هناك أشياء نخسرها على مراحل من غير أن ننتبه، لأنّها لا تسقط فجأةً، ولا تترك صوتاً عند رحيلها. وسلامك الداخلي واحد من تلك الأشياء. يغادر بهدوء، ويتراجع خطوةً بعد أخرى، حتّى تستيقظ ذات يوم فتجد نفسك تعيش حياة تشبهك من الخارج، ولا تعرفها من الداخل. تبتسم، وتنجز، وتردّ على الرسائل، وتشارك الآخرين مناسباتهم، بينما في أعماقك مساحةٌ أرهقتها المجاملات، واستنزفتها التنازلات، وأتعبها حمل ما لا يخصّها.
سلامك الداخلي ليس رفاهيةً نفسيةً كما يظنّ بعضهم، ولا حالةً مثاليةً يعيشها أصحاب الحظّ السعيد. إنّه شرط أساس لتبقى قادراً على التفكير السليم، واتخاذ قرار متّزن، ومحبّة مَن حولك من غير أن تتحوّل محبتك إلى استنزاف دائم. وكلّما تقدّم العمر أدركتَ أنّ المكاسب الحقيقية لا تقاس بما أضفتَه إلى حسابك المصرفي، ولا بعدد من يعرفون اسمك، وإنّما بما بقي في قلبك من طمأنينة بعد تلك الرحلة الطويلة كلّها.
لهذا يستحق سلامك الداخلي الحماية، لأنّ كثيرين سيتعاملون معه كما لو أنّه حقّ مشاع. سيطالبك بعضهم بأن تتحمّل فوق طاقتك، وسيعتبر آخرون صمتَك إذعاناً، وسيقرأ بعضهم لطفك على أنّه ضعف، وسيختبرون حدودك مرّة بعد أخرى، حتّى إذا اعترضتَ، اتهموك بالتغيّر. والحقيقة أنّك لم تتغيّر، وإنّما بدأت تحرس ما أهملتَه طويلاً.
الحياة تعلّمنا متأخّرين أنّ الحدود ليست جدراناً تفصلنا عن الآخرين، وإنّما نوافذ تحفظ الهواء داخل أرواحنا. ومن لا يعرف كيف يضع حدّاً واضحاً، سيجد نفسه يعيش وفق توقّعات الجميع، بينما تتضاءل رغبته في الحياة التي اختارها لنفسه. وليس من العدل أن تقضي سنواتك تشرح للآخرين لماذا تحتاج إلى بعض الهدوء، أو لماذا اعتذرتَ عن لقاء، أو لماذا رفضتَ أمراً يرهقك. الاعتذار الدائم بسبب حماية نفسك يستهلك طاقتك أكثر ممّا يستهلكها أيُّ خلاف.
ومن الأخطاء التي نقع فيها أنّنا نربط الطيبة بإلغاء الذات. نعتقد أنّ الشخص النبيل هو الذي يوافق دائماً، ويصفح دائماً، ويضحّي دائماً، ويضع نفسه في آخر القائمة. ومع مرور الوقت يكتشف أنّ القائمة انتهت، وأنّ اسمه لم يصل إليها أبداً. وما أكثر الذين أنهكتهم رغبتهم في إرضاء الجميع، حتّى فقدوا قدرتهم على إرضاء أنفسهم، وصاروا يبحثون عن لحظة راحة كما يبحث العطشان عن قطرة ماء.
والأغرب أنّ معارك كثيرة تستنزفنا لم تكن تستحقّ الدخول فيها أصلاً. كلمة عابرة، وتعليق مستفزّ، وسوء فهم، ورأي مخالف، وشخص يصرّ على أن يراك بالصورة التي رسمها لك في خياله. وذلك كلّه يمكن تجاوزه إذا تذكّرتَ أنّ سلامك الداخلي أغلى من أن يكون جائزةً في معركة عبثية. ليس كلّ ما يقال يستحقّ ردّاً، وليس كلّ استفزاز يحتاج إلى مواجهة، وليس كلّ علاقة تستحقّ محاولةً جديدةً.
ومع الأيّام، يتغيّر تعريف القوّة. لم تعد القوّة أن تنتصر في كلّ نقاش، ولا أن تثبت للجميع أنّك على حقّ، ولا أن تحمل أعباء الآخرين حتّى يصفّقوا لك. القوّة أن تعرف متى تنسحب، ومتى تصمت، ومتى تغلق باباً تأخّر إغلاقه، ومتى تقول كلمة «يكفي» من غير شعور بالذنب. تلك الكلمة الصغيرة تنقذ أعماراً كاملةً.
ومن أجمل ما يتعلّمه الإنسان أنّ السلام الداخلي لا يأتي من الخارج. لا تمنحه وظيفةٌ، ولا بيتٌ أكبر، ولا رحلةٌ بعيدة، ولا مديحٌ عابر... قد تمنحك هذه الأشياء لحظاتٍ من البهجة، لكنّها لا تصنع السكينة إذا كان قلبك مثقلاً بما يؤذيه. والسلام يبدأ عندما تتصالح مع نقصك، وتعترف بأخطائك، وتتوقّف عن مقارنة رحلتك برحلات الآخرين، وتمنح نفسك الحقّ في أن تتعب، وأن تستريح، وأن تبدأ من جديد.
ولهذا، ليست مراجعة العلاقات بين حين وآخر قسوةً، وإنّما مسؤولية. هناك أشخاص يضيفون إلى حياتك معنى، ويجعلون الأيّام أخفَّ، ويمنحونك شعوراً بالأمان. وهناك من يتركك بعد كلّ لقاء أكثر إنهاكاً، وأكثر شكّاً في نفسك، وأكثر ميلاً إلى الصمت. والفارق بين الفريقَين يكفي ليخبرك أين يجب أن تبقى، وأين ينبغي أن تغادر. فالعلاقات لا تقاس بطولها، وإنّما بالأثر الذي تتركه في القلب بعد انقضاء الحديث.
وأحياناً يكون أكبر اعتداء على سلامك الداخلي صادراً منك أنت. عندما تكرّر جَلدَ ذاتك على خطأ قديم، أو ترفض أن تسامح نفسك، أو تظلّ أسير قرار اتخذتَه منذ سنوات. ما مضى لا يعود، وما يمكن إنقاذه هو ما تبقّى من الطريق. والحياة أكثر رحمةً مع مَن يتعلّم منها، وأقلّ رحمةً مع مَن يصرّ على معاقبة نفسه إلى الأبد.
سلامك الداخلي لا يحتاج إلى إعلان، ولا إلى شعارات، ولا إلى وصايا محفوظة. يحتاج إلى قرارات صغيرة تتكرّر كلّ يوم. أن تختار صحبتك بعناية، وأن تمنح وقتك لمن يستحقّه، وأن تبتعد عمّا يستهلك قلبك، وأن تحفظ كرامتك، وأن تنام كلّ ليلة وقد تصالحتَ مع نفسك أكثر ممّا تصالحتَ مع الآخرين.
وحين تدرك قيمة هذا السلام، ستكتشف أنّ كثيراً ممّا كنتَ تلاحقه لم يكن يستحقّ ذلك العناء كلّه. وستفهم أنّ أجمل انتصار يحقّقه المرء في حياته هو أن يحافظ على قلبه سليماً، وعلى عقله هادئاً، وعلى روحه قادرةً على استقبال يوم جديد من دون أثقال لا ضرورة لها. عندها فقط يصبح السلام الداخلي وطناً صغيراً تحمله معك أينما ذهبت، وتصبح حمايته من أنبل المسؤوليات التي تؤدّيها تجاه نفسك.
{ كاتبة وشاعرة كويتية.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك