لا يلتفت معظمنا إلى وتر أخيل وهو يعمل. لا نشعر به حين نمشي، ولا حين نصعد الدرج، ولا حين ننطلق خلف كرة أو نقفز لالتقاطها. لكنه في كل خطوة يستقبل قوة هائلة، ويختزن طاقة الحركة ثم يعيدها إلى الجسم في اللحظة المناسبة. وحين ينقطع، يسمع بعض الرياضيين فرقعة، أو يشعرون كأن شخصا ركلهم من الخلف؛ وفي ثوان قليلة يتحول أقوى أوتار الجسم إلى نقطة عجز قد تهدد موسما كاملا، وقد تغيّر مستوى لاعب محترف لسنوات.
ولهذا لا يمكن اختزال الحديث عن وتر أخيل في عملية خياطة. ففي هذا الجزء نبدأ من اسمه وتشريحه الفريد وأهميته في الحركة الرياضية، ثم نقف عند اعتلالاته المزمنة وما يمكن فعله لحمايته قبل أن ينقطع. أما في الجزء الثاني فننتقل إلى القطع الحاد وقرار العلاج والإصلاح وإعادة بناء الفجوات الكبيرة.
لماذا سُمّي وتر أخيل؟
قبل أن يدخل اسم أخيل إلى كتب الطب، كان بطلا في الأساطير اليونانية وأشهر محاربي حرب طروادة. والرواية الشائعة تقول إن أمه «ثيتيس» غمرته في نهر ستيكس لتحصّنه، وأمسكته من عقبه، فبقي ذلك الموضع وحده قابلا للإصابة، ثم جاء سهم باريس ليكشف نقطة ضعف البطل الذي بدا عصيا على الهزيمة.
لكن التاريخ أكثر إثارة من الرواية المختصرة. ففي عام 2026 نشرت الباحثة باربرا كاريه (Barbara Carè) من جامعة لوزان، في مجلة Bulletin of the Institute of Classical Studies، دراسة أعادت فيها فحص النصوص والصور القديمة. وبيّنت أن هوميروس لم يقل في الإلياذة إن أخيل كان محصنا ضد الجراح، ولم يرو أصلا قصة موته بسهم في العقب. كما أن قصة غمره في نهر ستيكس لم تظهر في الأدب الباقي إلا في أواخر القرن الأول الميلادي، وأن بعض المصادر الرومانية الأولى أشارت إلى منطقة الكاحل وعظم التالوس، لا إلى «العقب» بالمعنى التشريحي الدقيق الذي نفهمه اليوم.
أما انتقال الاسم إلى الطب فله قصة أخرى. ففي عام 1693 وثّق عالم التشريح الفلمنكي فيليب فيرهاين (Philip Verheyen)، أستاذ التشريح والجراحة في لوفين، تعبير Chorda Achillis، أي «حبل أخيل»، في كتابه Corporis Humani Anatomia. والأدق أن نقول إنه وثّق اسما كان متداولا، لأن عبارته اللاتينية قالت: «ما يسمى شائعا حبل أخيل». وفي عام 2011 نشر فاكلاف موسيل وزملاؤه من جامعة تشارلز في براغ دراسة لتاريخ المصطلح في مجلة Surgical and Radiologic Anatomy، وأوضحوا أن الجراح الفرنسي جان لوي بيتي استخدم تعبير tendon d’Achille عام 1705، ثم جاءت الصيغة اللاتينية tendo Achillis لدى الجراح الألماني لورنتس هايستر بعد ذلك بسنوات.
وهكذا عبر اسم أخيل من الأسطورة إلى التشريح، وبقيت المفارقة حية: الاسم الذي أصبح مرادفا لنقطة الضعف أُطلق على أقوى وتر في جسم الإنسان.
ليس حبلا بسيطا… بل نابض حي يتكون وتر أخيل، أو وتر العرقوب، من اتحاد ألياف الرأسين الإنسي والوحشي للعضلة التوأمية مع ألياف العضلة النعلية؛ أي إنه النهاية المشتركة لوحدة عضلية قوية في الساق تسمى «العضلات ثلاثية الرؤوس الربلية». ثم ينزل الوتر خلف الكاحل ليرتكز في عظم العقب، وينقل انقباض العضلات إلى القدم فيصنع الثني الأخمصي وقوة الدفع.

وفي عام 2024 نشر أوندريه نانكا (Ondřej Naňka) وزملاؤه من معهد التشريح بكلية الطب الأولى في جامعة تشارلز في براغ، بالتعاون مع مستشفى جامعة دريسدن، مراجعة تشريحية مصورة في مجلة Die Orthopädie. وصف الفريق الوتر بأنه أقوى أوتار الجسم، لكنه أوضح أيضا أنه ليس شريطا مستقيما متجانسا؛ فألياف مكوناته تلتف في مسار حلزوني قد يقترب من تسعين درجة قبل وصولها إلى العقب. وهذا الالتفاف يسمح بتوزيع القوى وتخزين الطاقة، لكنه يجعل فهم الطول والشد واتجاه الألياف أمرا حاسما عند الإصلاح.
يعمل وتر أخيل مثل نابض بيولوجي: يتمدد بقدر محسوب عند ملامسة الأرض، ويخزن الطاقة المرنة، ثم يطلقها في خطوة المشي أو انطلاقة الجري أو القفز. وقد أشار فريق نانكا إلى أن القوى الواقعة عليه أثناء الرياضة قد تبلغ نحو اثني عشر ضعفا من وزن الجسم. لذلك فإن استطالة بضعة سنتيمترات بعد القطع ليست تفصيلا صغيرا؛ فالوتر الذي يلتئم أطول من اللازم قد يبدو مستمرا في الأشعة، لكنه يفقد جزءا مهما من كفاءته في رفع الكعب والدفع.
ولا يملك الوتر غمدا زليليا حقيقيا مثل بعض أوتار اليد، بل يحيط به غشاء رقيق يسمى الغشاء حول الوتري (Paratenon). هذا الغشاء يساهم في التروية ويسمح للوتر بالانزلاق داخل الأنسجة المحيطة. ومن هنا تأتي قاعدة جراحية أؤمن بها: حماية الغشاء والجلد ليست خطوة تجميلية بعد إصلاح الوتر؛ إنها جزء من الإصلاح نفسه.
ما حكاية منطقة «خط تقسيم المياه»؟
على بعد نحو 2 إلى 6 سنتيمترات من مرتكز الوتر في عظم العقب تقع المنطقة التي تسمى تقليديا منطقة «خط تقسيم المياه» (Watershed zone). شاع وصفها بأنها منطقة ضعيفة التروية، لكن هذا لا يعني أنها بلا دم أو بلا قدرة على الالتئام. الأدق أنها أقل تروية نسبيا، وتقع أيضا في جزء ضيق من الوتر تتجمع فيه قوى الالتفاف والشد المتكرر.
ولهذا لا تنشأ الاعتلالات والقطوع بسبب التروية وحدها. إنها نتيجة تفاعل بين الحمل الرياضي، وفترات الاستشفاء، وتغير جودة الكولاجين، وعمر الرياضي، وبعض الأمراض والأدوية، وأحيانا الزيادة المفاجئة في التدريب. الوتر يتكيف مع الحمل حين نعطيه جرعة مناسبة ووقتا كافيا؛ لكنه يبدأ في الفشل حين تتجاوز الأحمال المتكررة قدرته على الإصلاح.
لماذا تعد إصابته من أقسى إصابات الرياضيين؟
الرياضي لا يحتاج إلى وتر «ملتحم» فقط؛ يحتاج إلى وتر يعيد له السرعة والقفز وتغيير الاتجاه والثقة. وهذا هو الفارق بين النجاح في صورة الرنين والنجاح في الملعب.
في عام 2016 نشرت جينيفر زيلرز (Jennifer Zellers) من جامعة ديلاوير، مع مايكل كارمونت من مستشفى برنسيس رويال في بريطانيا وكارين غرافياره سيلبرناغل من جامعتي ديلاوير وغوتنبرغ، مراجعة منهجية وتحليلا تلويا في British Journal of Sports Medicine. جمع الفريق 108 دراسات شملت 6506 مصابين، ووجد أن نحو 80% عادوا إلى الرياضة. تبدو النسبة مطمئنة، لكنها تعني أيضا أن واحدا من كل خمسة لم يعد، كما أن تعريف «العودة» اختلف بشدة بين الدراسات؛ فالرجوع إلى التدريب لا يساوي بالضرورة استعادة المستوى السابق، ولا العودة إلى المنافسة، ولا الحفاظ على الأداء لعدة مواسم.
لهذا أصف قطع وتر أخيل بأنه من أكثر الإصابات قسوة على الرياضي، لا لأنه يستحيل علاجه، بل لأنه يضرب محرك الدفع نفسه. وقد يعود اللاعب إلى الملعب بينما تبقى لديه استطالة في الوتر، أو ضمور في عضلة الربلة، أو نقص في ارتفاع الوقوف على أطراف الأصابع، أو خوف من الانطلاق الأقصى. والغاية من العلاج ليست مجرد منع إعادة القطع؛ بل استعادة الطول والقوة والتحمل والانزلاق العصبي العضلي الذي يحتاجه الأداء الرياضي.
الاعتلال المزمن: ألم المرتكز ليس كألم منتصف الوتر
قبل أن ينقطع الوتر، قد يرسل إشارات إنذار لأسابيع أو أشهر. وهنا يجب التفريق بين نوعين رئيسيين. الأول هو اعتلال الجزء المتوسط (Midportion tendinopathy)، ويظهر غالبا بألم وتثخن على بعد عدة سنتيمترات فوق العقب. والثاني هو اعتلال المرتكز (Insertional tendinopathy)، حيث يتركز الألم في نقطة اتصال الوتر بالعقب، وقد يصاحبه بروز عظمي أو تشوه هاغلند أو التهاب في الجراب خلف العقب.
النوعان ليسا مجرد «التهاب» عابر؛ فكثير من الحالات تمثل اضطرابا في تكيّف الوتر مع الحمل، مع تغير في ترتيب الكولاجين ومادته الخلالية وقدرته على نقل القوة. ولذلك فإن الراحة الكاملة الطويلة قد تخفف الألم مؤقتا لكنها لا تعيد للوتر قدرته على التحمل، كما أن صورة الرنين غير الطبيعية وحدها ليست سببا كافيا للجراحة.
وفي عام 2021 قاد روبرت يان دي فوس (Robert-Jan de Vos) من المركز الطبي بجامعة إيراسموس في روتردام فريقا وطنيا أصدر الإرشاد الهولندي متعدد التخصصات في British Journal of Sports Medicine. أوصى الفريق بأن يبدأ العلاج بالتثقيف، وتنظيم الحمل، وتمارين تقوية الربلة المتدرجة لمدة لا تقل عادة عن 12 أسبوعا، وألا تناقش الجراحة في المعتاد إلا بعد ستة أشهر على الأقل من علاج نشط جيد التنفيذ.
.jpeg)
أما في اعتلال المرتكز، فثمة تفصيل مهم: إنزال الكعب بعمق تحت مستوى الدرجة قد يضغط الوتر المريض على عظم العقب. وفي عام 2025 نشرت لورين برينغلز (Lauren Pringels) من جامعة غنت ومستشفى غنت الجامعي، مع فريقها البلجيكي، تجربة عشوائية في British Journal of Sports Medicine شملت 42 شخصا نشطا رياضيا. ووجدوا أن برنامج تأهيل يقلل ضغط الوتر في البداية — بتجنب الثني الظهري العميق والإطالة القسرية والاستعانة المؤقتة برافع للكعب — حقق تحسنا أكبر في الألم والوظيفة خلال 12 و24 أسبوعا من برنامج يسمح بضغط أعلى. إنها دراسة تذكّرنا بأن التمرين علاج، لكن «جرعته وزاويته» جزءان من الوصفة.
متى تصبح الجراحة إهانة إضافية لنسيج متعب؟
رأيت في ممارستي رياضيين نُصحوا مبكرا بتنضير الوتر بالمنظار، ورأيت آخرين وصلوا إليّ بعد تدخل جراحي لم يكن الوتر قد استنفد قبله فرصة التأهيل الحقيقي. وفي بعض هذه الحالات تحول وتر متألم لكنه قابل للعلاج إلى وتر أضعف تحيط به ندبة تحد من انزلاقه وتؤخر العلاج الطبيعي.
هذا لا يعني أن المنظار أو التنضير لا مكان لهما. لهما دور مهم في المريض المختار: أعراض مستمرة، وتشخيص واضح، وفشل موثق لخطة تحفظية كاملة، وسبب تشريحي يمكن للجراحة أن تعالجه. لكنني لا أؤيد «إهانة» الأنسجة الرخوة بالجراحة لمجرد أن الرنين أظهر تنكسا.
وفي عام 2017 نشر تيمو بالتس (Timo Baltes) وفريقه الهولندي مراجعة منهجية في مجلة Knee Surgery, Sports Traumatology, Arthroscopy. شملت المراجعة 23 دراسة و1285 إجراء جراحيا لاعتلال الجزء المتوسط، لكنها لم تجد دراسة تقارن الجراحة مباشرة بالعلاج غير الجراحي أو بعملية وهمية، كما كان التفاوت كبيرا في التقنيات والنتائج. لذلك لا يجوز أن تتحول وفرة التقنيات إلى وهم بوجود يقين علمي لا تملكه الدراسات.
الكورتيزون وPRP… بين الخوف المبالغ والوعد المبالغ
تحتاج الحقن حول وتر أخيل إلى دقة شديدة. فالحقن المباشر داخل مادة الوتر بالكورتيزون، ولا سيما إذا تكرر أو أعقبه رجوع سريع إلى الجري والقفز، قد يضر بيولوجيا الكولاجين ويضعف بنية الوتر. وفي عام 2006 نشر بياركي ثور هارالدسون (Bjarki Thor Haraldsson) وزملاؤه من معهد الطب الرياضي في كوبنهاغن دراسة مخبرية في The American Journal of Sports Medicine، فوجدوا انخفاضا واضحا في قوة حزم كولاجين معزولة بعد تعريضها للكورتيزون. لكن الباحثين أنفسهم نبهوا إلى أن أثر ذلك في الوتر البشري الكامل لم يكن معلوما؛ ومن ثم فالدراسة تفسر الحذر ولا تثبت أن كل حقنة حول الوتر ستؤدي إلى قطع. لذلك أتجنب الحقن العشوائي داخل الوتر، ولا أتعامل مع اختفاء الألم المؤقت على أنه شفاء.
لكن الأمانة العلمية تمنعنا أيضا من وضع كل أشكال الكورتيزون في سلة واحدة. ففي عام 2022 نشر فين يوهانسن (Finn Johannsen) وزملاؤه من معهد الطب الرياضي في مستشفى بيسبيبيرغ بكوبنهاغن تجربة عشوائية في JAMA Network Open شملت 100 مريض باعتلال مزمن في الجزء المتوسط. وقد حقنوا الكورتيزون حول الوتر تحت توجيه الأشعة الصوتية، وربطوه ببرنامج تمارين منظم مع منع الجري والقفز في الأشهر الأولى. تحسن مقياس VISA-A في مجموعة الكورتيزون والتمرين أكثر من مجموعة الحقن الوهمي والتمرين بنحو 17.7 نقطة بعد ستة أشهر، ولم يسجل الباحثون قطعا أو حدثا خطيرا خلال المتابعة. والرسالة هنا ليست أن الكورتيزون آمن دائما، بل إن موقع الحقن، وتوجيهه بالتصوير، وجرعته، وتكراره، والحماية بعده تغير المعادلة بالكامل.
أما البلازما الغنية بالصفائح (PRP)، فلها منطق بيولوجي جذاب؛ فهي تحمل صفائح وعوامل نمو يمكن أن تؤثر في بيئة الالتئام. ومن واقع خبرتي رأيت تحسنا مهما عند مرضى مختارين، وخصوصا في بعض حالات اعتلال المرتكز بعد فشل تنظيم الحمل والتأهيل الأولي. لكنني أستخدمها كعامل مساعد داخل برنامج علاجي، لا كبديل عن إعادة تأهيل الوتر، ولا أصفها بأنها «تقوي كل وتر» على نحو أثبتته التجارب.
والسبب أن الدليل يختلف باختلاف موضع المرض وتركيبة الحقن. ففي عام 2021 نشرت ريبيكا كيرني (Rebecca Kearney) من وحدة التجارب السريرية بجامعة وارويك، مع باحثين من 24 مركزا بريطانيا، تجربة عشوائية على 240 مريضا في مجلة JAMA. في الاعتلال المزمن للجزء المتوسط لم تتفوق جرعة واحدة من PRP داخل الوتر على الإجراء الوهمي بعد ستة أشهر. غير أن هذه النتيجة تخص اعتلال الجزء المتوسط وبروتوكولا محددا، ولا تحسم تلقائيا اعتلال المرتكز أو كل تحضيرات PRP. لذلك أرى أن خبرتنا الإيجابية في حالات مختارة تستحق البحث المنظم، لكن لا ينبغي أن تتحول الملاحظة السريرية إلى ادعاء علمي قبل الدراسة المقارنة.
وهنا تتضح الرسالة الأولى: حماية وتر أخيل تبدأ قبل أن ينقطع؛ بفهم موضع الألم، وضبط الأحمال، وإعطاء التأهيل فرصته، وعدم تحويل كل تغير في الأشعة إلى عملية. لكن إذا وقعت لحظة القطع بالفعل، يبدأ فصل مختلف تماما: هل تكفي الدعامة والتأهيل؟ ومن يحتاج إلى الجراحة؟ وكيف يمكن لإصلاح متين يحترم الجلد والغشاء حول الوتر أن يفتح الطريق لعودة مبكرة وآمنة؟ هذا ما نكمله في المقال القادم، من القطع الحاد إلى الإصلاح وإعادة بناء الفجوات الكبيرة.
.jpeg)
