العدد : ١٧٦٨٨ - الخميس ٢٧ أغسطس ٢٠٢٦ م، الموافق ١٤ ربيع الأول ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٨٨ - الخميس ٢٧ أغسطس ٢٠٢٦ م، الموافق ١٤ ربيع الأول ١٤٤٨هـ

أخبار البحرين

وزيرة خارجية اليمن د. أفراح الزوبة في حوار خاص لـ«أخبار الخليج»:
البحرين مركز رئيسي في منظومة الأمن البحري الإقليمي

الخميس ٢٧ أغسطس ٢٠٢٦ - 02:00

علاقة‭ ‬إيران‭ ‬بالحوثيين‭ ‬تخدم‭ ‬مشروعها‭ ‬التوسعي‭ ‬في‭ ‬المنطقة

الحوثيون‭ ‬تجاوزوا‭ ‬حدود‭ ‬اليمن‭ ‬وأصبحوا‭ ‬عامل‭ ‬عدم‭ ‬استقرار‭ ‬إقليمي‭ ‬ودولي

‮«‬التخادم‮»‬‭ ‬الإيراني‭ ‬الحوثي‭ ‬يعزز‭ ‬مشروع‭ ‬المليشيا‭ ‬ويهدد‭ ‬استقرار‭ ‬المنطقة


أجرى‭ ‬الحوار‭: ‬ياسمين‭ ‬العقيدات

تصوير‭ - ‬رضا‭ ‬جميل‭ ‬

 

أكدت‭ ‬الدكتورة‭ ‬أفراح‭ ‬عبدالعزيز‭ ‬الزوبة،‭ ‬وزيرة‭ ‬الخارجية‭ ‬وشؤون‭ ‬المغتربين‭ ‬في‭ ‬الجمهورية‭ ‬اليمنية،‭ ‬أن‭ ‬الهجمات‭ ‬الحوثية‭ ‬وتهديداتها‭ ‬للملاحة‭ ‬البحرية‭ ‬في‭ ‬باب‭ ‬المندب‭ ‬والبحر‭ ‬الأحمر‭ ‬وخليج‭ ‬عدن‭ ‬تمثل‭ ‬تهديداً‭ ‬بالغ‭ ‬الخطورة‭ ‬لحرية‭ ‬الملاحة‭ ‬وأمن‭ ‬المنطقة‭ ‬والعالم‭ ‬وخطوط‭ ‬إمداد‭ ‬الطاقة‭ ‬والتجارة،‭ ‬مشيرة‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬استمرار‭ ‬هذا‭ ‬السلوك‭ ‬بالتزامن‭ ‬مع‭ ‬التهديدات‭ ‬الإيرانية‭ ‬في‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز‭ ‬يظهر‭ ‬وجود‭ ‬تنسيق‭ ‬بين‭ ‬إيران‭ ‬والحوثيين‭ ‬للتأثير‭ ‬على‭ ‬حركة‭ ‬تدفق‭ ‬الوقود‭ ‬والسلع‭ ‬في‭ ‬العالم‭. ‬وأكدت‭ ‬أن‭ ‬إيقاف‭ ‬الدعم‭ ‬الإيراني‭ ‬للحوثيين‭ ‬مهم‭ ‬للغاية‭ ‬لكنه‭ ‬غير‭ ‬كافٍ،‭ ‬وأن‭ ‬الشرط‭ ‬الأساسي‭ ‬للسلام‭ ‬يتمثل‭ ‬في‭ ‬انتزاع‭ ‬سلاح‭ ‬المليشيات‭ ‬وتحويلها‭ ‬إلى‭ ‬العمل‭ ‬السياسي،‭ ‬ودعم‭ ‬الدولة‭ ‬اليمنية‭ ‬في‭ ‬بسط‭ ‬سيطرتها‭ ‬على‭ ‬كامل‭ ‬التراب‭ ‬الوطني‭ ‬واحتكار‭ ‬السلاح‭ ‬في‭ ‬يد‭ ‬الدولة‭.‬

وأشادت‭ ‬خلال‭ ‬حوار‭ ‬خاص‭ ‬مع‭ ‬‮«‬أخبار‭ ‬الخليج‮»‬‭ ‬بالدور‭ ‬الحيوي‭ ‬للمملكة‭ ‬العربية‭ ‬السعودية‭ ‬ومملكة‭ ‬البحرين‭ ‬ودول‭ ‬الخليج‭ ‬في‭ ‬دعم‭ ‬اليمن،‭ ‬مؤكدة‭ ‬أهمية‭ ‬استمرار‭ ‬دعم‭ ‬الدولة‭ ‬اليمنية‭ ‬والحفاظ‭ ‬على‭ ‬وحدتها‭ ‬وسيادتها‭ ‬وسلامة‭ ‬أراضيها‭. ‬كما‭ ‬أكدت‭ ‬حرص‭ ‬الحكومة‭ ‬اليمنية‭ ‬على‭ ‬تماسك‭ ‬البلاد،‭ ‬واعتبارها‭ ‬الممثل‭ ‬الشرعي‭ ‬والمعبر‭ ‬عن‭ ‬موقف‭ ‬الشعب‭ ‬اليمني‭ ‬ورؤيته‭ ‬بشكل‭ ‬كامل،‭ ‬مشيرة‭ ‬إلى‭ ‬صعوبة‭ ‬الأوضاع‭ ‬الإنسانية‭ ‬والاقتصادية‭ ‬في‭ ‬مناطق‭ ‬سيطرة‭ ‬الحوثيين،‭ ‬وما‭ ‬وصفته‭ ‬بالانتهاكات‭ ‬المتعددة‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬حقوق‭ ‬الإنسان‭.‬

وفيما‭ ‬يتعلق‭ ‬بالدور‭ ‬الدولي،‭ ‬أكدت‭ ‬أن‭ ‬الحكومة‭ ‬اليمنية‭ ‬تفضل‭ ‬مسار‭ ‬السلام‭ ‬وتدعو‭ ‬إليه‭ ‬لحقن‭ ‬الدماء‭ ‬وتجنيب‭ ‬البلاد‭ ‬المزيد‭ ‬من‭ ‬الدمار،‭ ‬لكنها‭ ‬تتمسك‭ ‬بسلام‭ ‬حقيقي‭ ‬ودائم‭ ‬يستند‭ ‬إلى‭ ‬المرجعيات‭ ‬والقرارات‭ ‬الدولية،‭ ‬مؤكدة‭ ‬أن‭ ‬اليمن‭ ‬لا‭ ‬يحتمل‭ ‬12‭ ‬سنة‭ ‬أخرى‭ ‬من‭ ‬الأزمة،‭ ‬وأن‭ ‬خبرات‭ ‬الحكومة‭ ‬اليمنية‭ ‬التراكمية‭ ‬مع‭ ‬النظام‭ ‬الإيراني‭ ‬لا‭ ‬تدفع‭ ‬إلى‭ ‬الاعتقاد‭ ‬بتوقفه‭ ‬عن‭ ‬دعم‭ ‬الحوثيين‭.‬

 

‭- ‬في‭ ‬ظل‭ ‬ارتباط‭ ‬الحوثيين‭ ‬بإيران‭ ‬واستمرار‭ ‬هجماتهم،‭ ‬كيف‭ ‬تنظرون‭ ‬إلى‭ ‬انعكاس‭ ‬ذلك‭ ‬على‭ ‬الملاحة‭ ‬الدولية‭ ‬وأمن‭ ‬البحر‭ ‬الأحمر‭ ‬وباب‭ ‬المندب‭ ‬والاقتصاد‭ ‬العالمي؟

التهديد‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬يعني‭ ‬اليمن‭ ‬وحده‭. ‬حين‭ ‬تدخل‭ ‬الصواريخ‭ ‬والطائرات‭ ‬المسيّرة‭ ‬في‭ ‬حسابات‭ ‬شركات‭ ‬الملاحة‭ ‬والتأمين‭ ‬وأسواق‭ ‬الطاقة‭ ‬وسلاسل‭ ‬الإمداد،‭ ‬نكون‭ ‬أمام‭ ‬أزمة‭ ‬تتجاوز‭ ‬حدود‭ ‬اليمن‭ ‬إلى‭ ‬الأمن‭ ‬والاقتصاد‭ ‬الإقليمي‭ ‬والدولي‭.‬

وموقع‭ ‬اليمن‭ ‬يضاعف‭ ‬حساسية‭ ‬المسألة‭: ‬باب‭ ‬المندب‭ ‬والبحر‭ ‬الأحمر‭ ‬ليسا‭ ‬مجرد‭ ‬حدود‭ ‬بحرية‭ ‬لبلادنا،‭ ‬بل‭ ‬شريان‭ ‬للتجارة‭ ‬والطاقة‭ ‬بين‭ ‬الشرق‭ ‬والغرب‭. ‬وما‭ ‬كان‭ ‬يفترض‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬مصدر‭ ‬قوة‭ ‬وفرصة‭ ‬لليمن،‭ ‬تحاول‭ ‬المليشيا‭ ‬الحوثية‭ ‬تحويله‭ ‬إلى‭ ‬أداة‭ ‬ضغط‭ ‬وابتزاز،‭ ‬فيما‭ ‬يدفع‭ ‬اليمنيون‭ ‬أنفسهم‭ ‬جزءاً‭ ‬كبيراً‭ ‬من‭ ‬الكلفة‭ ‬عبر‭ ‬ارتفاع‭ ‬أسعار‭ ‬النقل‭ ‬والاستيراد‭ ‬وتراجع‭ ‬النشاط‭ ‬الاقتصادي‭.‬

ولهذا‭ ‬نقول‭ ‬إن‭ ‬حماية‭ ‬السفن‭ ‬في‭ ‬عرض‭ ‬البحر‭ ‬ضرورة،‭ ‬لكنها‭ ‬تعالج‭ ‬النتيجة‭ ‬أكثر‭ ‬مما‭ ‬تعالج‭ ‬سببها‭. ‬

الأمن‭ ‬المستدام‭ ‬يبدأ‭ ‬من‭ ‬دولة‭ ‬يمنية‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬حماية‭ ‬سواحلها‭ ‬وموانئها‭ ‬ومياهها‭ ‬الإقليمية‭ ‬وبسط‭ ‬سلطتها‭ ‬على‭ ‬كامل‭ ‬أراضيها،‭ ‬ومكافحة‭ ‬تهريب‭ ‬السلاح،‭ ‬وبناء‭ ‬قدرات‭ ‬خفر‭ ‬السواحل‭ ‬والقوات‭ ‬البحرية،‭ ‬بالتنسيق‭ ‬والتكامل‭ ‬مع‭ ‬تحالف‭ ‬دعم‭ ‬الشرعية‭ ‬بقيادة‭ ‬المملكة‭ ‬العربية‭ ‬السعودية،‭ ‬وبالشراكة‭ ‬مع‭ ‬الأطر‭ ‬البحرية‭ ‬الإقليمية‭ ‬والدولية‭.‬

ومن‭ ‬هنا‭ ‬تكتسب‭ ‬البحرين‭ ‬أهمية‭ ‬خاصة‭ ‬بوصفها‭ ‬مركزاً‭ ‬رئيسياً‭ ‬في‭ ‬منظومة‭ ‬الأمن‭ ‬البحري‭ ‬الإقليمي،‭ ‬بما‭ ‬يفتح‭ ‬مجالاً‭ ‬أوسع‭ ‬للتعاون‭ ‬في‭ ‬التدريب‭ ‬وتبادل‭ ‬المعلومات‭ ‬وبناء‭ ‬القدرات‭. ‬فكلما‭ ‬كانت‭ ‬الدولة‭ ‬اليمنية‭ ‬أقوى‭ ‬على‭ ‬ساحلها،‭ ‬كان‭ ‬باب‭ ‬المندب‭ ‬أكثر‭ ‬أمناً‭ ‬لليمن‭ ‬والمنطقة‭ ‬والعالم‭.‬

‭-‬في‭ ‬ظل‭ ‬استمرار‭ ‬الأزمة‭ ‬اليمنية،‭ ‬كيف‭ ‬تصفون‭ ‬الأوضاع‭ ‬الإنسانية‭ ‬التي‭ ‬يعيشها‭ ‬الشعب‭ ‬اليمني،‭ ‬وما‭ ‬أبرز‭ ‬الآثار‭ ‬التي‭ ‬خلفتها‭ ‬انتهاكات‭ ‬الحوثيين‭ ‬على‭ ‬المدنيين؟

الإنسان‭ ‬اليمني‭ ‬هو‭ ‬من‭ ‬دفع‭ ‬الكلفة‭ ‬الأقسى‭ ‬طوال‭ ‬سنوات‭ ‬الحرب‭. ‬لم‭ ‬تقتصر‭ ‬المعاناة‭ ‬على‭ ‬القتل‭ ‬والنزوح‭ ‬والانتهاكات،‭ ‬بل‭ ‬امتدت‭ ‬إلى‭ ‬تآكل‭ ‬الاقتصاد،‭ ‬وتعطل‭ ‬الموارد‭ ‬والخدمات،‭ ‬وفقدان‭ ‬فرص‭ ‬العمل‭ ‬والدخل‭.‬

ولا‭ ‬يمكن‭ ‬اختزال‭ ‬الأزمة‭ ‬الإنسانية‭ ‬في‭ ‬حجم‭ ‬المساعدات‭ ‬الدولية‭ ‬وحدها‭. ‬حين‭ ‬تتعرض‭ ‬منشآت‭ ‬وموانئ‭ ‬تصدير‭ ‬النفط‭ ‬للهجمات‭ ‬ويتوقف‭ ‬أهم‭ ‬مورد‭ ‬للدولة،‭ ‬ينعكس‭ ‬ذلك‭ ‬مباشرة‭ ‬على‭ ‬الرواتب‭ ‬والكهرباء‭ ‬والصحة‭ ‬والتعليم‭ ‬واستقرار‭ ‬العملة‭. ‬وحين‭ ‬تستولى‭ ‬جماعة‭ ‬مسلحة‭ ‬على‭ ‬الموارد،‭ ‬وتعرقل‭ ‬المساعدات،‭ ‬وتحتجز‭ ‬موظفي‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬والمنظمات‭ ‬الإنسانية،‭ ‬يصبح‭ ‬المواطن‭ ‬عملياً‭ ‬رهينة‭ ‬للصراع‭ ‬وضحيته‭ ‬الأولى‭.‬

وفي‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه،‭ ‬موقفنا‭ ‬واضح‭ ‬تجاه‭ ‬المواطنين‭ ‬في‭ ‬المناطق‭ ‬الخاضعة‭ ‬لسيطرة‭ ‬الحوثيين‭: ‬هؤلاء‭ ‬مواطنون‭ ‬يمنيون‭ ‬لهم‭ ‬الحقوق‭ ‬نفسها،‭ ‬وليسوا‭ ‬خصوماً‭ ‬للدولة‭. ‬معركتنا‭ ‬مع‭ ‬الانقلاب‭ ‬والسلاح‭ ‬الخارج‭ ‬عن‭ ‬المؤسسات،‭ ‬وليست‭ ‬مع‭ ‬منطقة‭ ‬أو‭ ‬قبيلة‭ ‬أو‭ ‬مذهب‭. ‬ولهذا‭ ‬نؤكد‭ ‬حماية‭ ‬المدنيين‭ ‬وحقوقهم‭ ‬وممتلكاتهم،‭ ‬ورفض‭ ‬الانتقام‭ ‬والفوضى‭ ‬والإقصاء‭.‬

المساعدات‭ ‬الإنسانية‭ ‬تخفف‭ ‬الألم،‭ ‬لكنها‭ ‬لا‭ ‬تستطيع‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬بديلاً‭ ‬دائماً‭ ‬عن‭ ‬الدولة‭. ‬الحل‭ ‬المستدام‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬تستعيد‭ ‬الدولة‭ ‬مواردها‭ ‬وقدرتها‭ ‬على‭ ‬دفع‭ ‬الرواتب‭ ‬وتشغيل‭ ‬المدرسة‭ ‬والمستشفى‭ ‬وحماية‭ ‬الاقتصاد‭ ‬وتقديم‭ ‬سائر‭ ‬الخدمات‭ ‬للمواطن‭.‬

‭-‬ما‭ ‬أهمية‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬وحدة‭ ‬اليمن‭ ‬وسيادته‭ ‬وسلامة‭ ‬أراضيه،‭ ‬وكيف‭ ‬تتعامل‭ ‬الحكومة‭ ‬مع‭ ‬القضايا‭ ‬والتطلعات‭ ‬السياسية‭ ‬التي‭ ‬برزت‭ ‬خلال‭ ‬سنوات‭ ‬الحرب؟

وحدة‭ ‬اليمن‭ ‬في‭ ‬جوهرها‭ ‬هي‭ ‬وحدة‭ ‬السيادة‭ ‬والقرار‭ ‬والانسجام‭ ‬الأهلي،‭ ‬ولا‭ ‬يكفي‭ ‬لتحققها‭ ‬مجرد‭ ‬خطوط‭ ‬حدودية‭ ‬على‭ ‬الخريطة‭. ‬

معنى‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬هناك‭ ‬دولة‭ ‬واحدة،‭ ‬ومؤسسات‭ ‬وطنية‭ ‬واحدة،‭ ‬وقرار‭ ‬سيادي‭ ‬لا‭ ‬ينازعه‭ ‬سلاح‭ ‬أو‭ ‬سلطة‭ ‬موازية‭.‬

ونحن‭ ‬لا‭ ‬نتجاهل‭ ‬أن‭ ‬في‭ ‬اليمن‭ ‬قضايا‭ ‬سياسية‭ ‬وتاريخية‭ ‬ومشكلات‭ ‬وتطلعات‭ ‬مشروعة،‭ ‬لا‭ ‬يصنع‭ ‬التعالي‭ ‬عليها‭ ‬استقراراً،‭ ‬لكن‭ ‬معالجة‭ ‬القضايا‭ ‬العادلة‭ ‬لن‭ ‬تستقيم‭ ‬إلا‭ ‬بالحوار‭ ‬والسياسة‭ ‬والضمانات‭ ‬والمؤسسات،‭ ‬لا‭ ‬بتحويلها‭ ‬إلى‭ ‬ذريعة‭ ‬لتعدد‭ ‬السلطات‭ ‬والجيوش‭ ‬وفرض‭ ‬الأمر‭ ‬الواقع‭ ‬بالقوة‭.‬

وحين‭ ‬نتحدث‭ ‬عن‭ ‬استعادة‭ ‬الدولة،‭ ‬فنحن‭ ‬لا‭ ‬ندعو‭ ‬إلى‭ ‬إعادة‭ ‬إنتاج‭ ‬اختلالات‭ ‬الماضي،‭ ‬بل‭ ‬إلى‭ ‬دولة‭ ‬أكثر‭ ‬كفاءة‭ ‬وعدالة،‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬المواطنة‭ ‬وسيادة‭ ‬القانون‭ ‬وتتسع‭ ‬للتنوع‭ ‬السياسي‭ ‬والاجتماعي‭ ‬والثقافي‭. ‬وهذا‭ ‬يتصل‭ ‬مباشرة‭ ‬بمسار‭ ‬الإصلاح‭ ‬المؤسسي‭ ‬الذي‭ ‬بدأته‭ ‬الحكومة‭ ‬لمراجعة‭ ‬الهياكل‭ ‬والاختصاصات‭ ‬ومعالجة‭ ‬التداخلات‭ ‬التي‭ ‬تراكمت‭ ‬خلال‭ ‬سنوات‭ ‬الحرب‭.‬

الدولة‭ ‬التي‭ ‬نريدها‭ ‬مشروع‭ ‬جامع‭ ‬لا‭ ‬مشروع‭ ‬غلبة؛‭ ‬دولة‭ ‬تستوعب‭ ‬التنوع‭ ‬وتحمي‭ ‬الحقوق،‭ ‬لكنها‭ ‬لا‭ ‬تقبل‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬بوجود‭ ‬سلطات‭ ‬مسلحة‭ ‬موازية‭ ‬تقرر‭ ‬منفردة‭ ‬متى‭ ‬يحارب‭ ‬اليمن‭ ‬ومتى‭ ‬يسالم‭.‬

‭-‬كيف‭ ‬تقيمون‭ ‬الدور‭ ‬الذي‭ ‬تقوم‭ ‬به‭ ‬دول‭ ‬مجلس‭ ‬التعاون‭ ‬الخليجي‭ ‬في‭ ‬مساعدة‭ ‬اليمن،‭ ‬وما‭ ‬الذي‭ ‬تمثله‭ ‬هذه‭ ‬الشراكة‭ ‬في‭ ‬المرحلة‭ ‬المقبلة؟

العلاقة‭ ‬بين‭ ‬اليمن‭ ‬والخليج‭ ‬أكبر‭ ‬من‭ ‬معادلة‭ ‬مانح‭ ‬ومتلقٍ،‭ ‬وهي‭ ‬أيضاً‭ ‬أكبر‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬توصف‭ ‬بعلاقة‭ ‬طبيعية‭ ‬حسنة‭. ‬اليمن‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬الفضاء‭ ‬الجغرافي‭ ‬والأمني‭ ‬والاقتصادي‭ ‬للخليج،‭ ‬وما‭ ‬يحدث‭ ‬فيه‭ ‬لا‭ ‬يبقى‭ ‬داخل‭ ‬حدوده‭.‬

لقد‭ ‬وقفت‭ ‬دول‭ ‬مجلس‭ ‬التعاون‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬اليمن‭ ‬وقيادته‭ ‬الشرعية‭ ‬في‭ ‬مراحل‭ ‬شديدة‭ ‬الصعوبة،‭ ‬سياسياً‭ ‬واقتصاديا‭ ‬وإنسانيا‭ ‬وتنمويا،‭ ‬وفي‭ ‬مقدمة‭ ‬ذلك‭ ‬الدور‭ ‬الذي‭ ‬تضطلع‭ ‬به‭ ‬المملكة‭ ‬العربية‭ ‬السعودية‭ ‬في‭ ‬قيادة‭ ‬تحالف‭ ‬دعم‭ ‬الشرعية‭ ‬وإسناد‭ ‬مؤسسات‭ ‬الدولة‭. ‬وقد‭ ‬أسهم‭ ‬هذا‭ ‬الدعم‭ ‬في‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬المؤسسات‭ ‬وقدرة‭ ‬الحكومة‭ ‬على‭ ‬العمل‭ ‬في‭ ‬ظروف‭ ‬استثنائية‭.‬

لكن‭ ‬طموحنا‭ ‬اليوم‭ ‬هو‭ ‬الانتقال‭ ‬من‭ ‬إدارة‭ ‬الأزمة‭ ‬إلى‭ ‬بناء‭ ‬الشراكة‭: ‬في‭ ‬التعافي‭ ‬وإعادة‭ ‬الإعمار،‭ ‬والطاقة‭ ‬والتجارة‭ ‬والاستثمار،‭ ‬وبناء‭ ‬القدرات‭ ‬والأمن‭ ‬البحري،‭ ‬والاستفادة‭ ‬من‭ ‬الخبرات‭ ‬الخليجية‭ ‬في‭ ‬الإدارة‭ ‬والتحول‭ ‬المؤسسي‭ ‬والرقمي‭ ‬والخدمات‭. ‬وهذا‭ ‬يتكامل‭ ‬مع‭ ‬الإصلاحات‭ ‬التي‭ ‬تعمل‭ ‬عليها‭ ‬الحكومة‭ ‬داخلياً‭ ‬حتى‭ ‬يكون‭ ‬الدعم‭ ‬قابلاً‭ ‬للاستيعاب‭ ‬وأكثر‭ ‬أثراً‭ ‬واستدامة‭.‬

نريد‭ ‬أن‭ ‬ينتقل‭ ‬السؤال‭ ‬من‭: ‬كيف‭ ‬نساعد‭ ‬اليمن‭ ‬في‭ ‬أزمته؟‭ ‬إلى‭ ‬سؤال‭ ‬أوسع‭: ‬كيف‭ ‬نبني‭ ‬معاً‭ ‬يمناً‭ ‬مستقراً‭ ‬وقادراً،‭ ‬يشكل‭ ‬قيمة‭ ‬مضافة‭ ‬لأمن‭ ‬الخليج‭ ‬واقتصاده‭ ‬واستقراره؟

‭-‬كيف‭ ‬تنظرون‭ ‬إلى‭ ‬موقف‭ ‬مملكة‭ ‬البحرين‭ ‬المساند‭ ‬لليمن،‭ ‬وما‭ ‬الذي‭ ‬تتطلعون‭ ‬إلى‭ ‬تحقيقه‭ ‬من‭ ‬زيارتكم‭ ‬الحالية‭ ‬للمنامة؟

ميزة‭ ‬الموقف‭ ‬البحريني‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلينا‭ ‬أنه‭ ‬موقف‭ ‬ثابت‭ ‬ومتراكم،‭ ‬لا‭ ‬يرتبط‭ ‬بزيارة‭ ‬أو‭ ‬مناسبة‭. ‬البحرين‭ ‬وقفت‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬الشرعية‭ ‬ومؤسسات‭ ‬الدولة‭ ‬اليمنية،‭ ‬وكان‭ ‬لها‭ ‬حضور‭ ‬ضمن‭ ‬تحالف‭ ‬دعم‭ ‬الشرعية،‭ ‬وتواصل‭ ‬التعبير‭ ‬عن‭ ‬هذا‭ ‬الموقف‭ ‬بوضوح‭ ‬في‭ ‬المحافل‭ ‬الدولية‭ ‬ومجلس‭ ‬الأمن‭.‬

ونقدر‭ ‬بصورة‭ ‬خاصة‭ ‬دعم‭ ‬البحرين‭ ‬لوحدة‭ ‬اليمن‭ ‬وسيادته‭ ‬وسلامة‭ ‬أراضيه،‭ ‬ومساندتها‭ ‬لمجلس‭ ‬القيادة‭ ‬الرئاسي‭ ‬والحكومة،‭ ‬ومواقفها‭ ‬الرافضة‭ ‬للتصعيد‭ ‬الحوثي‭ ‬والتهديدات‭ ‬التي‭ ‬تطال‭ ‬دول‭ ‬الجوار‭ ‬والملاحة‭ ‬الدولية،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬اهتمامها‭ ‬بالملف‭ ‬الإنساني‭ ‬واحتجاز‭ ‬العاملين‭ ‬في‭ ‬المنظمات‭ ‬الدولية‭.‬

ومن‭ ‬هنا‭ ‬يأتي‭ ‬هدف‭ ‬زيارتي‭ ‬للمنامة‭ ‬في‭ ‬البناء‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬الرصيد‭: ‬نريد‭ ‬تشاورا‭ ‬سياسيا‭ ‬أكثر‭ ‬انتظاما‭ ‬بين‭ ‬وزارتي‭ ‬الخارجية‭ ‬وبعثتي‭ ‬البلدين‭ ‬في‭ ‬نيويورك،‭ ‬وتعاوناً‭ ‬أوسع‭ ‬في‭ ‬الأمن‭ ‬البحري‭ ‬وبناء‭ ‬قدرات‭ ‬خفر‭ ‬السواحل‭ ‬والقوات‭ ‬البحرية،‭ ‬والاستفادة‭ ‬من‭ ‬الأطر‭ ‬البحرية‭ ‬الموجودة‭ ‬في‭ ‬البحرين،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬توسيع‭ ‬التعاون‭ ‬الاقتصادي‭ ‬والمؤسسي‭.‬

وهناك‭ ‬أيضاً‭ ‬بُعد‭ ‬إنساني‭ ‬واجتماعي‭ ‬مهم‭ ‬يتعلق‭ ‬بالجالية‭ ‬اليمنية‭ ‬ذات‭ ‬الحضور‭ ‬القديم‭ ‬في‭ ‬البحرين‭ ‬وما‭ ‬تحظى‭ ‬به‭ ‬من‭ ‬رعاية‭ ‬وتسهيلات‭. ‬ما‭ ‬نريده‭ ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬الزيارة‭ ‬هو‭ ‬قنوات‭ ‬عمل‭ ‬مستمرة‭ ‬وملفات‭ ‬قابلة‭ ‬للمتابعة،‭ ‬لا‭ ‬مجرد‭ ‬تواصل‭ ‬موسمي‭ ‬أو‭ ‬مناسباتي‭ ‬ينتهي‭ ‬إلى‭ ‬الانقطاع‭ ‬أو‭ ‬الجمود‭. ‬

‭-‬كيف‭ ‬تقيمون‭ ‬دور‭ ‬المجتمع‭ ‬الدولي‭ ‬والأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬في‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬الأزمة‭ ‬اليمنية،‭ ‬وما‭ ‬المطلوب‭ ‬منهما‭ ‬خلال‭ ‬المرحلة‭ ‬المقبلة؟

المشكلة‭ ‬في‭ ‬اليمن‭ ‬ليست‭ ‬في‭ ‬نقص‭ ‬القرارات‭ ‬أو‭ ‬بيانات‭ ‬الإدانة،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬الفجوة‭ ‬بين‭ ‬الموقف‭ ‬السياسي‭ ‬وقدرته‭ ‬على‭ ‬تغيير‭ ‬السلوك‭ ‬على‭ ‬الأرض‭.‬

نقدر‭ ‬جهود‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬والمبعوث‭ ‬الخاص،‭ ‬ونقدر‭ ‬المواقف‭ ‬التي‭ ‬تؤكد‭ ‬سيادة‭ ‬اليمن‭ ‬وتدين‭ ‬الاعتداءات‭ ‬على‭ ‬المدنيين‭ ‬ودول‭ ‬الجوار‭ ‬والسفن‭ ‬التجارية‭. ‬لكن‭ ‬القيمة‭ ‬الحقيقية‭ ‬لهذه‭ ‬المواقف‭ ‬تتوقف‭ ‬على‭ ‬تحويلها‭ ‬إلى‭ ‬إجراءات‭ ‬تنفيذية‭ ‬عملية‭ ‬وتطبيق‭ ‬قرارات‭ ‬مجلس‭ ‬الأمن،‭ ‬وتفعيل‭ ‬نظام‭ ‬الجزاءات‭ ‬وحظر‭ ‬السلاح،‭ ‬وملاحقة‭ ‬شبكات‭ ‬تهريب‭ ‬الصواريخ‭ ‬والطائرات‭ ‬المسيّرة‭ ‬ومكوناتها‭ ‬وتمويلها،‭ ‬ومساءلة‭ ‬الجهات‭ ‬التي‭ ‬تسهل‭ ‬هذه‭ ‬الأنشطة‭.‬

والأمر‭ ‬نفسه‭ ‬ينطبق‭ ‬على‭ ‬البحر‭ ‬الأحمر،‭ ‬حيث‭ ‬حماية‭ ‬السفن‭ ‬هناك‭ ‬ضرورة‭ ‬ومصلحة‭ ‬دولية،‭ ‬لكن‭ ‬الانتشار‭ ‬البحري‭ ‬وحده‭ ‬لا‭ ‬يصنع‭ ‬أمناً‭ ‬مستداماً‭ ‬إذا‭ ‬بقيت‭ ‬مصادر‭ ‬التهديد‭ ‬تعمل‭ ‬على‭ ‬الساحل‭ ‬خارج‭ ‬سلطة‭ ‬الدولة‭. ‬المطلوب‭ ‬بالتوازي‭ ‬هو‭ ‬تمكين‭ ‬الحكومة‭ ‬اليمنية‭ ‬وخفر‭ ‬السواحل‭ ‬وأمن‭ ‬الموانئ‭ ‬ومؤسسات‭ ‬إنفاذ‭ ‬القانون‭.‬

كما‭ ‬نحتاج‭ ‬إلى‭ ‬موقف‭ ‬أممي‭ ‬أكثر‭ ‬حزماً‭ ‬تجاه‭ ‬احتجاز‭ ‬موظفي‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬والمنظمات‭ ‬الإنسانية‭ ‬والتدخل‭ ‬في‭ ‬عملها‭. ‬

نحن‭ ‬لا‭ ‬نطلب‭ ‬من‭ ‬العالم‭ ‬أن‭ ‬يخوض‭ ‬الحرب‭ ‬نيابة‭ ‬عنا؛‭ ‬نطلب‭ ‬ألا‭ ‬يكتفي‭ ‬بإدارة‭ ‬نتائجها‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬نهاية‭ ‬فالسلام‭ ‬المستدام‭ ‬هو‭ ‬الذي‭ ‬يعالج‭ ‬أسباب‭ ‬الصراع‭ ‬ويعيد‭ ‬إلى‭ ‬الدولة‭ ‬سلطاتها‭ ‬الحصرية،‭ ‬لا‭ ‬هدنة‭ ‬تؤجل‭ ‬المشكلة‭.‬

‭-‬ما‭ ‬الذي‭ ‬تطلبه‭ ‬الحكومة‭ ‬اليمنية‭ ‬تحديداً‭ ‬من‭ ‬إيران،‭ ‬وهل‭ ‬ترون‭ ‬فرصة‭ ‬لحوار‭ ‬مباشر‭ ‬لمعالجة‭ ‬هذا‭ ‬الملف؟

ما‭ ‬نطلبه‭ ‬من‭ ‬إيران‭ ‬ليس‭ ‬استثنائيا،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬الأساس‭ ‬الناظم‭ ‬للعلاقات‭ ‬الطبيعية‭ ‬بين‭ ‬الدول‭: ‬احترام‭ ‬سيادة‭ ‬الجمهورية‭ ‬اليمنية،‭ ‬والتعامل‭ ‬مع‭ ‬مؤسساتها‭ ‬الشرعية،‭ ‬ووقف‭ ‬دعم‭ ‬جماعة‭ ‬مسلحة‭ ‬خارج‭ ‬الدولة‭ ‬بالسلاح‭ ‬والتقنيات‭ ‬والخبرات‭ ‬والتمويل،‭ ‬وعدم‭ ‬استخدام‭ ‬الأراضي‭ ‬والموانئ‭ ‬والمطارات‭ ‬اليمنية‭ ‬في‭ ‬ترتيبات‭ ‬تتجاوز‭ ‬قرار‭ ‬الدولة‭.‬

اليمن‭ ‬لا‭ ‬يريد‭ ‬عداوة‭ ‬دائمة‭ ‬مع‭ ‬أي‭ ‬دولة،‭ ‬ويرفض‭ ‬اتخاذ‭ ‬أراضيه‭ ‬ساحة‭ ‬لتصفية‭ ‬الحسابات‭ ‬الإقليمية‭. ‬من‭ ‬مصلحتنا‭ ‬ومصلحة‭ ‬المنطقة‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬العلاقة‭ ‬مع‭ ‬إيران،‭ ‬كما‭ ‬مع‭ ‬غيرها‭: ‬علاقة‭ ‬دولة‭ ‬بدولة،‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬الاحترام‭ ‬المتبادل‭ ‬وعدم‭ ‬التدخل‭ ‬في‭ ‬الشؤون‭ ‬الداخلية‭. ‬أما‭ ‬الحوار،‭ ‬فالدبلوماسية‭ ‬لا‭ ‬تغلق‭ ‬بابه‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬المبدأ،‭ ‬لكن‭ ‬قيمة‭ ‬أي‭ ‬حوار‭ ‬لا‭ ‬تقاس‭ ‬بعدد‭ ‬الاجتماعات،‭ ‬بل‭ ‬بقدرته‭ ‬على‭ ‬تغيير‭ ‬الوقائع‭ ‬التي‭ ‬تسببت‭ ‬في‭ ‬الخلاف‭. ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬هناك‭ ‬استعداد‭ ‬إيراني‭ ‬جاد‭ ‬لوقف‭ ‬التدخل‭ ‬والتسليح‭ ‬واحترام‭ ‬سيادة‭ ‬اليمن‭ ‬وقراره‭ ‬الوطني‭ ‬والاعتذار‭ ‬عن‭ ‬سلوكها‭ ‬غير‭ ‬الطبيعي‭ ‬تجاهه‭ ‬بلادنا‭ ‬وتعويضه‭ ‬عما‭ ‬تسبب‭ ‬به‭ ‬تدخلها‭ ‬من‭ ‬حروب‭ ‬ودمار‭ ‬وأضرار‭ ‬كارثية،‭ ‬فالدبلوماسية‭ ‬لديها‭ ‬أدواتها‭. ‬ما‭ ‬نطلبه‭ ‬هو‭ ‬تغيير‭ ‬يمكن‭ ‬قياسه‭ ‬في‭ ‬السلوك،‭ ‬لا‭ ‬مجرد‭ ‬تغيير‭ ‬في‭ ‬اللغة‭.‬

‭-‬كيف‭ ‬تقرأون‭ ‬طبيعة‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬الحوثيين‭ ‬وإيران،‭ ‬وإلى‭ ‬أي‭ ‬مدى‭ ‬أسهم‭ ‬هذا‭ ‬الدعم‭ ‬في‭ ‬إطالة‭ ‬أمد‭ ‬الأزمة‭ ‬وتعقيد‭ ‬فرص‭ ‬الحل‭ ‬السياسي؟

من‭ ‬المهم‭ ‬أن‭ ‬نصف‭ ‬العلاقة‭ ‬بدقة‭. ‬الحوثيون‭ ‬ليسوا‭ ‬مجرد‭ ‬أداة‭ ‬بلا‭ ‬مشروع‭ ‬محلي؛‭ ‬لديهم‭ ‬مشروع‭ ‬أيديولوجي‭ ‬وسياسي‭ ‬يسعى‭ ‬إلى‭ ‬فرض‭ ‬سلطة‭ ‬بالقوة‭ ‬داخل‭ ‬اليمن‭. ‬لكن‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬فصل‭ ‬القدرات‭ ‬العسكرية‭ ‬التي‭ ‬راكموها،‭ ‬من‭ ‬الصواريخ‭ ‬والطائرات‭ ‬المسيّرة‭ ‬إلى‭ ‬الوسائل‭ ‬البحرية،‭ ‬عن‭ ‬الدعم‭ ‬الإيراني‭ ‬العسكري‭ ‬والتقني‭ ‬والسياسي‭ ‬والمالي،‭ ‬وعن‭ ‬الخبرات‭ ‬والتدريب‭ ‬المتراكمين‭.‬

ولهذا‭ ‬استخدمت‭ ‬سابقاً‭ ‬تعبير‭ ‬‮«‬التخادم‮»‬‭. ‬الحوثي‭ ‬يستفيد‭ ‬من‭ ‬الدعم‭ ‬الإيراني‭ ‬لتعزيز‭ ‬مشروعه‭ ‬وسلطته‭ ‬في‭ ‬الداخل،‭ ‬وإيران‭ ‬تستفيد‭ ‬من‭ ‬الحوثي‭ ‬ومن‭ ‬الموقع‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬لليمن‭ ‬لتوسيع‭ ‬نفوذها‭ ‬وامتلاك‭ ‬ورقة‭ ‬ضغط‭ ‬في‭ ‬الإقليم‭. ‬وفي‭ ‬الحالتين‭ ‬يدفع‭ ‬اليمن‭ ‬ومصالح‭ ‬شعبه‭ ‬الثمن‭.‬

هذا‭ ‬الدعم‭ ‬لا‭ ‬يطيل‭ ‬الحرب‭ ‬عسكرياً‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬يضعف‭ ‬حوافز‭ ‬التسوية‭ ‬أيضاً‭. ‬فعندما‭ ‬يستطيع‭ ‬طرف‭ ‬أن‭ ‬يستخدم‭ ‬فترات‭ ‬التهدئة‭ ‬لإعادة‭ ‬بناء‭ ‬ترسانته‭ ‬وتموضعه،‭ ‬تصبح‭ ‬كلفة‭ ‬عدم‭ ‬الالتزام‭ ‬بالتسوية‭ ‬أقل‭. ‬لذلك‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يسير‭ ‬الضغط‭ ‬على‭ ‬شبكات‭ ‬التسليح‭ ‬والتمويل‭ ‬بالتوازي‭ ‬مع‭ ‬تقوية‭ ‬الدولة‭ ‬الوطنية‭ ‬الشرعية‭. ‬مواجهة‭ ‬شبكة‭ ‬عابرة‭ ‬للحدود‭ ‬لا‭ ‬تكون‭ ‬بإضعاف‭ ‬الدولة‭ ‬التي‭ ‬تواجهها،‭ ‬بل‭ ‬بتمكينها‭.‬

‭-‬هل‭ ‬تجاوز‭ ‬التهديد‭ ‬الحوثي‭ ‬حدود‭ ‬الأزمة‭ ‬اليمنية‭ ‬وأصبح‭ ‬جزءاً‭ ‬من‭ ‬منظومة‭ ‬تهديد‭ ‬إقليمية؟

نعم،‭ ‬والوقائع‭ ‬على‭ ‬الأرض‭ ‬تقول‭ ‬ذلك‭ ‬بوضوح‭. ‬عندما‭ ‬تمتد‭ ‬الاعتداءات‭ ‬من‭ ‬مأرب‭ ‬وحضرموت‭ ‬والمخا‭ ‬إلى‭ ‬أراضي‭ ‬المملكة‭ ‬العربية‭ ‬السعودية،‭ ‬وفي‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬إلى‭ ‬السفن‭ ‬والبحر‭ ‬الأحمر‭ ‬وباب‭ ‬المندب،‭ ‬يصعب‭ ‬التعامل‭ ‬معها‭ ‬بوصفها‭ ‬أحداثاً‭ ‬يمنية‭ ‬منفصلة‭.‬

نحن‭ ‬أمام‭ ‬نمط‭ ‬واحد‭ ‬تتغير‭ ‬جغرافيته‭ ‬وأدواته‭: ‬صواريخ‭ ‬وطائرات‭ ‬مسيّرة،‭ ‬شبكات‭ ‬تهريب‭ ‬وتمويل،‭ ‬تهديد‭ ‬للموانئ‭ ‬والمنشآت‭ ‬المدنية،‭ ‬واستخدام‭ ‬للممرات‭ ‬البحرية‭ ‬في‭ ‬إنتاج‭ ‬ضغط‭ ‬سياسي‭ ‬وأمني‭. ‬ولهذا‭ ‬انتقل‭ ‬التهديد‭ ‬الحوثي‭ ‬من‭ ‬كونه‭ ‬خطراً‭ ‬على‭ ‬الدولة‭ ‬والمواطن‭ ‬اليمني‭ ‬إلى‭ ‬عامل‭ ‬عدم‭ ‬استقرار‭ ‬إقليمي‭ ‬ودولي‭.‬

وهذا‭ ‬الفهم‭ ‬يتقاطع‭ ‬مع‭ ‬الموقف‭ ‬البحريني‭ ‬والخليجي‭ ‬الذي‭ ‬يربط‭ ‬أمن‭ ‬اليمن‭ ‬بأمن‭ ‬الخليج‭ ‬والبحر‭ ‬الأحمر‭. ‬كل‭ ‬مساحة‭ ‬تستعيد‭ ‬فيها‭ ‬الدولة‭ ‬اليمنية‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬ضبط‭ ‬الساحل‭ ‬والموانئ‭ ‬والحدود‭ ‬وشبكات‭ ‬التهريب‭ ‬هو‭ ‬خصم‭ ‬من‭ ‬المساحة‭ ‬المستخدمة‭ ‬من‭ ‬المليشيا‭ ‬الحوثية‭ ‬لتهديد‭ ‬الجوار‭ ‬والتجارة‭ ‬الدولية‭. ‬

أمن‭ ‬اليمن‭ ‬والسعودية‭ ‬والبحرين‭ ‬والخليج‭ ‬والبحر‭ ‬الأحمر،‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المعنى،‭ ‬حلقات‭ ‬مترابطة‭ ‬في‭ ‬منظومة‭ ‬أمن‭ ‬واحدة‭.‬

‭-‬هل‭ ‬يمكن‭ ‬لأي‭ ‬مسار‭ ‬سياسي‭ ‬أن‭ ‬ينجح‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬استمرار‭ ‬الدعم‭ ‬الإيراني‭ ‬للحوثيين،‭ ‬وما‭ ‬شروط‭ ‬السلام‭ ‬المستدام‭ ‬من‭ ‬وجهة‭ ‬نظر‭ ‬الحكومة؟

يمكن‭ ‬أن‭ ‬تفتح‭ ‬باباً‭ ‬للمفاوضات‭ ‬بينما‭ ‬يستمر‭ ‬تدفق‭ ‬السلاح،‭ ‬لكن‭ ‬من‭ ‬الصعب‭ ‬أن‭ ‬تغلق‭ ‬باب‭ ‬الحرب‭ ‬بهذه‭ ‬الطريقة‭. ‬هذا‭ ‬أحد‭ ‬أهم‭ ‬دروس‭ ‬سنوات‭ ‬الهدن‭ ‬والمفاوضات‭. ‬وقف‭ ‬الدعم‭ ‬الإيراني‭ ‬العسكري‭ ‬والتقني‭ ‬والمالي‭ ‬عامل‭ ‬أساسي‭ ‬لإنجاح‭ ‬أي‭ ‬تسوية،‭ ‬لكنه‭ ‬ليس‭ ‬الحل‭ ‬وحده‭. ‬أصل‭ ‬المشكلة‭ ‬في‭ ‬الداخل‭ ‬أيضاً‭ ‬هو‭ ‬وجود‭ ‬سلاح‭ ‬وقرار‭ ‬حرب‭ ‬وسلام‭ ‬خارج‭ ‬مؤسسات‭ ‬الدولة‭. ‬فإذا‭ ‬توقف‭ ‬الدعم‭ ‬الخارجي‭ ‬وبقي‭ ‬نموذج‭ ‬الجماعة‭ ‬المسلحة‭ ‬القادرة‭ ‬على‭ ‬اتخاذ‭ ‬القرار‭ ‬السيادي‭ ‬بصورة‭ ‬مستقلة،‭ ‬نكون‭ ‬قد‭ ‬عالجنا‭ ‬جزءاً‭ ‬من‭ ‬المشكلة‭ ‬وتركنا‭ ‬الجزء‭ ‬الآخر‭. ‬لهذا‭ ‬تتمسك‭ ‬الحكومة‭ ‬بالحل‭ ‬السياسي،‭ ‬لكنها‭ ‬تريد‭ ‬سلاماً‭ ‬ينهي‭ ‬أسباب‭ ‬الصراع‭ ‬لا‭ ‬صيغة‭ ‬لإدارتها‭. ‬أي‭ ‬تسوية‭ ‬قابلة‭ ‬للحياة‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬تنتهي‭ ‬إلى‭ ‬دولة‭ ‬واحدة‭ ‬ومؤسسات‭ ‬وطنية‭ ‬واحدة،‭ ‬وسلاح‭ ‬خاضع‭ ‬للدستور‭ ‬والقانون،‭ ‬مع‭ ‬آليات‭ ‬تنفيذ‭ ‬وضمانات‭ ‬تمنع‭ ‬استخدام‭ ‬التهدئة‭ ‬لإعادة‭ ‬التموضع‭ ‬والتسليح‭. ‬وهذا‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬وضع‭ ‬الحرب‭ ‬بديلاً‭ ‬عن‭ ‬السياسة‭. ‬باب‭ ‬إلقاء‭ ‬السلاح‭ ‬والانخراط‭ ‬في‭ ‬مؤسسات‭ ‬الدولة‭ ‬يظل‭ ‬مفتوحاً،‭ ‬بالتوازي‭ ‬مع‭ ‬رفع‭ ‬الجاهزية‭ ‬واعتماد‭ ‬ردع‭ ‬متكامل‭ ‬يشمل‭ ‬الأدوات‭ ‬العسكرية‭ ‬والأمنية‭ ‬والقانونية‭ ‬والاقتصادية‭ ‬والدبلوماسية‭.  ‬السلام‭ ‬لا‭ ‬يتناقض‭ ‬مع‭ ‬قدرة‭ ‬الدولة؛‭ ‬بل‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬دولة‭ ‬قادرة‭ ‬حتى‭ ‬يستمر‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا