كتبت: ياسمين العقيدات
كشف تقرير الأمم المتحدة في مملكة البحرين لعام 2025 عن نتائج العام الأول من تنفيذ إطار التعاون الاستراتيجي للتنمية المستدامة بين مملكة البحرين والأمم المتحدة للفترة 2025-2029، مؤكداً أن العام الماضي مثّل مرحلة تأسيسية لشراكة جديدة تستند إلى أربعة مسارات رئيسية هي: المجتمع، والازدهار، والسلام، والكوكب.
ويأتي إطار التعاون متوافقاً مع رؤية البحرين الاقتصادية 2030 وأهداف التنمية المستدامة للأمم المتحدة، فيما استعرض التقرير مجموعة واسعة من المبادرات والبرامج التي نفذتها منظومة الأمم المتحدة بالتعاون مع الجهات الحكومية والقطاع الخاص والمجتمع المدني والمؤسسات الأكاديمية.
وأوضح التقرير أن عام 2025 شهد إنشاء آليات جديدة لتعزيز التنسيق بين الحكومة والأمم المتحدة، من أبرزها أربع مجموعات مشتركة للنتائج، خصصت كل واحدة منها لأحد المجالات الاستراتيجية الأربعة. وتضم هذه المجموعات كبار ممثلي الحكومة وكيانات الأمم المتحدة العاملة في كل مجال، بما يعزز الملكية الوطنية لعملية التخطيط والتنفيذ.
وبحسب البيانات المالية الواردة في التقرير، بلغت الاحتياجات المالية الإجمالية لخطة العمل المشتركة لعام 2025 نحو 13.85 مليون دولار أمريكي، فيما بلغت الموارد المعبأة نحو 6.11 ملايين دولار، مقابل مصروفات فعلية بلغت نحو 7.75 ملايين دولار وفق العرض المالي الوارد في التقرير.
وتفاوتت مستويات تعبئة الموارد بين النتائج الأربع؛ إذ بلغت في مسار الازدهار 62.3%، مقابل 48.9% للمجتمع، و15.1% للسلام، فيما أظهرت البيانات اختلافاً كبيراً في حجم الاحتياجات والموارد بين المجالات المختلفة.
ويشير التقرير إلى أن تعبئة الموارد ستظل أولوية رئيسية خلال المرحلة المقبلة، وخصوصاً في ظل محدودية حصول البحرين، باعتبارها دولة ذات دخل مرتفع، على التمويل التقليدي من المانحين. ولذلك تتجه الأمم المتحدة إلى نموذج أكثر تنوعاً يقوم على الشراكة بين القطاعين العام والخاص، والمسؤولية الاجتماعية للشركات، والتمويل المختلط والشراكات المبتكرة.
في مجال تعزيز العدالة الاجتماعية والرفاهية، ركز التعاون على الحماية الاجتماعية والرعاية الصحية والإسكان، إلى جانب تطوير نظام التعليم والتدريب الشامل.
ومن أبرز النتائج التي سجلها التقرير دعم حصول محافظتين على صفة «مدن صحية»، بما استكمل عملية التوسع على مستوى المملكة، إلى جانب تعيين جامعتين كجامعتين مروجتين للصحة، ليصل العدد الإجمالي إلى ثماني جامعات.
كما شملت الجهود التدريب في مجال الصحة النفسية، ودعم البحوث الصحية، وتنفيذ برامج مرتبطة بالشيخوخة الصحية، حيث جرى تزويد 37 جهة حكومية بأدوات لتطبيق نهج قائم على الحقوق تجاه الشيخوخة، فيما استفاد 126 طالب طب من جلسة حول الشيخوخة الصحية.
وفي مجال حماية العمالة الوافدة، دربت الأمم المتحدة 95 شخصاً من أفراد المجتمع والمسؤولين الحكوميين على مهارات التدخل لمنع الانتحار، وأصبح 15 من المتدربين مدربين معتمدين لضمان استمرارية البرنامج. كما وصلت برامج توجيهية لأصحاب العمل والعمالة المنزلية إلى 296 من أصحاب العمل أو الأسر بهدف تعزيز المعرفة بالحقوق والمسؤوليات والخدمات المتاحة.
وامتدت الجهود إلى حماية الأشخاص ذوي الإعاقة، والمساحات العامة الحضرية، والرعاية الاجتماعية وإعادة التأهيل، والحماية الاجتماعية للعمال المهاجرين، واعتماد التعليم العالي وتنمية الطفولة المبكرة.
وحظي مسار التحول الاقتصادي المستدام بأعلى معدل تعبئة للموارد بين النتائج الأربع، بنسبة 62.3%، وتركز على ثلاثة محاور: خلق فرص العمل وريادة الأعمال، والتحول الأخضر والرقمي، واستثمار القطاع الخاص في الصناعات الاستراتيجية.
وشملت البرامج دعم قدرات المنشآت متناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة والصناعات الإبداعية، وخلق فرص العمل، ووصول الشباب إلى الصناعات عالية النمو، وإدماج الشباب في برامج التعلم التجريبي، إلى جانب دعم السياسات المتعلقة بالاقتصاد الرقمي والسياسات المالية الشاملة.
وفي ملف الشباب، دعمت الأمم المتحدة البرنامج الحادي عشر لقيادة الشباب، إلى جانب إعادة إطلاق جائزة الملك حمد لتمكين الشباب، التي استقطبت نحو 8 آلاف طلب، وهو ما اعتبره التقرير مؤشراً على اتساع صدى الجائزة بين الشباب.
كما دعمت الأمم المتحدة جهود البحرين في تعزيز مشاركة المرأة اقتصادياً، من خلال الترويج لـجائزة صاحبة السمو الملكي الأميرة سبيكة بنت إبراهيم آل خليفة العالمية لتمكين المرأة على المستوى الدولي، ودعم مجموعة جديدة من الشركات الناشئة ضمن برنامج «ستاندرد تشارترد للمرأة في مجال التكنولوجيا».
وفي سوق العمل، أسهمت الأمم المتحدة في تعزيز التخطيط القائم على البيانات من خلال «مرصد المهارات» التابع للجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا، وإجراء تحليلات بشأن اتجاهات التوظيف والطلب على المهارات، وربط بيانات المرصد بالبوابة الوطنية للمهارات القابلة للتوظيف في البحرين.
أما مسار السلام والحوكمة من أجل العدالة وحقوق الإنسان، فقد شمل بناء القدرات في مجال حقوق الإنسان، وتطوير أطر العدالة والمساءلة، ودعم العدالة الجنائية ومكافحة الاتجار بالبشر، والتدريب في مجال الذكاء الاصطناعي وسيادة القانون، وآليات حماية الطفل.
وبلغت الاحتياجات المالية لهذا المسار نحو 4.23 ملايين دولار، فيما بلغت الموارد المعبأة 637.8 ألف دولار فقط، بمعدل تعبئة 15.1%، وهو المعدل الأدنى بين النتائج الأربع.
وفي مجال البيانات، أكد التقرير أن الحوكمة الفعالة تتطلب بيانات موثوقة، موضحاً أن الأمم المتحدة ساعدت خلال 2025 في تعزيز منظومة البيانات في البحرين، من خلال سلسلة اجتماعات وطنية حول أهداف التنمية المستدامة وورشة عمل بشأن مؤشرات الهدف السادس عشر المتعلق بالسلام والعدالة والمؤسسات القوية.
كما تناول التقرير التحديات الجديدة المرتبطة بالفaضاء الرقمي، ومنها العنف القائم على النوع الاجتماعي الذي تسهله التكنولوجيا، حيث دعمت الأمم المتحدة مشاركة أخصائية بحرينية في دورة تدريبية إقليمية للمدربين، فيما يتجه العمل خلال 2026 إلى توسيع نطاق وحدات السلامة الرقمية لتشمل المراكز المجتمعية والمدارس في مختلف أنحاء المملكة.
وفي المسار الرابع، «الكوكب»، ركز التعاون على تعزيز المرونة المناخية والإدارة المستدامة للموارد الطبيعية، إلى جانب أطر المناخ والطبيعة والتلوث.
وواصلت الأمم المتحدة خلال 2025 مبادرة «بناء مدن أكثر خضرة وصحة في البحرين»، وأسهمت في إعداد «دليل الأشجار والشجيرات الحضرية في البحرين»، إلى جانب تدريب موظفين وبلديين على عزل الكربون والحراجـة الحضرية وأدوات مراقبة الغطاء الأخضر.
كما استمرت حملة التشجير «بذور البحرين» بمشاركة الطلبة وأفراد المجتمع والموظفين الحكوميين.
وفي مجال التنوع البيولوجي، شارك 92 مشاركاً من 60 مؤسسة وطنية في 14 مشاورة موضوعية هدفت إلى مواءمة الاستراتيجية الوطنية وخطة العمل للتنوع البيولوجي في البحرين مع إطار كونمينغ-مونتريال العالمي للتنوع البيولوجي.
ويضع إطار التعاون هدفاً يتمثل في أن يستفيد جميع سكان البحرين بحلول عام 2029 من تعزيز المرونة البيئية والاستدامة، عبر إجراءات مناخية موجهة، والحد من التلوث، والإدارة المستدامة للأراضي والموارد الطبيعية والتنمية منخفضة الكربون.
شراكة واسعة مع الحكومة والقطاع الخاص والمجتمع المدني
ويكشف التقرير عن اتساع قاعدة الشراكة بين الأمم المتحدة والجهات البحرينية، إذ تعد حكومة البحرين الشريك الرئيسي للأمم المتحدة في المملكة ومصدر تمويلها الأساسي، فيما شاركت مجموعة واسعة من الوزارات والهيئات الحكومية في تنفيذ إطار التعاون عبر نتائجه الأربع.
وتشمل منظومة الشركاء وزارات وجهات حكومية متعددة، إلى جانب شركات ومؤسسات من القطاع الخاص، ومنظمات مجتمع مدني، وجامعات ومؤسسات تعليمية، بما يعكس نهجاً يقوم على توسيع نطاق الشراكة لتحقيق أهداف التنمية المستدامة.
البحرين في سياق إقليمي متغير
ووضع التقرير نتائج التعاون التنموي في سياق إقليمي اتسم خلال 2025 بعدم الاستقرار، مشيراً إلى استمرار الحرب في غزة والمواجهة العسكرية التي استمرت 12 يوماً بين إيران وإسرائيل في يونيو 2025، وما صاحب ذلك من حالة عدم يقين في منطقة الخليج وانعكاسات محتملة على التجارة والأسواق والعمالة الوافدة.
وفي المقابل، أشار التقرير إلى مواصلة البحرين تنفيذ أهداف رؤيتها الاقتصادية، مدفوعة بأداء القطاعات غير النفطية، ولا سيما الخدمات المالية والمعلومات والاتصالات والخدمات اللوجستية، مع استمرار التركيز على معالجة بطالة الشباب، وتعزيز مشاركة المرأة في القطاع الخاص، وتنويع الإيرادات الحكومية، والاستدامة المالية.
كما أشار إلى تعزيز البحرين حضورها الدولي بانتخابها عضواً غير دائم في مجلس الأمن للفترة 2026-2027، إلى جانب رئاستها للمجلس الأعلى لمجلس التعاون الخليجي.
ويخلص التقرير إلى أن عام 2025 وضع الأساس التشغيلي والمؤسسي لإطار التعاون الممتد حتى 2029، فيما تتجه المرحلة المقبلة إلى تعزيز التكامل بين الحكومة والأمم المتحدة والشركاء الآخرين.
ويؤكد التقرير أن إنشاء مجموعات النتائج المشتركة يمثل تحولاً مهماً في آلية العمل، إذ يجمع بين كبار المسؤولين الحكوميين وممثلي الأمم المتحدة، ويربط هذه المجموعات بلجنة توجيهية مشتركة يرأسها وكيل وزارة الخارجية للشؤون السياسية والمنسق المقيم للأمم المتحدة، بما يسمح بتحويل الدروس الفنية والنتائج العملية إلى حوار سياسي رفيع المستوى.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك