لم يعد السؤال في دول الخليج العربي: هل سيؤثر الذكاء الاصطناعي في سوق العمل؟ بل: متى سيظهر أثره كاملا، وأي الوظائف ستدفع الثمن أولاً، ومن سيحصل على مكاسب الإنتاجية والدخل؟
تشير تقديرات صندوق النقد الدولي إلى أن الذكاء الاصطناعي سيؤثر في نحو 40% من الوظائف عالمياً، وترتفع النسبة إلى قرابة 60% في الاقتصادات المتقدمة. ولا يعني «التأثر» اختفاء هذه الوظائف جميعاً؛ إذ سيؤدي الذكاء الاصطناعي في بعضها إلى رفع إنتاجية الموظف، بينما سيخفض الحاجة إلى العمالة أو الأجور في وظائف أخرى.
أما تقرير مستقبل الوظائف 2025 الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي، فيتوقع أن تؤدي التحولات الاقتصادية والتكنولوجية إلى إنشاء 170 مليون وظيفة جديدة وإزاحة 92 مليون وظيفة حتى عام 2030، أي مكسب صافٍ قدره 78 مليون وظيفة. لكنه يتوقع في الوقت نفسه تغير 39% من المهارات الحالية للعاملين، وأن يكون الذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة والأمن السيبراني من أسرع المهارات نمواً.
هذه الأرقام تحمل دلالة خاصة لدول الخليج العربي؛ لأن اقتصاداتها تضم أعداداً كبيرة من الوظائف الإدارية والمكتبية والمالية والخدمية التي تستطيع الأنظمة الذكية إنجاز جانب معتبر من مهامها. كما أن برامج التحول الرقمي الحكومي، وتوسع المصارف الرقمية، والتجارة الإلكترونية، والخدمات الذاتية، ستسرّع الانتقال مقارنة بأسواق أقل تطوراً تقنياً.
الوظائف الأكثر تعرضاً ليست بالضرورة الوظائف اليدوية، بل هي كثير من وظائف «الياقات البيضاء»: إدخال البيانات، وإعداد المراسلات والتقارير الأولية، والترجمة العامة، وخدمة العملاء، ومراكز الاتصال، والمحاسبة الروتينية، والتسويق التقليدي، والسكرتارية، ومعالجة الطلبات والمطالبات التأمينية. ووفق دراسة مشتركة لمنظمة العمل الدولية والمعهد الوطني البولندي للبحوث، فإن واحدة من كل أربع وظائف عالمياً تقع ضمن درجة من درجات التعرض للذكاء الاصطناعي التوليدي، مع بقاء التحول في طبيعة الوظيفة أكثر احتمالاً من اختفائها بالكامل.
الخطر الأكبر خليجياً قد يقع على الوظائف المبتدئة التي يدخل منها الشباب إلى سوق العمل. فالمؤسسة التي كانت توظف خمسة خريجين لإعداد البيانات والعروض والتقارير تستطيع أن تنجز العمل نفسه بموظفَين يستخدمان أدوات الذكاء الاصطناعي. وبذلك قد لا تظهر البطالة التكنولوجية في صورة تسريح جماعي، بل في صورة أكثر هدوءاً وخطورة: تراجع الوظائف الجديدة، وتقليص التوظيف، وارتفاع شروط القبول، واختفاء السلم التقليدي الذي يبدأ منه الخريج لاكتساب الخبرة.
في المقابل، ستصعد وظائف تطوير الأنظمة الذكية وتحليل البيانات والأمن السيبراني والحوسبة السحابية وإدارة المنتجات الرقمية. وستزداد أيضاً قيمة وظائف تبدو غير تقنية، لكنها تحتاج إلى الحكم البشري والثقة والتواصل، مثل الطب والتعليم المتخصص والاستشارات والقانون وإدارة العلاقات والمبيعات المعقدة. الفائز لن يكون المبرمج وحده، بل الطبيب والمحاسب والصحفي والمهندس الذي يجمع خبرته المهنية مع القدرة على استخدام الذكاء الاصطناعي والتحقق من مخرجاته.
وتكمن المشكلة في أن دول الخليج العربي قد تستثمر مليارات الدولارات في مراكز البيانات والمنصات والرقائق، لكنها تستورد في الوقت نفسه الخبرات التي تديرها. عندئذ يتحول الذكاء الاصطناعي إلى وسيلة أخرى لتسرب الوظائف عالية القيمة إلى الخارج، بينما تبقى للمواطن الوظائف الإدارية التي تتعرض تدريجياً للأتمتة.
لذلك لا يكفي إطلاق دورات عامة قصيرة أو توزيع شهادات في «استخدام الذكاء الاصطناعي». المطلوب ربط التدريب بوظائف ومهام فعلية، وإلزام المؤسسات الكبرى بقياس أثر التقنية في العمالة، ووضع خطط لإعادة تأهيل العاملين قبل الاستغناء عنهم. كما ينبغي إعادة بناء التعليم الجامعي حول حل المشكلات وتحليل البيانات والتفكير النقدي، لا حفظ المعلومات التي أصبحت الآلة تستعيدها خلال ثوانٍ. إن الذكاء الاصطناعي لن يقسم سوق العمل الخليجي إلى وظائف تختفي وأخرى تبقى فقط، بل إلى فئتين من العاملين: من يستخدم التقنية لرفع إنتاجيته وقيمته ودخله، ومن تنافسه التقنية في مهامه اليومية. ومن هنا فإن القضية ليست تقنية وحدها، بل قضية اقتصادية واجتماعية تتعلق بتوزيع الفرص والدخول ومستقبل الطبقة الوسطى في الخليج العربي.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك