مجالس الإدارات تطرح السؤال المهم ولكن السؤال الأهم هو:
هل مؤسساتنا جاهزة لتطبيق الذكاء الاصطناعي من دون مخاطر؟
قالت مي نعمة، المستشارة الاستراتيجية في التسويق والمتخصصة في تعظيم القيمة التجارية للعلامات التجارية والخريجة الحديثة في برنامج كبار مسؤولي التسويق من كلية كولومبيا لإدارة الأعمال: «معظم مجالس الإدارات اليوم تطرح السؤال الصحيح حول الذكاء الاصطناعي: كيف نعتمده لرفع الكفاءة، وخفض التكاليف، وتحقيق التوسع؟ لكن قلة منها تطرح السؤال الثاني، وهو الأكثر أهمية: هل نمتلك أساساً متيناً بما يكفي لتطبيق الذكاء الاصطناعي من دون المساس ببقية أعمال الشركة؟».
وأضافت نعمة: «لهذا السؤال كلفة مالية حقيقية اليوم» ويضع تقرير IBM لعام 2025 حول كلفة اختراق البيانات متوسط كلفة الاختراق الأمني في منطقة الشرق الأوسط عند 7.29 ملايين دولار أمريكي، وهو ثاني أعلى متوسط عالمياً بعد الولايات المتحدة، وأعلى من المتوسط العالمي بنسبة 64%. وأضافت: «التقرير نفسه يكشف أن 38% فقط من مؤسسات المنطقة تمتلك اليوم سياسة رسمية لحوكمة الذكاء الاصطناعي، ما يعني أن أغلبها لم تُغلق هذه الفجوة بعد».
وأضافت في حوار حصري مع «أخبار الخليج»: «تُضاف تقنيات الذكاء الاصطناعي والمنصات السحابية وحزم التقنية الجديدة بوتيرة أسرع مما تستطيع معظم فرق القيادة متابعته. ويُطلق مختصو الأمن السيبراني على هذا اسم «فجوة رؤية الأصول»: المسافة بين ما نشرته الشركة وشغّلته فعلياً وما يمكن لقيادتها الإحاطة به. اطرحوا على أي مجلس إدارة ثلاثة أسئلة: هل يمكنكم رؤية جميع الأصول والأنظمة التي نشرتها الشركة؟ هل هي مترابطة؟ هل هي محمية؟ معظمهم لا يستطيع الإجابة بثقة عن الأسئلة الثلاثة معاً، وهذه الفجوة هي حيث تتراكم المخاطر. يتوقع العملاء أيضاً تجربة رقمية سلسة أينما كانوا، في القطاع المصرفي، أو التجزئة، أو حتى في قطاع الأعمال بين الشركات (B2B)». وأشارت نعمة: «يتوقع العملاء اليوم تجربة رقمية سلسة أينما كانوا، في البنوك، أو التجزئة، أو حتى بين الشركات. هذا التوقع لا يتعلق بالسرعة بقدر ما يتعلق بامتلاك رؤية واحدة موحدة للعميل، لا رؤى متفرقة. حين تكون بيانات العميل موزعة عبر أنظمة منفصلة، تصبح المؤسسة غير قادرة هيكلياً على تقديم التجربة السلسة التي يتوقعها العميل. الاحتكاك ليس مشكلة تصميم، بل مشكلة تجزئة بيانات». وقالت: «كل نقطة احتكاك هي خرق صغير للثقة بالعلامة التجارية، فالعميل لا يفرق بين الإدارات المختلفة، بل يرى التجربة كلها على أنها الشركة نفسها».
وأكدت أن هذا الأمر له وجهان: «رؤية العميل الموحدة ليست مجرد دفاع ضد الاحتكاك، بل أصل حقيقي تُقاس عليه قيمة العلامة التجارية جزئيا، بمدى قوة العلاقة واستمراريتها مع عملائها. حوكمة التقنية، حين تُدار جيداً، ليست مركز كلفة، بل استثمارا يرفع قيمة العلامة التجارية». كل قسم يريد أداة الذكاء الاصطناعي الخاصة به، وهنا تبدأ الفجوة. وأوضحت نعمة: «الذكاء الاصطناعي يخلق كفاءات، وكل قسم يريد أداته الخاصة. التسويق يريد أدوات محتوى، وإنتاجه. المالية تريد أتمتة التنبؤ والتحليل. كل أداة، بحد ذاتها، تجعل ذلك القسم أسرع». وحذرت من أن الأقسام الأسرع لا تعني شركة أكثر قيمة: «حين تعمل أدوات الذكاء الاصطناعي في جزر معزولة، تنتهي الشركة إلى بيانات مجزأة وتجارب عملاء غير متسقة، ولا أحد داخل المؤسسة يملك الصورة الكاملة. العميل الذي يحصل على خدمة ممتازة من قسم ثم يواجه تجربة سيئة في قسم آخر لا يتذكر القسم الجيد. سيتذكر أن العلامة التجارية أخفقت في تلبية توقعاته».
وأكدت: «القيمة الحقيقية ليست في عدد أدوات الذكاء الاصطناعي التي تملكها الشركة، بل في مدى قدرتها على التواصل والعمل مع بعضها بعضا ضمن منظومة واحدة». واستشهدت نعمة بتجربتها الشخصية: «قدت التسويق في شركة خلال مرحلة نمو متسارع. أقوى نجاحات العملاء جاءت من الفرق التي كان فيها التسويق والعمليات وخدمة العملاء يتشاركون رؤية واحدة للعميل، لا من الفرق الأكثر امتلاكاً للأدوات. وحين تنكسر هذه الرؤية المشتركة، تشعر بها العلامة التجارية قبل أن تظهر في الأرقام».
وأضافت نعمة: «ربط أدوات الذكاء الاصطناعي من دون رؤية شاملة لا يحل المشكلة. إنه فقط يجعل نقطة العمى أكبر. تحدي رؤية الأصول لم يعد محصوراً داخل تقنية المعلومات، بل امتد إلى كل قسم مع تزايد اعتماده على أدواته الخاصة بصورة مستقلة».
وأكدت: «هذا الواقع يجعل من الضروري أن تمتلك الإدارة العليا رؤية متكاملة لجميع الأنظمة والأدوات. على مجالس الإدارة أن تتعامل مع حوكمة التقنية وتجربة العملاء واعتماد الذكاء الاصطناعي كقضية واحدة. لا ثلاث قضايا. ثقة العملاء، وإيرادات الشركة، ومستقبلها على المدى الطويل، جميعها ترتكز على الأمر ذاته: قدرة القيادة على رؤية ما بنته المؤسسة، وحوكمته، وربطه ببعضه». وقدمت نعمة نقطتي انطلاق لمعالجة هذه الفجوة: «أولاً، تعيين مسؤول يمتلك الصورة الكاملة، ويرفع تقاريره مباشرة إلى مجلس الإدارة، فلا جهة اليوم تملك هذه الرؤية الشاملة. ثانياً، جعل الترابط شرطاً أساسياً لأي استثمار جديد في الذكاء الاصطناعي، لا فكرة لاحقة. السؤال ليس: هل يجعل هذا فريقاً أسرع؟ بل: هل يترابط مع ما نملكه فعلاً؟ الأداة التي تفشل في هذا الاختبار لا تُحسّن الإيرادات، بل تُحسّن بنداً واحداً بينما تعمل بصمت ضد بقية الشركة». واختتمت نعمة: «إذا كانت أقسامكم غير قادرة على الإجابة عن: هل يمكننا رؤيته، هل هو مترابط، هل هو محمي، فتلك ليست فجوة تقنية معلومات. إنها مخاطرة على الإيرادات وسمعة العلامة التجارية مطروحة على جدول أعمالكم الآن».

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك