عالج مارك بيرلموتر العديد من المصابين جراء اعتداءات وكوارث طبيعية في أكثر من 30 بلدا، إلا أن هذا الجرّاح الأمريكي يؤكد أن كل ذلك لا يقارن بما رآه من أهوال جراء العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة.
ويقول المتخصص في جراحة العظم لوكالة فرانس برس «أسبوعنا الأول في غزة كان لوحده أسوأ من كل تجاربي مجتمعة»، والتي شملت مهمات عقب هجمات 11 سبتمبر 2001 في الولايات المتحدة، وإعصار كاترينا في لويزيانا، والزلزال المدمّر في هايتي.
وتشكّل تجربة بيرلموتر وطبيبين أمريكيين آخرين في مستشفيات غزة خلال العدوان الذي بدأ في أكتوبر 2023، محور فيلم «أميركان دكتور» («الطبيب الأمريكي») الوثائقي الذي عُرض للمرة الأولى في مهرجان ساندانس السينمائي في مطلع 2026، ويُطرح في دور الفن السابع الأمريكية اعتبارا من الجمعة.
والفيلم هو باكورة الأعمال الوثائقية لبو سي تينغ التي تجنبت أن يكون عملها في صف طرف في الحرب، وركّزت على نقل تجربة ثلاثة أطباء من خلفيات مختلفة هم اليهودي بيرلموتر، والمسلم من أصل فلسطيني ثائر أحمد، وفيروز سيدوا المولود لوالدين زرادشتيين.
ويقول الأخير «يشعر الناس بأنهم يحتاجون الى شهادة دكتوراه في هذا الموضوع لكي يفهموه أو يناقشوه بعقلانية»، في إشارة الى الحرب الراهنة والنزاع الذي يعود لعقود.
يضيف «لكن السؤال ليس ما تعرف عن تاريخ العرب والإسرائيليين، بل: هل تؤيد قتل الأطفال أم لا؟ هل تؤيد تعذيب الأطباء أم لا؟ هل تؤيد قصف المستشفيات أم لا؟».
ويوثّق الوثائقي في أحد أكثر مشاهده إيلاما، «الضربة المزدوجة» على مستشفى ناصر في خان يونس بجنوب القطاع، عندما تعرّض مسعفون لقصف إسرائيلي أثناء محاولتهم إنقاذ مصابين في ضربة على المكان ذاته وقعت قبل وقت قصير.
ويتضمّن الفيلم روايات الأطباء ومحاولتهم معالجة جروح المدنيين الجسدية والنفسية نتيجة الحرب. وبالإضافة إلى علاج الأطراف المبتورة والجروح المفتوحة مع زملائهم الفلسطينيين، يحاول الأطباء الثلاثة الدفاع عن الضحايا داخل أروقة مراكز صنع القرار في واشنطن وعبر وسائل الإعلام الإسرائيلية والأميركية.
ويُظهر الوثائقي الصعوبات الميدانية التي واجهها الأطباء، من تهريب الملابس الخاصة بالعمليات والمضادات الحيوية عبر الحدود للالتفاف على الحصار الإسرائيلي، إلى رفض السلطات الإسرائيلية السماح لهم بالدخول.
كان القرار في شأن ما يجب إظهاره على الشاشة معضلة بالنسبة لبو سي تينغ.
وتوضح المخرجة التي عملت سابقا كمصورة صحفية مع فرانس برس وغيرها من المؤسسات الإعلامية «إذا أظهرت الكثير، يصبح الأمر فظا، ولن يشاهد أحد الفيلم، ومع ذلك تريد أن تكون فعالا في قول الحقيقة. وإذا أظهرت القليل، فلن يكون الأمر حقيقيا».
فعندما تشعر تينغ بأن عرض صورة لأطفال قتلوا هو انتهاك لكرامتهم، يوبّخها بيرلموتر، ويشدد على أن واجبهم هو أن يُروا الأمريكيين ما الذي تُموّله الضرائب التي يدفعونها لحكومتهم، الحليف الأوثق لإسرائيل في العالم.
ويقول «إسرائيل سلبتهم كرامتهم... أنت لا تصونين كرامتهم ما لم تدعي ذكراهم، وأجسادهم، تروي قصة هذه الصدمة، هذه الإبادة الجماعية. أنت لا تسدين لهم خدمة بعدم إظهار ذلك».
وتضيف المخرجة «في تلك اللحظة أدركت ألا مكان للأمر الوسط هنا».

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك