ملهمون حصدوا جوائز دولية وتقلدوا مناصب عليا وانضموا إلى مجالات عملية مختلفة عن تخصصاتهم الجامعية
كتبت: زينب إسماعيل وزينب علي
تصوير: محمود بابا
في ظل تزايد أعدادهم في الآونة الأخيرة، تفتح «أخبار الخليج» ملف الطلبة البحرينيين الذين درسوا في الخارج ليتحولوا إلى أيقونة ملهمة للشباب البحريني بعد مسيرة عطاء امتدت سنوات.
لم يتوقف الطلبة عند حدود الوظيفة، بل اشتغلوا للبحث عن الفرص الكامنة بكل جهد واجتهاد، ليحققوا إنجازات دولية وجوائز مرموقة. بعضهم درس تخصصات أكاديمية، ولكنه لم يعثر على حلمه في الوظيفة، فاتجه إلى مجال آخر مختلف تماما، ليحقق اكتساحا واضحا في الأوساط المحلية.
12 جائزة في عالم السينما
المخرج البحريني هاشم شرف أحد الدارسين في الخارج وحاصل على 12 جائزة دولية في مجال صناعة السينما من خلال 4-5 أفلام، كان آخرها للفيلم القصير «عذر أجمل من ذنب»، الذي ذاع صيته وحصد جوائز في إسبانيا والسعودية وإندونيسيا.
يقول شرف الذي درس تخصص صناعة الأفلام: «التخصص لم يكن متوافرا في البحرين والدول المجاورة، حيث كان يعتبر في عام 2009 من التخصصات النادرة».
ويضيف: «اخترت الدراسة في أستراليا بعد تجربة دراسة الوالد في بريطانيا، الذي اختار أن أعيش تجربة جديدة».
وبعد عودته من أستراليا، لم ينخرط هاشم ضمن وظيفة محددة، إذ افتتح شركته الخاصة واتجه مباشرة إلى صناعة الأفلام القصيرة- التي تعد مكلفة ماديا- للحصول على جوائز دولية وتحقيق انتشار واستقطاب الشركات التي تبحث عن التسويق الإعلاني.
أسهم ظهور وسائل التواصل الاجتماعي بدءا من الفيس بوك حتى انتشار الفيديوهات المصورة بكثافة في فتح آفاق أوسع للمشتغلين في مجال التسويق الإعلاني والأفلام الوثائقية، وهو ما دفع بشركة هاشم إلى التوسع بشكل أكبر لتحقق قفزة نوعية بدءا من عام 2014.
اليوم، تعد شركة هاشم إحدى أهم الشركات المنظمة لمهرجان هوى المنامة، وهو المحطة الأبرز له. هي مهرجان سنوي قائم على تجربة مدينة ضخمة مبنية داخل أزقة المنامة القديمة يستكشف الزوار من خلالها عالما واقعيا متكاملا في أزمنة مختلفة. وتعتبر هي المحطة الأهم، لأن هاشم أسقط دراسته الأكاديمية في مجال الإخراج على فكرة إنشاء هذه المدينة، مستقطبا تجارب المدن العالمية في تنظيم مهرجانات مماثلة.
من الطيران إلى الهندسة
أما الشيف البحريني محمد مرهون، وهو حاصل على جائزة دولية في مجال الطبخ، وهي جائزة «مطلوب شيف» من الإمارات، فاختار دراسة هندسة الإلكترونيات والطائرات في الأردن، التخصص الأكاديمي الذي اختاره شغفا به.
بعد عودته إلى البحرين، انضم وللعمل في أحد المطاعم كطاهٍ، بسبب عدم عثوره على وظيفة في تخصصه الجامعي. استثمر مهاراته التي اكتسبها من والدته لتتحول إلى مشروع استثماري بدأ يتوسع شيئا فشيئا ويحقق شهرة واسعة في المجتمع المحلي.
وفي عام 2016 افتتح محمد أول مشاريعه، وهو عربة متنقلة تقدم سندويشات البرجر والروبيان والعصائر الطازجة. وبعد شهرة العربة بدأت تنتقل إلى مواقع تقدم خلالها الأطعمة لتكون أقرب إلى عشاقها، كان من بينها سوق المزارعين المؤقت في البديع.
تحولت العربة إلى مطعم افتتح في عام 2020، وحمل اسمه بعد ترك وظيفته كشيف في أحد المطاعم. وتزامن افتتاح المطعم مع الجائحة ووفاة والدته، ليمر بعقبات تجاوزها بكل صلابة بعد عامٍ أو أكثر، ويحول حلمه إلى مشروع يعد من الأكثر نجاحا في المجتمع المحلي.
اليوم، يمتلك محمد مطعمين، واحدا يحمل اسمه والآخر يقدم سندويشات البرجر، وهو يعد من المشاهير على وسائل التواصل الاجتماعي، إذ يقدم محتوى لصيقا بمجاله وهو الشغف بعالم الطبخ.
3 شهادات دكتوراه وأعلى رتبة
يروي د. حسنين الصفار رئيس أكاديمية ولاء حكاية شغفه بالإلكترونيات الذي بدأ من المراحل المدرسية، حيث كان يقوم بإصلاح أجهزة الجيران، وهو ما دفعه إلى دراسة هندسة الكمبيوتر والإلكترونيات في بريطانيا، موضحًا أن «هذا التخصص لم يكن متوفرا في البحرين، إذ كانت الجامعات تطرح هندسة الكمبيوتر أو هندسة الإلكترونيات كل على حدة».
اختار الصفار الدراسة في بريطانيا لما تتمتع به من سمعة أكاديمية قوية، ولا سيما في مجاله الأكاديمي، مشيرًا إلى أن أسرته كانت تؤمن بأهمية الاستثمار في التعليم، إذ درس جميع إخوته خارج البحرين في الولايات المتحدة والأردن وبريطانيا بدافع من والدهم، الذي كان يرى أن العلم أفضل استثمار للأبناء.
وبعد دراسة البكالوريوس في بريطانيا عاد الصفار إلى الوطن وانضم إلى شركة ألمنيوم البحرين بنفس تخصصه الأكاديمي وعمل فيها مدة 11 سنة، ليقرر مواصلة المسيرة الأكاديمية والحصول على ماجستير في إدارة الأعمال- القيادة، ثم الدكتوراه في إدارة الأعمال من بريطانيا. والصفار هو أول بحريني يحصل على أعلى رتبة تدريب من بريطانيا، ويستعد حاليًا للحصول على شهادة دكتوراه ثالثة.
ومن بعد عمله في شركة ألمنيوم البحرين نال الصفار شهادة ماجستير إدارة الأعمال، وهو ما غير مساره المهني، ودفعه إلى الانخراط في مجال تطوير قدرات الموظفين والقادة، ومشاركته متحدثًا ومستشارًا في هذا المجال.
صقل الشخصية
وأكد الصفار أن الدراسة في الخارج لا تقتصر على الحصول على شهادة، بل تسهم في بناء الشخصية وصقلها، مبينًا أنه سافر إلى بريطانيا في سن السابعة عشرة، وعاش مع عائلة إنجليزية، ما ساعده على الاعتماد على نفسه واكتساب مهارات اتخاذ القرار وتحمل المسؤولية والتأقلم مع ثقافات جديدة، وتعلم لغة جديدة وبناء صداقات مازالت مستمرة منذ أكثر من 26 عامًا. وأضاف أنه تعلم الطبخ، واكتسب مهارات الذكاء الاجتماعي والذكاء العاطفي، وكان لذلك أثر مباشر في مسيرته المهنية.
ويوضح شرف أن الدراسة في الخارج «مدرسة» تصنع من الطالب إنسانا مختلفا تماما، إذ إن 40% من المهارات يكتسبها من التخصص الأكاديمي و60% من مهارات العيش في وسط اجتماعي مغاير.
التحديات
يتحدث الطلاب عن التحديات التي واجهوها وتمكنوا من التغلب عليها في السنة الدراسية الأولى، ويوضح الصفار أنه فكر في العودة إلى البحرين بعد أسبوع واحد من وصوله إلى بريطانيا بسبب صعوبة اللغة والحنين إلى الوطن واختلاف البيئة والثقافة، إلا أنه تمسك بهدفه وقرر الاستمرار. وأضاف: «عملت فترة قصيرة مساعدًا في أحد المطاعم للمساهمة في تغطية المصروفات اليومية».
وبيّن أنه تجاوز حاجز اللغة باتباع أسلوب يومي يقوم على تدوين الكلمات الجديدة خلال المحاضرات، ثم البحث عن معانيها في المنزل وحفظ ما لا يقل عن 10 كلمات يوميًا، حتى تمكن من إتقان اللغة الإنجليزية وفهم المصطلحات الأكاديمية.
وفي ظل محدودية وسائل التواصل في ذلك الوقت، إذ كان الاتصال الهاتفي مكلفًا، كان يجري الصفار اتصالا هاتفيا واحدا كل شهر، مبينًا أن تكوين الصداقات والمشاركة في الأنشطة الرياضية ساعداه على التكيف مع الحياة الجديدة، وتعلم إدارة المصروفات والالتزام بالإنفاق المسؤول.
واعتبر المخرج هاشم شرف أن حاجز اللغة والثقافة المختلفة عما عايشه والعيش في منازل السكان والتأقلم مع حياتهم اليومية كانت من أبرز التحديات.
وأشار إلى أن المجتمع المحلي كان يستهزئ بتخصصه الأكاديمي الذي اعتبره غير مطلوب في سوق العمل، ما اضطره إلى إخفاء ماهيته طوال سنوات الدراسة. واستذكر صدمة المحتوى الدراسي المختلف تماما عما كان يتوقعه، حيث لم يستوعبه لصعوبته، ما دفعه إلى اتخاذ قرار العودة إلى الوطن وترك الدراسة بعد إخطار والده الذي رفض العودة، ليتجاوز الصدمة في السنة الدراسية الأولى بتحدي نفسه.
الاعتراف المحلي
فيما يتعلق بالاعتراف المحلي للجامعات في الخارج يتحدث المخرج هاشم شرف للطلاب ويحثهم إلى اختيار جامعة معتمدة وتخصص أكثر طلبا في السوق المحلي، والبحث عن تخصص تتميز به جامعات محددة.
أما حسنين الصفار فينصح الطلبة الراغبين في الدراسة بالخارج بالتأكد من اعتماد الجامعة في التخصص المطلوب، والاعتراف بها لدى الجهات المختصة في البحرين، إضافة إلى دراسة طبيعة المدينة التي تقع فيها الجامعة، ومدى توافر السكن المناسب والمواصلات والخدمات والأطعمة الحلال، لأن البيئة المحيطة تنعكس على استقرار الطالب ونجاحه.
الرسوم الدراسية
الرسوم الدراسية غير مكلفة في الجامعات الدولية، ولكن ارتفاع تكاليف الحياة هي ما يرفع الكلفة، ويوضح الصفار أن الرسوم الدراسية ليست دائمًا أعلى من الجامعات الخاصة في البحرين، إلا أن السكن وتكاليف المعيشة يرفعان الكلفة الإجمالية، مؤكدًا أن الدراسة في الخارج تستحق الاستثمار إذا كانت الأسرة قادرة على تحمل نفقاتها.
وتحدث شرف عن فارق الكلفة للدراسة في الخارج عن البحرين، إذ قد تصل في بعض التخصصات إلى 5-8 أضعاف، لكنها تبقى استثمارا طويل الأمد.
أعداد أكبر وأقل
يختلف الخريجون حول ما إذا سترتفع الأعداد أو تنخفض في المستقبل، فبينما يتوقع الصفار ارتفاع أعداد الطلبة الدارسين في الخارج، مع استمرار الاعتقاد أن جودة التعليم هناك أفضل، موضحًا أن التميز يعتمد في النهاية على الجامعة التي يختارها الطالب وعلى اجتهاده الشخصي.
ويرجح المخرج هاشم شرف أن تتقلص أعداد الدراسين في الخارج خلال السنوات الـ10 المقبلة، بسبب استقطاب دول المنطقة جامعات دولية مرموقة، حيث سيتجه هؤلاء الطلاب إلى الجامعات الإقليمية الدولية بدلا من السفر إلى الدول البعيدة بسبب الكلفة الأقل والنتاج الأكاديمي المماثل أو الأفضل من المقرات الرئيسية.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك