تتطلب تقوية وحدة المجتمع البحريني وتقوية الجبهة الداخلية بناء كتلة وطنية خارج نطاق الطائفية وتعزيزها بعيدا عن الأحزاب والتوجهات الطائفية، وخاصة تلك التي لها اجندة غير وطنية، وأنه لا مناص من ان تتولى هذه العملية القوى الديمقراطية الحقيقية التي تعمل من خارج المنظور الطائفي التي يجب ان تمتلك القدرة على العمل الجماعي والمساعدة على بناء وفاق وطني دائم.
إلا ان المأساة ان هذه القوى الاجتماعية اليوم مشتتة وضعيفة، ولذلك تظل تراوح مكانها فاقدة التأثير ومن دون فاعلية ميدانية أو حتى سياسية وفكرية، ولذلك فإن الذين يتحدثون اليوم عن الإصلاح السياسي الديمقراطي في إطار دولة مدنية عادلة تتحقق فيها المواطنة المتساوية، يقعون في مفارقة غريبة عندما يقدمون هذا الإعلان الجميل وهم في موقع الأحزاب الطائفية التي تفرق ولا تجمع، وتميز ولا توحد، وتقسم المجتمع إلى فئتين: الفئة الإيمانية والفئة غير الإيمانية.
وتلك ليست مجرد كلمات متقاطعة أو عبارات عابرة في عالم اللغة الفقهية – السياسية، بل هي كلمات دقيقة ومحددة المعاني والاهداف، وتعكس خيارات طائفية ممنهجة ومعلنة (باستخدام ضروب الكنايات)، وهي خيارات مدروسة لمجتمع تحت السيطرة بشعارات غير ديمقراطية، تبشرنا بمجتمع لا يتساوى فيه المواطنون في شيء إلا في الخضوع للسلطة الطائفية المطلقة غير القابلة للمناقشة، فما بالك بإمكانية معارضتها علنا أو الاحتجاج عليها بأي صورة من الصور.
إن مثل هذه السلطة التي تحاول إضفاء نوع من القداسة على توجهاتها تعتبر أي اختلاف معها مروقا يعرض مقترفه أو مرتكبه للنبذ والرجم باعتبار المعارضة في سياق الدولة الدينية – الطائفية خروجا عن «القائد الديني» وتصنف هرطقة وربما حتى إفسادا في الأرض، وهي الصفات التي تطلق على اغلب المعارضين السلميين في جمهورية إيران الإسلامية مثلا وهي الدولة الدينية – الطائفية بامتياز. وهي النموذج الذي يغري بعض الجماعات وتحاول استلهام نموذجها منه!!
هؤلاء ليس لديهم أي تصور جدي وصادق لمجتمع مدني أو دولة مدنية، إلا إذا كان المقصود بذلك الجمهورية إياها التي يحكمها ويوجهها المرجع الفرد – المغلف بالقداسة، فهم يتجاهلون ان الدولة المدنية والبناء الديمقراطي يتناقضان مع وجود أحزاب طائفية مستندة إلى مرجعية دينية لها سمات تقترب من القداسة بيدها تقرير كل كبيرة وصغيرة ولها القول الفصل في كل شيء.
وهذه التصورات تلغي نظرية (الإرادة الشعبية) وبما يلغي أيضا حق الاختلاف والمعارضة، وهذا الخيار المظلم يتناقض مع المجتمع القائم على احترام التعددية الثقافية والفكرية والسياسية، فوجود أحزاب سياسية على أسس طائفية أمر غير مقبول بالمعيار المدني وبالمعيار الديمقراطي، ولذلك لا يمكن الحديث عن ديمقراطية أو دولة مدنية مع وجود أحزاب طائفية، وإن أي اصلاح ديمقراطي جدي وحقيقي يستوجب اصلاح الحياة السياسية بداية، بما في ذلك إلغاء الأحزاب الطائفية وحظرها بكل الوسائل القانونية ووضع الضوابط الكفيلة بالفصل بين ما هو ديني وما هو مذهبي وما هو سياسي... اما رعاية الدين وشؤونه في دولة دينها الإسلام فهي مسؤولية الدولة دون غيرها.
وقد يقول قائل: إن إقامة أحزاب على أسس دينية أمر واقع في بعض البلدان الغربية، حيث يوجد في هذه البلدان أحزاب توصف بالمسيحية مثل الحزب الديمقراطي المسيحي في ايطاليا وشبيهه في ألمانيا.. ولكن بالعودة إلى دساتير هذه البلدان التي بها أحزاب مسيحية تشير إلى أن هذه الأحزاب ديمقراطية وملتزمة باحترام الدستور والقانون المدنيين، بما في ذلك الفصل بين الدين والسياسة فصلا كاملا، وعدم تقديم التعبيرات والمبادئ العقائدية في القول والفعل، وهي برغم تسميتها المسيحية لا تحمل من هذه الصفة إلا الاسم، فهي أحزاب تمثل أجنحة محافظة تستلهم القيم من المسيحية ولكنها محكومة ومنضبطة بقواعد الدستور والقوانين الوضعية.
كما أن «المرجعية الدينية» للأحزاب الديمقراطية المسيحية لا تزيد على الالتزام بقيم ومبادئ أخلاقية عليا، واضحة وغير مبهمة؛ مثل الكرامة الإنسانية والعدالة والمساواة والمسؤولية الاجتماعية والمواطنة الفعالة والأمانة والشفافية. ولن تجد عند أي منها دعوة لإقامة «دولة مسيحية» محلية أو عالمية، أو مطالبة بجعل «الشريعة المسيحية» فوق الدساتير أو مصدرها. ولا يقول أي منها -في استعلاء- أن «المسيحية هي الحل»؛ بل يقدم برامج ومواقف محددة يُستشَف منها الالتزام بمبادئ وقيم عليا عامة وذات طابع أخلاقي وإنساني. وليس لديها مراجع وفقهاء مقدسون يصنفون في الدولة بكونهم خطوطا حمرا لا يمسهم القانون. كما ان هذه الأحزاب في الغرب لا تستند مطلقا إلى مرجعيات مقدسة لها القول الفصل في كل شيء تقريبا، بدءا من الحياة الفردية الخاصة، وصولا إلى الخيارات السياسية والاقتصادية، كما أنها لا تحيل إلى هذه المرجعيات كل خطوة وقانون ومشروع قانون واقتراح، بما يفقد الديمقراطية التمثيلية أي معنى حقيقي لها، بل يفقدها العمق الشعبي، لأن الشعب في هذه الحالة يكون غائبا مغيبا، يسرق منه صوته ليحول إلى صوت واحد وحيد. ولذلك فإن أي محاولة للبحث عن تشابه بين تلك الأحزاب والأحزاب «الطائفية» عندنا الشرعية منها أو المحظورة فهي محاولة تبريرية فاشلة لا تستقيم مع الواقع والتاريخ، كما لا نظن أن القوى الطائفية عندنا يمكن أن تقبل بالالتزام بمدنية الدولة بالقول والفعل وبفصل الأحزاب عن المرجعيات الدينية وعن طقوسها الطائفية التمييزية وعن سلطتها المطلقة وعن تصنيف المواطنين بناء على مذاهبهم.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك