يعد حسن الديري واحدا من الكفاءات الرياضية الوطنية النشطة في مجال الإعداد البدني، ويعمل بهدوء بعيدا عن الصخب، تاركا عمله يتحدث عنه، وكانت له تجربة أخيرة مع منتخبنا الوطني للناشئين تحت 17 عاما خلال مشاركته في البطولة العربية الثانية للكرة الطائرة، وهي تجربة أتاحت له الاقتراب أكثر من طبيعة إعداد اللاعب الناشئ والتعامل معه بدنيا ونفسيا.
وفي هذا الحوار الذي أدلى به الديري للملحق الرياضي في «أخبار الخليج»، يتحدث عن تجربته مع المنتخب، وأبرز التحديات التي واجهته، وما يحتاج اليه لاعبونا الناشئون للوصول إلى مستوى أفضل.
{ كيف تقيم تجربتك مع منتخبنا الوطني للناشئين في البطولة العربية الثانية، وما أبرز الأمور التي خرجت بها من هذه المشاركة؟
- وصف التجربة بالإيجابية والمفيدة جدًا على الصعيدين المهني والشخصي، مؤكدا أن المشاركة في بطولة عربية تضع اللاعبين والجهاز الفني أمام اختبار حقيقي، خصوصا مع ضغط المباريات وقوة المنافسة.
وأوضح أن أبرز ما خرجوا به هو التعرف بشكل أكبر على قدرة اللاعبين على تحمل ضغط المباريات المتتالية، وأهمية الاستشفاء السريع، إلى جانب اكتساب اللاعبين خبرة مهمة في التعامل مع المباريات الدولية وإيقاعها السريع.
{ عندما تعمل مع فئة تحت 17 عامًا، ما الاختلاف الأكبر في إعداد اللاعب بدنيا مقارنة باللاعب في الفئات الأكبر؟
- الاختلاف الأكبر هو أن لاعب تحت 17 عاما لا يزال في مرحلة النمو، وهذا أمر يجب أن نضعه في الاعتبار دائما.
مع اللاعبين الكبار نستطيع التركيز أكثر على الوصول إلى أعلى مستوى بدني وتطوير التفاصيل الدقيقة، أما مع الناشئين فالأولوية هي المحافظة على سلامة الجسم، خصوصا العظام والأوتار، وبناء أساس حركي وعضلي صحيح قبل الانتقال إلى الأحمال العالية.
وفي هذه المرحلة نحن لا نبني الجسم فقط، بل نبني أيضا لاعبا لديه مفاهيم رياضية صحيحة منذ البداية.
{ ما الأولويات البدنية التي ركزت عليها مع لاعبي المنتخب خلال فترة الإعداد للبطولة؟
- ركزنا بشكل أساسي على السرعة، وبالذات السرعة الانفجارية، لأنها مهمة جدا في حسم النقاط، إلى جانب الرشاقة وتغيير الاتجاه حتى يتحرك اللاعب بشكل أفضل داخل الملعب، وكذلك التحمل الخاص حتى يحافظ على مستواه طوال المباراة من دون هبوط كبير في الأداء.
{ إلى أي مدى كان الوقت المتاح قبل البطولة كافيًا للوصول باللاعبين إلى الجاهزية البدنية المطلوبة؟
- الوقت دائمًا يمثل تحديا للمعد البدني، خصوصا مع منتخبات الفئات العمرية التي تكون تجمعاتها محدودة.
الوقت المتاح كان مناسبا إلى حد ما لوضع الأساس ورفع مستوى اللاعبين بدنيا، لكننا كنا نتمنى فترة إعداد أطول حتى نتمكن من العمل بصورة أفضل وبناء تطور بدني يستمر لفترة أطول.
{ كيف تعاملت مع تفاوت القدرات البدنية بين لاعبي المنتخب، إذا ما وضعنا بعين الاعتبار أن اللاعبين في هذه المرحلة العمرية يمرون بمراحل نمو مختلفة؟
- بدأنا بتقييم الفروق بين اللاعبين منذ اليوم الأول، لأن كل لاعب في هذه المرحلة يمر بمرحلة نمو مختلفة، ومن هذا المنطلق عملنا على زيادة الحمل التدريبي بشكل تدريجي، خصوصًا مع اللاعبين الأقل نضجا بدنيا، مع إعطاء بعض اللاعبين تمارين إضافية تساعدهم على تحسين القوة والاستقرار العضلي بما يتناسب مع احتياجاتهم.
{ هل ترى أن المعد البدني في فئة الناشئين يحتاج إلى أن يكون أكثر حذرا في الأحمال التدريبية مقارنة بالعمل مع اللاعبين الكبار؟ ولماذا؟
- بكل تأكيد، والحذر هنا أمر علمي وليس خوفا، فاللاعب الناشئ لا يزال في مرحلة نمو، لذلك لا يمكن التعامل معه بالطريقة نفسها التي نتعامل بها مع اللاعب الكبير.
زيادة الأحمال بشكل مبالغ فيه قد تسبب إصابات تؤثر في مستقبل اللاعب، والمطلوب هو تطوير اللاعب بدنيا مع المحافظة في الوقت نفسه على سلامته.
{ ما المؤشرات التي تعتمد عليها لمعرفة أن اللاعب الناشئ وصل إلى مرحلة الإرهاق، وأنه بحاجة إلى تخفيف الحمل أو الراحة؟
- هناك أكثر من مؤشر، من بينها جودة نوم اللاعب وشعوره بالتعب، وكذلك انخفاض سرعته أو ضعف حركته واستجابته أثناء التدريب.
كما يجب ملاحظة الجانب النفسي والسلوكي، فإذا أصبح اللاعب عصبيا بشكل غير معتاد، أو فقد تركيزه أو بدأ يتذمر كثيرا، فقد تكون هذه علامات على أنه يعاني من الإرهاق ويحتاج إلى الراحة.
{ البطولة تضمنت مباريات متقاربة زمنيا، كيف أثر ضغط المباريات على الجانب البدني للاعبين، وكيف تعاملت مع ذلك؟
- ضغط المباريات كان واضحا، ولذلك كان التركيز بعد كل مباراة على الاستشفاء السريع، من خلال تعويض السوائل والأملاح والتغذية، واستخدام جلسات الاستشفاء بالماء البارد، إلى جانب تمارين الإطالة الخفيفة.
لكن أهم شيء كان النوم الكافي، لأنه يساعد الجسم والعضلات على استعادة نشاطهما بعد المجهود.
{ من خلال متابعتك للاعبين، ما أكثر الجوانب البدنية التي تحتاج إلى تطوير في لاعبينا الناشئين، القوة أم السرعة أم الرشاقة أم التحمل؟
- كل هذه العناصر تحتاج إلى تطوير، لكن إذا أردنا تحديد الأولوية فأعتقد أن التركيز الأكبر يجب أن يكون على القوة، خصوصا القوة الأساسية والقوة الانفجارية.
القوة تساعد اللاعب في تطوير السرعة والرشاقة والتحمل، كما تساعده على حماية جسمه وتقليل احتمالية تعرضه للإصابات.
{ هل ترى أن إعداد اللاعب بدنيا في الأندية خلال مرحلة الناشئين يسير وفق أسس علمية كافية، أم أن هناك جوانب تحتاج إلى إعادة نظر؟
- ما زلنا بحاجة إلى عمل أكبر ونقلة نوعية في هذا الجانب، نحتاج إلى أسس علمية واضحة ومتكاملة لإعداد اللاعب الناشئ، حتى يصل إلى فئة الكبار وهو لاعب متكامل بدنيًا.
كما نحتاج إلى توحيد فكرة التطوير البدني طويل المدى بين الأندية، مع وجود قياسات واضحة ومستمرة لمعرفة تطور اللاعب.
{ إلى أي مدى يدخل الجانب النفسي في عمل المعد البدني مع لاعب في عمر 16 و17 عامًا، خصوصا عندما يشعر اللاعب بالتعب أو لا يجد نفسه ضمن التشكيلة الأساسية؟
- الجانب النفسي مهم جدا، وربما يمثل نصف نجاح العمل مع هذه الفئة، باعتبار أن اللاعب في هذا العمر يمر بتغيرات كثيرة، وقد تتأثر ثقته بنفسه إذا لم يشارك أساسيا.
ومن هنا لا يقتصر دوري على إعطائه التمارين، بل يجب أن أستمع إليه وأفهمه وأساعده على تجاوز الإحباط، ونحاول دائما تحويل الشعور السلبي إلى دافع للعمل والتطور.
{ كيف تحافظ على علاقة متوازنة مع اللاعب الناشئ، بحيث يشعر بالقرب منك ويثق بك، وفي الوقت نفسه يحترم التعليمات والانضباط المطلوب؟
- أحاول خارج الملعب أن أكون قريبا من اللاعب، وأستمع إليه وأساعده إذا احتاج إلى ذلك، أما داخل الملعب والتدريب فهناك نظام واضح يجب الالتزام به من انضباط وجدية واحترام للوقت.
والأهم أن يشعر اللاعب بأنني عادل مع الجميع، وأطبق القواعد على نفسي قبل أن أطلب تطبيقها منه. فاللاعب عندما يشعر بالعدل، يحترم النظام عن قناعة وليس خوفا.
{ هل تعتقد أن البطولات العربية للفئات العمرية يمكن أن تسهم في تطوير الجانب البدني للاعبين من خلال الاحتكاك بمدارس عربية مختلفة؟
- بالتأكيد، فالاحتكاك الخارجي يكشف للاعب والجهاز الفني المستوى الحقيقي للفريق. وعندما يواجه اللاعب فرقا تختلف عنه في القوة والسرعة وطريقة اللعب، يتعلم كيف يتعامل مع هذه الظروف.
مثل هذه البطولات ترفع مستوى اللاعب بدنيا وتجعله أكثر قدرة على التعامل مع المباريات القوية.
{ بعد هذه التجربة، هل هناك لاعبون في المنتخب لفتوا انتباهك من الناحية البدنية وتعتقد أن لديهم قابلية كبيرة للتطور خلال السنوات المقبلة؟
- نعم، هناك عدد من اللاعبين يمتلكون إمكانات بدنية جيدة وقابلية واضحة للتطور، خصوصا في السرعة والقوة الانفجارية.
وإذا حصل هؤلاء اللاعبون على المتابعة والبرامج العلمية الصحيحة في أنديتهم والمنتخبات خلال السنوات المقبلة، فمن الممكن أن يكونوا من العناصر المهمة في المنتخب الأول مستقبلا.
{ إذا أردنا بناء لاعب بحريني يصل إلى المنتخب الأول وهو مكتمل بدنيًا، متى يجب أن يبدأ الإعداد الحقيقي؟ وما الذي تتمنى أن يتغير في منظومة إعداد الفئات العمرية؟
الإعداد الحقيقي يجب أن يبدأ مبكرا، من مرحلة المدارس والبراعم، تقريبًا من عمر 10 إلى 13 عاما، من خلال التركيز على المهارات الحركية الأساسية والتوافق، وبعد ذلك يدخل اللاعب مرحلة الناشئين من 14 إلى 17 عاما وهو يمتلك أساسا جيدا.
وأتمنى أن تكون هناك منظومة تربط بين وزارة التربية والتعليم والأندية، بحيث يتم اكتشاف اللاعب وتطويره من جميع الجوانب، وليس الجانب البدني فقط، مع زيادة عدد ساعات التدريب البدني المخصص للفئات العمرية وعدم التركيز فقط على الجوانب الفنية والتكتيكية.
وخلاصة ما يراه حسن الديري أن صناعة لاعب قادر على الوصول إلى المنتخب الأول تبدأ في سن مبكرة، وتحتاج إلى عمل متواصل ومنظم بين المدرسة والنادي والمنتخبات. فالاستثمار الحقيقي في الفئات العمرية لا يكون بالنتائج الآنية فقط، وإنما ببناء لاعب سليم بدنيا ونفسيا وقادر على مواصلة التطور حتى يصل إلى أعلى المستويات.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك