العدد : ١٧٧٣١ - الجمعة ٠٩ أكتوبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٨ ربيع الآخر ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٧٣١ - الجمعة ٠٩ أكتوبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٨ ربيع الآخر ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

مأساة الطفولة الفلسطينية المنكوبة في قطاع غزة المدمر

بقلم: بقلم: جمال كنج

الأربعاء ٢٩ يوليو ٢٠٢٦ - 02:00

محمد‭ ‬الواحدي‭ ‬فلسطيني‭ ‬يبلغ‭ ‬57‭ ‬عاماً‭ ‬من‭ ‬العمر،‭ ‬وهو‭ ‬زوج‭ ‬وأب‭ ‬وجد‭. ‬كان‭ ‬محمد‭ ‬الواحدي‭ ‬يقضي‭ ‬أيامه‭ ‬في‭ ‬فعل‭ ‬ما‭ ‬يفعله‭ ‬عمال‭ ‬الإغاثة‭ ‬في‭ ‬غزة‭ ‬المنكوبة‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬يتبق‭ ‬فيها‭ ‬شيء‭ ‬تقريباً‭: ‬إزالة‭ ‬الأنقاض،‭ ‬وإعادة‭ ‬فتح‭ ‬الطرق،‭ ‬وإصلاح‭ ‬الأنابيب‭ ‬المتسربة،‭ ‬وملء‭ ‬خزان‭ ‬مياه‭ ‬للسكان،‭ ‬أو‭ ‬بناء‭ ‬الخيام‭ ‬للعائلات‭ ‬التي‭ ‬ليس‭ ‬لديها‭ ‬مكان‭ ‬آخر‭ ‬تذهب‭ ‬إليه‭.‬

في‭ ‬أوقات‭ ‬فراغه‭ ‬كان‭ ‬يُنفّذ‭ ‬مشروعًا‭ ‬محفوفًا‭ ‬بالمخاطر،‭ ‬حيث‭ ‬قام‭ ‬بتركيب‭ ‬شاشات‭ ‬ومولدات‭ ‬كهربائية‭ ‬في‭ ‬أنحاء‭ ‬غزة‭ ‬ليتمكن‭ ‬الناس‭ ‬من‭ ‬مشاهدة‭ ‬مباريات‭ ‬كأس‭ ‬العالم‭. ‬عشية‭ ‬مباراة‭ ‬مصر‭ ‬والأرجنتين‭ ‬قتلته‭ ‬إسرائيل‭ ‬مع‭ ‬سائق‭ ‬سيارة‭ ‬أجرة‭ ‬يبلغ‭ ‬من‭ ‬العمر‭ ‬33‭ ‬عامًا،‭ ‬بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬شقيقين‭ ‬صغيرين،‭ ‬يبلغان‭ ‬من‭ ‬العمر‭ ‬8‭ ‬و10‭ ‬أعوام،‭ ‬كانا‭ ‬يسيران‭ ‬في‭ ‬مكان‭ ‬قريب‭. ‬وأعلن‭ ‬الجيش‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬أنه‭ ‬يُجري‭ ‬تحقيقًا‭ ‬في‭ ‬الحادث‭.‬

وكدأبها‭ ‬دائما‭ ‬في‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬الحالات‭ ‬التي‭ ‬ألفناها‭ ‬فإن‭ ‬إسرائيل‭ ‬ترتكب‭ ‬جريمة‭ ‬القتل‭ ‬أولاً،‭ ‬ثم‭ ‬تختلق‭ ‬ذريعةً‭ ‬بعد‭ ‬ذلك‭.‬

محمد‭ ‬الواحدي‭ ‬هو‭ ‬اسمٌ‭ ‬واحدٌ‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬أسماءٍ‭ ‬كثيرة‭ ‬تُذكر‭ ‬في‭ ‬طقوس‭ ‬القتل‭ ‬اليومية‭ ‬في‭ ‬غزة‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬هدنةٍ‭ ‬مزعومة‭. ‬لقد‭ ‬قتلت‭ ‬إسرائيل‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬1100‭ ‬فلسطيني‭ ‬في‭ ‬القطاع‭ ‬منذ‭ ‬شهر‭ ‬أكتوبر‭ ‬2025،‭ ‬بينهم‭ ‬265‭ ‬طفلاً‭. ‬وبالمقابل‭ ‬لم‭ ‬يُقتل‭ ‬أي‭ ‬مدني‭ ‬إسرائيلي‭ ‬على‭ ‬الجانب‭ ‬الآخر‭. ‬هذا‭ ‬هو‭ ‬‮«‬السلام‮»‬‭ ‬الذي‭ ‬يُديره‭ ‬مجلس‭ ‬إدارة‭ ‬دونالد‭ ‬ترامب‭.‬

لا‭ ‬يزال‭ ‬ما‭ ‬يقارب‭ ‬مليون‭ ‬شخص‭ ‬محاصرين‭ ‬في‭ ‬خيام‭ ‬خلال‭ ‬صيف‭ ‬غزة‭ ‬الحار،‭ ‬حيث‭ ‬تصل‭ ‬درجات‭ ‬الحرارة‭ ‬إلى‭ ‬35‭ ‬درجة‭ ‬مئوية‭. ‬موسمًا‭ ‬بعد‭ ‬موسم،‭ ‬يُترك‭ ‬الفلسطينيون‭ ‬في‭ ‬غزة‭ ‬عرضةً‭ ‬لتقلبات‭ ‬الطقس‭: ‬شتاء‭ ‬قارص،‭ ‬ثم‭ ‬حرارة‭ ‬صيف‭ ‬لا‭ ‬ترحم‭.‬

تعيش‭ ‬العائلات‭ ‬تحت‭ ‬الخيام‭ ‬في‭ ‬المخيمات‭ ‬أو‭ ‬تحت‭ ‬ألواح‭ ‬الخرسانة‭ ‬المتدلية‭ ‬في‭ ‬المباني‭ ‬المدمرة‭. ‬وفي‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه،‭ ‬تواصل‭ ‬إسرائيل‭ ‬منع‭ ‬نصب‭ ‬شبكات‭ ‬التظليل‭ ‬والأغطية‭ ‬البلاستيكية‭ ‬على‭ ‬الحدود،‭ ‬تمامًا‭ ‬كما‭ ‬منعت‭ ‬وصول‭ ‬البطانيات‭ ‬الدافئة‭ ‬خلال‭ ‬فصل‭ ‬الشتاء‭.‬

يُعاني‭ ‬الأطفال‭ ‬من‭ ‬الجوع‭ ‬في‭ ‬الخيام،‭ ‬بينما‭ ‬تُواصل‭ ‬إسرائيل‭ ‬حشر‭ ‬السكان‭ ‬المدنيين‭ ‬في‭ ‬ممرات‭ ‬ضيقة‭. ‬وعند‭ ‬تشكيل‭ ‬ما‭ ‬يُسمى‭ ‬‮«‬مجلس‭ ‬السلام‮»‬،‭ ‬كانت‭ ‬إسرائيل‭ ‬تحتل‭ ‬53‭% ‬من‭ ‬قطاع‭ ‬غزة،‭ ‬وبعد‭ ‬شهر،‭ ‬وصلت‭ ‬النسبة‭ ‬إلى‭ ‬60‭%.‬

وبحلول‭ ‬أواخر‭ ‬شهر‭ ‬مايو‭ ‬الماضي‭ ‬أمر‭ ‬رئيس‭ ‬الوزراء‭ ‬بنيامين‭ ‬نتنياهو‭ ‬جيش‭ ‬الدفاع‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬بالسيطرة‭ ‬على‭ ‬70‭% ‬من‭ ‬القطاع،‭ ‬ما‭ ‬أدى‭ ‬إلى‭ ‬حشر‭ ‬2‭.‬3‭ ‬مليون‭ ‬إنسان‭ ‬في‭ ‬قفص‭ ‬يتقلص‭ ‬باستمرار،‭ ‬بعيدًا‭ ‬عن‭ ‬جميع‭ ‬المناطق‭ ‬الزراعية‭.‬

لقد‭ ‬صرّح‭ ‬وزير‭ ‬الطاقة‭ ‬إيلي‭ ‬كوهين‭ ‬مؤخرا‭ ‬بما‭ ‬كان‭ ‬يتم‭ ‬إخفاؤه‭ ‬والتستر‭ ‬عليه،‭ ‬قائلاً‭ ‬لإذاعة‭ ‬إسرائيلية‭ ‬إن‭ ‬السيطرة‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬ستستمر‭ ‬في‭ ‬التوسع‭ ‬‮«‬حتى‭ ‬نصل‭ ‬إلى‭ ‬100‭%‬‮»‬‭. ‬وتتضمن‭ ‬المرحلة‭ ‬التالية‭ ‬حصر‭ ‬الفلسطينيين‭ ‬في‭ ‬‮«‬ملاجئ‭ ‬إنسانية‮»‬‭ ‬مسوّرة‭ ‬بالقرب‭ ‬من‭ ‬أطلال‭ ‬رفح،‭ ‬كجزء‭ ‬من‭ ‬برنامج‭ ‬التطهير‭ ‬العرقي‭ ‬النهائي،‭ ‬الذي‭ ‬يُسوّق‭ ‬له‭ ‬بسخرية‭ ‬على‭ ‬أنه‭ ‬‮«‬خطة‭ ‬لحرية‭ ‬التنقل‮»‬‭.‬

لقد‭ ‬أقيمت‭ ‬معسكرات‭ ‬الاعتقال‭ ‬وفق‭ ‬الآليات‭ ‬التي‭ ‬استخدمتها‭ ‬ألمانيا‭ ‬النازية‭ ‬لاحتجاز‭ ‬اليهود‭ ‬في‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الثانية‭. ‬وقد‭ ‬خلصت‭ ‬لجنة‭ ‬تحقيق‭ ‬مستقلة‭ ‬تابعة‭ ‬لمنظمة‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة،‭ ‬نُشرت‭ ‬نتائجها‭ ‬هذا‭ ‬الصيف،‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬قتل‭ ‬إسرائيل‭ ‬للأطفال‭ ‬في‭ ‬غزة‭ ‬ليس‭ ‬ضرراً‭ ‬جانبياً‭ ‬للحرب،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬استراتيجية‭ ‬لتدمير‭ ‬النسيج‭ ‬الاجتماعي‭ ‬الفلسطيني،‭ ‬وهي‭ ‬أفعال‭ ‬تندرج‭ ‬تحت‭ ‬التعريف‭ ‬القانوني‭ ‬لجرائم‭ ‬الحرب‭ ‬والجرائم‭ ‬ضد‭ ‬الإنسانية‭.‬

قتلت‭ ‬إسرائيل‭ ‬أو‭ ‬جرحت‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬10‭% ‬من‭ ‬سكان‭ ‬غزة‭ ‬منذ‭ ‬شهر‭ ‬أكتوبر‭ ‬2023‭. ‬وبلغ‭ ‬عدد‭ ‬القتلى‭ ‬20179‭ ‬طفلاً‭ ‬على‭ ‬الأقل،‭ ‬وأكثر‭ ‬من‭ ‬5000‭ ‬طفل‭ ‬دون‭ ‬سن‭ ‬الخامسة،‭ ‬بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬تسجيل‭ ‬44143‭ ‬جريحاً‭.‬

يُشكّل‭ ‬عدد‭ ‬الأطفال‭ ‬القتلى‭ ‬ثلث‭ ‬إجمالي‭ ‬عدد‭ ‬القتلى‭ ‬الفلسطينيين‭ ‬في‭ ‬قطاع‭ ‬غزة‭. ‬وقد‭ ‬وثّقت‭ ‬اللجنة‭ ‬حالات‭ ‬إطلاق‭ ‬النار‭ ‬على‭ ‬أطفال‭ ‬برصاص‭ ‬القناصة‭ ‬وبنادق‭ ‬محمولة‭ ‬على‭ ‬طائرات‭ ‬مسيّرة‭ ‬بدقة‭ ‬متناهية‭.‬

كما‭ ‬وثقت‭ ‬اللجنة‭ ‬شهادات‭ ‬جنود‭ ‬إسرائيليين‭ ‬أنفسهم،‭ ‬حيث‭ ‬احتفل‭ ‬الجنود‭ ‬وهنأوا‭ ‬بعضهم‭ ‬بعضًا‭ ‬بعد‭ ‬قتل‭ ‬المدنيين‭. ‬ووصفت‭ ‬اللجنة‭ ‬قطاع‭ ‬غزة‭ ‬بأنه‭ ‬يشكل‭ ‬أخطر‭ ‬مكان‭ ‬على‭ ‬وجه‭ ‬الأرض‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬الأطفال‭.‬

في‭ ‬شهر‭ ‬يونيو‭ ‬الماضي،‭ ‬شاهد‭ ‬أبٌّ‭ ‬يُدعى‭ ‬بهاء‭ ‬أبو‭ ‬العجين‭ ‬جنديًا‭ ‬إسرائيليًا‭ ‬يركع‭ ‬ويطلق‭ ‬النار‭ ‬على‭ ‬ابنه‭ ‬البالغ‭ ‬من‭ ‬العمر‭ ‬ثلاث‭ ‬سنوات‭ ‬في‭ ‬رأسه‭ ‬بينما‭ ‬كان‭ ‬الصبي‭ ‬يبكي‭ ‬بين‭ ‬ذراعيه‭ ‬قرب‭ ‬دير‭ ‬البلح‭.‬

وفي‭ ‬شهر‭ ‬أبريل‭ ‬الماضي‭ ‬أُصيبت‭ ‬الطفلة‭ ‬ريتاج‭ ‬ريحان،‭ ‬البالغة‭ ‬من‭ ‬العمر‭ ‬تسع‭ ‬سنوات،‭ ‬برصاصة‭ ‬في‭ ‬فمها‭ ‬بينما‭ ‬كانت‭ ‬تقف‭ ‬في‭ ‬خيمة‭ ‬صفية‭ ‬تنتظر‭ ‬معلمتها‭.‬

هذه‭ ‬ليست‭ ‬مجرد‭ ‬حوادث‭ ‬استثنائية‭ ‬تحدث‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬حالة‭ ‬وقف‭ ‬إطلاق‭ ‬النار،‭ ‬وإنما‭ ‬هي‭ ‬في‭ ‬الحقيقة‭ ‬تأكيد‭ ‬لاستمرارٌ‭ ‬حرب‭ ‬الإبادة‭ ‬الجماعية‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬التي‭ ‬تُرتكب‭ ‬تحت‭ ‬ستار‭ ‬وقف‭ ‬إطلاق‭ ‬النار‭.‬

عندما‭ ‬شنت‭ ‬إسرائيل‭ ‬والولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬حربهما‭ ‬على‭ ‬إيران‭ ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬شهر‭ ‬فبراير‭ ‬الماضي،‭ ‬أغلقت‭ ‬إسرائيل‭ ‬جميع‭ ‬المعابر‭ ‬المؤدية‭ ‬إلى‭ ‬غزة‭ ‬بشكل‭ ‬كامل‭. ‬ليس‭ ‬لوجود‭ ‬أي‭ ‬صلة‭ ‬بينهما،‭ ‬بل‭ ‬بسبب‭ ‬طبيعة‭ ‬إسرائيل‭ ‬العدائية‭ ‬وقدرتها‭ ‬على‭ ‬الإفلات‭ ‬من‭ ‬العقاب‭ ‬تحت‭ ‬غطاء‭ ‬الحرب‭.‬

انخفضت‭ ‬عمليات‭ ‬نقل‭ ‬البضائع‭ ‬بالشاحنات‭ ‬أسبوعيًا‭ ‬من‭ ‬متوسط‭ ‬4200‭ ‬شاحنة‭ ‬تقريبًا‭ ‬إلى‭ ‬590‭ ‬شاحنة‭ ‬فقط‭. ‬ولا‭ ‬يزال‭ ‬معبرا‭ ‬كرم‭ ‬شالوم‭ ‬وزيكيم‭ ‬المعبرين‭ ‬الوحيدين‭ ‬العاملين،‭ ‬وحتى‭ ‬الآن،‭ ‬يُعاد‭ ‬ما‭ ‬يقارب‭ ‬نصف‭ ‬الشاحنات‭ ‬القادمة‭ ‬من‭ ‬مصر‭ ‬بدلًا‭ ‬من‭ ‬تفريغ‭ ‬حمولتها‭.‬

لم‭ ‬تعد‭ ‬كميات‭ ‬المساعدات‭ ‬حتى‭ ‬الآن‭ ‬إلى‭ ‬المستويات‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬عليها‭ ‬قبل‭ ‬الحرب‭ ‬الإيرانية،‭ ‬فضلاً‭ ‬عن‭ ‬بلوغها‭ ‬الحد‭ ‬الأدنى‭ ‬الذي‭ ‬حددته‭ ‬منظمة‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬لقطاع‭ ‬غزة‭.‬

وقد‭ ‬حذرت‭ ‬أربع‭ ‬وكالات‭ ‬تابعة‭ ‬لمنظمة‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬تفشي‭ ‬مظاهر‭ ‬المجاعة‭ ‬التي‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬المفترض‭ ‬أن‭ ‬ينهيها‭ ‬وقف‭ ‬إطلاق‭ ‬النار‭ ‬قد‭ ‬تعود‭ ‬في‭ ‬حال‭ ‬عدم‭ ‬استمرار‭ ‬وصول‭ ‬المساعدات‭.‬

ويضطر‭ ‬68‭% ‬من‭ ‬سكان‭ ‬غزة‭ ‬حالياً‭ ‬إلى‭ ‬حرق‭ ‬النفايات‭ ‬للطهي‭ ‬لعدم‭ ‬توافر‭ ‬الغاز‭ ‬الكافي‭. ‬ولا‭ ‬يوجد‭ ‬مستشفى‭ ‬واحد‭ ‬من‭ ‬مستشفيات‭ ‬غزة‭ ‬البالغ‭ ‬عددها‭ ‬37‭ ‬مستشفى‭ ‬يعمل‭ ‬بكامل‭ ‬طاقته،‭ ‬بل‭ ‬إن‭ ‬19‭ ‬مستشفى‭ ‬فقط‭ ‬تعمل‭ ‬جزئياً‭.‬

كذلك،‭ ‬يظل‭ ‬ما‭ ‬يقرب‭ ‬من‭ ‬نصف‭ ‬الأدوية‭ ‬الأساسية‭ ‬غير‭ ‬متوافر،‭ ‬فيما‭ ‬تتعمد‭ ‬إسرائيل‭ ‬تأخير‭ ‬وصول‭ ‬المعدات‭ ‬الجراحية‭ ‬اللازمة‭ ‬لعلاج‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬43‭ ‬ألف‭ ‬شخص‭ ‬يعانون‭ ‬من‭ ‬إصابات‭ ‬بالغة‭ ‬تُغير‭ ‬مجرى‭ ‬حياتهم‭. ‬

وتشير‭ ‬التقديرات‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬40‭ ‬ألف‭ ‬شخص‭ ‬يُحتمل‭ ‬أن‭ ‬يُصابوا‭ ‬بإعاقات‭ ‬دائمة‭ ‬نتيجة‭ ‬نقص‭ ‬العلاج،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يُمثل‭ ‬مرحلة‭ ‬أخرى‭ ‬من‭ ‬حرب‭ ‬الإبادة‭ ‬الجماعية‭ ‬الصامتة‭ ‬التي‭ ‬ترتكبها‭ ‬إسرائيل‭.‬

ويزعم‭ ‬تقرير‭ ‬أعده‭ ‬مجلس‭ ‬السلام‭ ‬وامتد‭ ‬على‭ ‬فترة‭ ‬ستة‭ ‬أشهر‭ ‬أن‭ ‬توزيع‭ ‬المساعدات‭ ‬ارتفع‭ ‬بنسبة‭ ‬70‭% ‬وأن‭ ‬الاحتياجات‭ ‬الغذائية‭ ‬الأساسية‭ ‬قد‭ ‬‮«‬استقرت‮»‬‭ ‬لأول‭ ‬مرة‭ ‬منذ‭ ‬عام‭ ‬2023‭.‬

وفي‭ ‬إطار‭ ‬فن‭ ‬التعبير‭ ‬الملطف‭ ‬واللبق،‭ ‬فإن‭ ‬70‭% ‬من‭ ‬الصفر‭ ‬هو‭ ‬صفر،‭ ‬والغذاء‭ ‬الأساسي‭ ‬قد‭ ‬‮«‬استقر‮»‬،‭ ‬ما‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬الشحنات‭ ‬تدخل‭ ‬بانتظام،‭ ‬ولكنها‭ ‬تظل‭ ‬غير‭ ‬كافية‭ ‬بالمرة‭.‬

لقد‭ ‬غيب‭ ‬التقرير‭ ‬بشكل‭ ‬ملحوظ‭ ‬أي‭ ‬ذكر‭ ‬لحقيقة‭ ‬أن‭ ‬عمليات‭ ‬تسليم‭ ‬شاحنات‭ ‬المساعدات‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬أبداً‭ ‬إلى‭ ‬مستويات‭ ‬ما‭ ‬قبل‭ ‬الحرب‭ ‬الإيرانية،‭ ‬وأنها‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬أقل‭ ‬بكثير‭ ‬من‭ ‬الحد‭ ‬الأدنى‭ ‬الذي‭ ‬تعتبره‭ ‬منظمة‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬نفسها‭ ‬مسألة‭ ‬ضرورية‭ ‬للإبقاء‭ ‬على‭ ‬الحياة‭.‬

يركز‭ ‬هذا‭ ‬التقرير‭ ‬نصف‭ ‬السنوي‭ ‬الذي‭ ‬أعده‭ ‬مجلس‭ ‬السلام‭ ‬المزعوم‭ ‬في‭ ‬أغلب‭ ‬صفحاته‭ ‬على‭ ‬إلقاء‭ ‬اللوم‭ ‬على‭ ‬الفلسطينيين،‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أي‭ ‬ذكر‭ ‬لجيش‭ ‬الاحتلال‭ ‬الذي‭ ‬تجاوز‭ ‬خط‭ ‬وقف‭ ‬إطلاق‭ ‬النار،‭ ‬ولا‭ ‬لأمر‭ ‬إسرائيل‭ ‬لمنظمات‭ ‬الإغاثة‭ ‬مثل‭ ‬أطباء‭ ‬بلا‭ ‬حدود،‭ ‬والمجلس‭ ‬النرويجي‭ ‬للاجئين،‭ ‬وأوكسفام‭ ‬بالاختيار‭ ‬بين‭ ‬تسليم‭ ‬أسماء‭ ‬موظفيها‭ ‬إلى‭ ‬حكومة‭ ‬تستهدف‭ ‬العاملين‭ ‬في‭ ‬المجال‭ ‬الإنساني،‭ ‬أو‭ ‬وقف‭ ‬العمليات‭ ‬في‭ ‬غزة‭ ‬بالكامل‭.‬

وحتى‭ ‬كيفية‭ ‬إحصاء‭ ‬الصحفيين‭ ‬القتلى‭ ‬تظل‭ ‬محل‭ ‬خلاف؛‭ ‬فقد‭ ‬تعرضت‭ ‬لجنة‭ ‬حماية‭ ‬الصحفيين‭ ‬لضغوط‭ ‬لإعادة‭ ‬تعريف‭ ‬من‭ ‬يُعتبر‭ ‬صحفيًا‭ ‬‮«‬فلسطينيًا‮»‬‭. ‬وكان‭ ‬الهدف‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الخطوة‭ ‬منح‭ ‬إسرائيل‭ ‬ذريعة‭ ‬لقتل‭ ‬الصحفيين‭ ‬الفلسطينيين‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬عقاب‭.‬

وقد‭ ‬أُقيل‭ ‬أحد‭ ‬أعضاء‭ ‬مجلس‭ ‬إدارة‭ ‬لجنة‭ ‬حماية‭ ‬الصحفيين،‭ ‬الذي‭ ‬اعترض‭ ‬على‭ ‬النظر‭ ‬في‭ ‬طلب‭ ‬إسرائيل،‭ ‬في‭ ‬غضون‭ ‬أيام‭ ‬من‭ ‬احتجاجاته‭ ‬العلنية‭. ‬وفي‭ ‬نهاية‭ ‬المطاف،‭ ‬أبقى‭ ‬المجلس‭ ‬على‭ ‬تعريفه‭ ‬كما‭ ‬هو،‭ ‬ولكن‭ ‬بعد‭ ‬استبعاد‭ ‬20‭ ‬صحفيًا‭ ‬فلسطينيًا‭ ‬قُتلوا‭ ‬من‭ ‬الإحصاء‭.‬

هذا‭ ‬ما‭ ‬يضفي‭ ‬عليه‭ ‬مجلس‭ ‬السلام‭ ‬طابعاً‭ ‬طبيعياً‭: ‬قوة‭ ‬احتلال‭ ‬تتوسع‭ ‬بينما‭ ‬تظل‭ ‬الهدنة‭ ‬من‭ ‬جانب‭ ‬واحد‭ ‬سارية‭ ‬المفعول،‭ ‬فيما‭ ‬أعيد‭ ‬تسمية‭ ‬سياسة‭ ‬التجويع‭ ‬بنجاح‭ ‬باعتبارها‭ ‬تحقيق‭ ‬الاستقرار،‭ ‬وتسمية‭ ‬معسكرات‭ ‬الاعتقال‭ ‬باعتبارها‭ ‬خطة‭ ‬إسكان،‭ ‬وتسمية‭ ‬التطهير‭ ‬العرقي‭ ‬باعتباره‭ ‬تكريسا‭ ‬لحرية‭ ‬التنقل،‭ ‬فيما‭ ‬يستمر‭ ‬عدد‭ ‬الوفيات‭ ‬في‭ ‬الارتفاع‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬عقاب‭.‬

كان‭ ‬محمد‭ ‬الواحدي‭ ‬ذلك‭ ‬الجدّ‭ ‬الذي‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬يتمنى‭ ‬سوى‭ ‬منح‭ ‬العائلات‭ ‬النازحة‭ ‬ساعة‭ ‬من‭ ‬الفرح‭ ‬بمشاهدة‭ ‬مباراة‭ ‬كرة‭ ‬قدم،‭ ‬لكن‭ ‬أصبح‭ ‬اسمه‭ ‬مجرد‭ ‬اسم‭ ‬آخر‭ ‬يُضاف‭ ‬إلى‭ ‬قائمة‭ ‬ضحايا‭ ‬الإبادة‭ ‬الجماعية‭ ‬المتزايدة‭ ‬باستمرار‭. ‬في‭ ‬غزة،‭ ‬حيث‭ ‬‮«‬دُمر‭ ‬جوهر‭ ‬الطفولة‭ ‬واغتيلت‭ ‬براءتها‮»‬،‭ ‬فضلا‭ ‬عن‭ ‬أنه‭ ‬حتى‭ ‬أبسط‭ ‬الأعمال‭ ‬الإنسانية‭ ‬باتت‭ ‬تُعاقب‭ ‬بالإعدام‭.‬

{‭ ‬كاتب‭ ‬فلسطيني‭ ‬مقيم‭ ‬في‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600) حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا