ ‬منه‭ ‬الخريج‭ ‬لاكتساب‭ ‬الخبرة‭.‬

في‭ ‬المقابل،‭ ‬ستصعد‭ ‬وظائف‭ ‬تطوير‭ ‬الأنظمة‭ ‬الذكية‭ ‬وتحليل‭ ‬البيانات‭ ‬والأمن‭ ‬السيبراني‭ ‬والحوسبة‭ ‬السحابية‭ ‬وإدارة‭ ‬المنتجات‭ ‬الرقمية‭. ‬وستزداد‭ ‬أيضاً‭ ‬قيمة‭ ‬وظائف‭ ‬تبدو‭ ‬غير‭ ‬تقنية،‭ ‬لكنها‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬الحكم‭ ‬البشري‭ ‬والثقة‭ ‬والتواصل،‭ ‬مثل‭ ‬الطب‭ ‬والتعليم‭ ‬المتخصص‭ ‬والاستشارات‭ ‬والقانون‭ ‬وإدارة‭ ‬العلاقات‭ ‬والمبيعات‭ ‬المعقدة‭. ‬الفائز‭ ‬لن‭ ‬يكون‭ ‬المبرمج‭ ‬وحده،‭ ‬بل‭ ‬الطبيب‭ ‬والمحاسب‭ ‬والصحفي‭ ‬والمهندس‭ ‬الذي‭ ‬يجمع‭ ‬خبرته‭ ‬المهنية‭ ‬مع‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬استخدام‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬والتحقق‭ ‬من‭ ‬مخرجاته‭.‬

وتكمن‭ ‬المشكلة‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬العربي‭ ‬قد‭ ‬تستثمر‭ ‬مليارات‭ ‬الدولارات‭ ‬في‭ ‬مراكز‭ ‬البيانات‭ ‬والمنصات‭ ‬والرقائق،‭ ‬لكنها‭ ‬تستورد‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬الخبرات‭ ‬التي‭ ‬تديرها‭. ‬عندئذ‭ ‬يتحول‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬إلى‭ ‬وسيلة‭ ‬أخرى‭ ‬لتسرب‭ ‬الوظائف‭ ‬عالية‭ ‬القيمة‭ ‬إلى‭ ‬الخارج،‭ ‬بينما‭ ‬تبقى‭ ‬للمواطن‭ ‬الوظائف‭ ‬الإدارية‭ ‬التي‭ ‬تتعرض‭ ‬تدريجياً‭ ‬للأتمتة‭.‬

لذلك‭ ‬لا‭ ‬يكفي‭ ‬إطلاق‭ ‬دورات‭ ‬عامة‭ ‬قصيرة‭ ‬أو‭ ‬توزيع‭ ‬شهادات‭ ‬في‭ ‬‮«‬استخدام‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‮»‬‭. ‬المطلوب‭ ‬ربط‭ ‬التدريب‭ ‬بوظائف‭ ‬ومهام‭ ‬فعلية،‭ ‬وإلزام‭ ‬المؤسسات‭ ‬الكبرى‭ ‬بقياس‭ ‬أثر‭ ‬التقنية‭ ‬في‭ ‬العمالة،‭ ‬ووضع‭ ‬خطط‭ ‬لإعادة‭ ‬تأهيل‭ ‬العاملين‭ ‬قبل‭ ‬الاستغناء‭ ‬عنهم‭. ‬كما‭ ‬ينبغي‭ ‬إعادة‭ ‬بناء‭ ‬التعليم‭ ‬الجامعي‭ ‬حول‭ ‬حل‭ ‬المشكلات‭ ‬وتحليل‭ ‬البيانات‭ ‬والتفكير‭ ‬النقدي،‭ ‬لا‭ ‬حفظ‭ ‬المعلومات‭ ‬التي‭ ‬أصبحت‭ ‬الآلة‭ ‬تستعيدها‭ ‬خلال‭ ‬ثوانٍ‭. ‬إن‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬لن‭ ‬يقسم‭ ‬سوق‭ ‬العمل‭ ‬الخليجي‭ ‬إلى‭ ‬وظائف‭ ‬تختفي‭ ‬وأخرى‭ ‬تبقى‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬إلى‭ ‬فئتين‭ ‬من‭ ‬العاملين‭: ‬من‭ ‬يستخدم‭ ‬التقنية‭ ‬لرفع‭ ‬إنتاجيته‭ ‬وقيمته‭ ‬ودخله،‭ ‬ومن‭ ‬تنافسه‭ ‬التقنية‭ ‬في‭ ‬مهامه‭ ‬اليومية‭. ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬فإن‭ ‬القضية‭ ‬ليست‭ ‬تقنية‭ ‬وحدها،‭ ‬بل‭ ‬قضية‭ ‬اقتصادية‭ ‬واجتماعية‭ ‬تتعلق‭ ‬بتوزيع‭ ‬الفرص‭ ‬والدخول‭ ‬ومستقبل‭ ‬الطبقة‭ ‬الوسطى‭ ‬في‭ ‬الخليج‭ ‬العربي‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا