حوار أجراه: أحمد جواد - تصوير: حسين عبدالله
أنجز الباحث الأكاديمي والمعد الذهني إبراهيم الهاجري دراسة ميدانية بعنوان «الصعوبات التي تواجه لاعبي الفئات السنية لكرة القدم في مملكة البحرين»، بهدف تشخيص أبرز التحديات التي تواجه اللاعبين، ومقارنة وجهات نظر اللاعبين والمدربين، والخروج بتوصيات عملية تسهم في تطوير منظومة إعداد المواهب.
وشملت الدراسة 150 لاعبًا من الفئات السنية في 20 ناديًا بحرينيًا، إلى جانب 21 مدربًا، وكشفت عن تحديات نفسية وتنظيمية وتدريبية، أبرزها ضعف التواصل داخل الأندية، وغياب منظومة متكاملة للدعم النفسي، وعدم مواءمة بعض البرامج التدريبية للفروق الفردية والظروف الدراسية، إلى جانب الضغوط النفسية التي يتعرض لها اللاعبون.
وفي هذا الحوار، يتحدث الهاجري عن أبرز نتائج الدراسة، ودور الإعداد الذهني في صناعة اللاعب، واحتياجات الفئات السنية، ودور الأسرة والأندية والاتحاد في بناء جيل قادر على الوصول إلى الفريق الأول والمنتخبات الوطنية.
واقع الفئات السنية
} ما الذي دفعك إلى اختيار موضوع الصعوبات التي تواجه لاعبي الفئات السنية، وما أبرز ما كنت تبحث عن اكتشافه؟
لم يكن اختيار الموضوع وليد الصدفة، بل جاء نتيجة سنوات من العمل الميداني مع لاعبي الفئات السنية ومتابعة تطورهم داخل الأندية. كنت ألاحظ أن كثيرًا من المواهب تمتلك إمكانات كبيرة، لكنها لا تستمر أو لا تصل إلى المستوى الذي يتناسب مع قدراتها، وهذا دفعني إلى طرح سؤال: ما الذي يعيق تطور اللاعب البحريني؟
لذلك هدفت الدراسة إلى الاستماع إلى اللاعبين والمدربين معًا، لفهم الواقع بعيدًا عن الافتراضات، والخروج بتوصيات عملية تسهم في تطوير منظومة إعداد المواهب.
} الدراسة كشفت عن صعوبات نفسية وتنظيمية وتدريبية.. أيها الأكثر تأثيرًا في مسيرة اللاعب؟
لا يمكن فصل هذه الجوانب، لكنها تبدأ غالبًا من الجانب التنظيمي. فعندما تكون بيئة اللاعب مستقرة، وبرنامجه واضحًا، والتواصل داخل النادي فعالًا، يصبح التعامل مع الضغوط النفسية أسهل.
أما إذا اختلت المنظومة، فإن أول من يتأثر هو اللاعب. لذلك أرى أن بناء بيئة احترافية ومنظمة هو الأساس الذي تُبنى عليه الجوانب الفنية والنفسية.
ضغوط اللاعب
} إلى أي مدى يؤثر التوفيق بين الدراسة والتدريب والالتزامات العائلية على اللاعب؟
هذا تحدٍ يعيشه معظم اللاعبين في هذه المرحلة العمرية. فاللاعب طالب وابن في أسرة وله مسؤوليات يومية، وعندما لا تراعى هذه الجوانب يفقد توازنه، وقد يضطر إلى التغيب أو حتى ترك الرياضة.
نجاح برامج الفئات السنية لا يقاس بعدد الحصص التدريبية، وإنما بقدرتها على تحقيق التوازن بين التعليم والتدريب والحياة الأسرية.
} أظهرت الدراسة أن 53.4% من اللاعبين يشعرون بضغط نفسي أثناء التدريبات والمباريات.. كيف يسهم المعد الذهني في التعامل مع هذه الضغوط؟
الضغط النفسي ليس عدوًا للاعب، بل قد يكون مصدرًا للأداء المميز إذا عرف كيف يديره. وهنا يأتي دور المعد الذهني في بناء شخصية اللاعب، وتعزيز ثقته بنفسه، وتنمية تركيزه، وتعليمه كيفية التعامل مع الأخطاء والانتقادات والمنافسة.
اللاعب الذي يمتلك مهارات ذهنية جيدة يستطيع أن يقدم أفضل ما لديه حتى في أصعب الظروف.
غياب الدعم
} 81% من المدربين أكدوا عدم وجود أخصائي نفسي أو معد ذهني في أنديتهم.. ما الذي تخسره الفئات السنية من غياب هذا الدور؟
ما تخسره الأندية أكبر مما تتصور. فالمدرب مسؤول عن الجانب الفني والتكتيكي، لكن اللاعب يحتاج أيضًا إلى من يعتني بجانبه النفسي والذهني.
غياب هذا الدور يعني أن كثيرًا من المشكلات النفسية والسلوكية أو المتعلقة بالثقة بالنفس قد تبقى من دون معالجة حتى تؤثر في مستوى اللاعب واستمراريته. وجود المعد الذهني لا يقلل من دور المدرب، بل يمنحه شريكًا يساعده على استخراج أفضل ما لدى اللاعبين.
} كشفت النتائج عن تفاوت بين وجهات نظر اللاعبين والمدربين.. ماذا تقول هذه الفجوة عن العلاقة والتواصل داخل الأندية؟
هذا التفاوت ليس مؤشرًا سلبيًا بقدر ما هو رسالة تدعو إلى تحسين التواصل. فالمدرب ينظر إلى الأمور من زاوية فنية وإدارية، بينما يعيش اللاعب التجربة بمشاعره وضغوطه اليومية.
لذلك من المهم أن تمنح الأندية اللاعبين مساحة للتعبير عن آرائهم، وأن تعتمد ثقافة الحوار والاستماع، لأن التواصل الجيد أحد أسرار نجاح أي منظومة رياضية.
تطوير المواهب
} هل تراعي برامج تدريب الفئات السنية الفروق الفردية بين اللاعبين؟
كرة القدم الحديثة لم تعد تعتمد على برنامج واحد يناسب الجميع. فكل لاعب يختلف في نضجه البدني والنفسي والذهني، وحتى في طريقة تعلمه واستجابته للتدريب.
المرحلة المقبلة تتطلب برامج أكثر مرونة وتخصصًا، تراعي احتياجات كل فئة عمرية وكل لاعب، لأن الاستثمار الحقيقي يبدأ عندما نتعامل مع اللاعب كحالة فردية وليس كرقم داخل المجموعة.
} ما الاحتياجات الأساسية التي تحتاج اليها الفئات السنية للوصول إلى الأهداف المنشودة؟
اللاعب البحريني يمتلك الموهبة، لكن الموهبة وحدها لا تكفي. نحن بحاجة إلى منظومة متكاملة تشمل التدريب الحديث، والإعداد الذهني، والتغذية، والمتابعة الطبية، وتحليل الأداء، إضافة إلى إدارة احترافية تضع مصلحة اللاعب في المقام الأول.
وعندما تعمل هذه العناصر معًا، يصبح تطوير المواهب عملية مستمرة وليست اجتهادات فردية.
دور الأسرة
} كيف يمكن للأسرة أن تكون عامل دعم للاعب الناشئ بدلًا من أن تتحول إلى مصدر ضغط؟
الأسرة هي الشريك الأول في رحلة اللاعب، ودورها يبدأ بتوفير بيئة نفسية مستقرة. اللاعب يحتاج إلى التشجيع أكثر من حاجته إلى اللوم، ويحتاج إلى من يساعده على التعلم من الأخطاء بدلًا من تضخيمها.
وعندما يكون هناك تواصل مستمر بين الأسرة والنادي، يصبح الجميع يعمل لهدف واحد، وهو مصلحة اللاعب ومستقبله.
التكنولوجيا الحديثة
} إلى أي مدى يمكن للتكنولوجيا وتحليل الأداء أن يسهما في تطوير اللاعب الناشئ؟
اليوم لم تعد التكنولوجيا رفاهية، بل أصبحت جزءًا من صناعة كرة القدم. تحليل الأداء والبيانات والتطبيقات الرقمية تساعد المدرب على اتخاذ قرارات أدق، وتمنح اللاعب تغذية راجعة مستمرة حول تطوره.
لكن نجاح هذه الأدوات لا يعتمد على شرائها فقط، بل على وجود كوادر قادرة على توظيفها بالشكل الصحيح وربطها بالعملية التدريبية اليومية.
مشروع طويل
} ما أبرز الإجراءات التي يجب أن تتخذها الأندية واتحاد الكرة لمعالجة هذه التحديات؟
المرحلة المقبلة تحتاج إلى العمل بمنهجية موحدة، تبدأ بوضع استراتيجية وطنية لتطوير الفئات السنية، مع تحديد معايير واضحة للأندية في مجالات التدريب والإعداد الذهني والمتابعة العلمية.
كما أن الاستثمار في تأهيل الكوادر الوطنية، ورفع كفاءة المدربين، وتوفير فرق عمل متعددة التخصصات داخل الأندية، سيحدث فرقًا كبيرًا في جودة المخرجات خلال السنوات القادمة.
} إذا أردنا لاعبًا بحرينيًا يصل إلى الفريق الأول والمنتخب ويحافظ على استمراريته، فما التغيير الأهم الذي يجب أن يبدأ اليوم؟
علينا أن نتوقف عن التفكير في نتائج الموسم الحالي فقط، ونبدأ بالتفكير في اللاعب الذي سيمثل البحرين بعد خمس أو عشر سنوات. الاستثمار الحقيقي يبدأ من الفئات السنية، من خلال بناء شخصية اللاعب قبل بناء مستواه الفني.
وعندما ننجح في إعداد إنسان منضبط وواثق وقادر على التعامل مع الضغوط، فإننا نضع الأساس لصناعة لاعب يستطيع خدمة ناديه ومنتخب بلاده لسنوات طويلة.
جيل المستقبل
} هل تعتقد أن الاستثمار الصحيح في جيل واحد من المواهب قد يكون كافيًا لتغيير واقع الكرة البحرينية؟
بكل تأكيد، ولكن بشرط أن يكون الاستثمار في المنظومة وليس في اللاعب فقط. تاريخ كرة القدم مليء بتجارب دول أحدثت نقلة نوعية عندما وضعت خطة واضحة لتطوير جيل كامل، واستثمرت في التدريب والتعليم والإعداد الذهني والبيئة الاحترافية.
أنا مؤمن بأن البحرين تمتلك المواهب القادرة على المنافسة، وما ينقصها هو مشروع طويل الأمد يجمع جميع الأطراف حول هدف واحد.
كلمة أخيرة
جيل واحد يُعد بطريقة صحيحة قد يغيّر تاريخ الكرة البحرينية. فالإنجازات الكبيرة لا تُبنى في ليلة واحدة، ولا تبدأ مع المنتخب الأول، وإنما تبدأ عندما نؤمن باللاعب الصغير، ونمنحه البيئة التي يستحقها لينمو ويتطور ويحقق طموحه وطموح وطنه.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك