العدد : ١٧٧٣١ - الجمعة ٠٩ أكتوبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٨ ربيع الآخر ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٧٣١ - الجمعة ٠٩ أكتوبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٨ ربيع الآخر ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

تحديات أمن الملاحة في الشرق الأوسط

بقلم: د. عمرو حمزاوي

الثلاثاء ٢٨ يوليو ٢٠٢٦ - 02:00

تشكل‭ ‬الحرب‭ ‬الأمريكية‭ ‬الإيرانية،‭ ‬إذا‭ ‬استمرت‭ ‬أو‭ ‬اتسع‭ ‬نطاقها،‭ ‬أحد‭ ‬أكبر‭ ‬التهديدات‭ ‬التي‭ ‬تواجه‭ ‬أمن‭ ‬الملاحة‭ ‬البحرية‭ ‬في‭ ‬الخليج‭ ‬العربي‭ ‬والبحر‭ ‬الأحمر،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬مجمل‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭. ‬فهذه‭ ‬الحرب‭ ‬لا‭ ‬تقتصر‭ ‬آثارها‭ ‬على‭ ‬المواجهة‭ ‬العسكرية‭ ‬المباشرة‭ ‬بين‭ ‬واشنطن‭ ‬وطهران،‭ ‬وإنما‭ ‬تمتد‭ ‬إلى‭ ‬الممرات‭ ‬البحرية‭ ‬التي‭ ‬يعتمد‭ ‬عليها‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي،‭ ‬وإلى‭ ‬الدول‭ ‬المطلة‭ ‬على‭ ‬الخليج‭ ‬والبحر‭ ‬الأحمر،‭ ‬وإلى‭ ‬أسواق‭ ‬الطاقة‭ ‬والتجارة‭ ‬الدولية‭. ‬ولذلك‭ ‬فإن‭ ‬أمن‭ ‬الملاحة‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬قضية‭ ‬فنية‭ ‬أو‭ ‬اقتصادية‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬أصبح‭ ‬جزءًا‭ ‬لا‭ ‬يتجزأ‭ ‬من‭ ‬معادلة‭ ‬الأمن‭ ‬الإقليمي‭ ‬والدولي‭.‬

تكمن‭ ‬خطورة‭ ‬الوضع‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬الخليج‭ ‬العربي‭ ‬يضم‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز،‭ ‬الذي‭ ‬يمر‭ ‬عبره‭ ‬جزء‭ ‬كبير‭ ‬من‭ ‬صادرات‭ ‬النفط‭ ‬والغاز‭ ‬العالمية،‭ ‬فيما‭ ‬يربط‭ ‬البحر‭ ‬الأحمر‭ ‬بين‭ ‬مضيق‭ ‬باب‭ ‬المندب‭ ‬وقناة‭ ‬السويس،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يجعله‭ ‬أحد‭ ‬أهم‭ ‬طرق‭ ‬التجارة‭ ‬الدولية‭. ‬ومع‭ ‬تحول‭ ‬هذين‭ ‬الممرين‭ ‬إلى‭ ‬ساحات‭ ‬محتملة‭ ‬للصراع،‭ ‬تصبح‭ ‬حرية‭ ‬الملاحة‭ ‬رهينة‭ ‬للتطورات‭ ‬العسكرية‭ ‬والسياسية،‭ ‬ويصبح‭ ‬أي‭ ‬تصعيد‭ ‬بين‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬وإيران‭ ‬كفيلًا‭ ‬بإحداث‭ ‬اضطرابات‭ ‬واسعة‭ ‬النطاق‭ ‬في‭ ‬حركة‭ ‬السفن‭ ‬وناقلات‭ ‬النفط‭ ‬والبضائع‭.‬

لقد‭ ‬أثبتت‭ ‬التطورات‭ ‬الأخيرة‭ ‬أن‭ ‬المخاطر‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬افتراضية‭. ‬فقد‭ ‬أدت‭ ‬الهجمات‭ ‬على‭ ‬السفن‭ ‬التجارية‭ ‬وارتفاع‭ ‬أقساط‭ ‬التأمين‭ ‬البحري‭ ‬إلى‭ ‬زيادة‭ ‬تكاليف‭ ‬النقل،‭ ‬كما‭ ‬اضطرت‭ ‬بعض‭ ‬شركات‭ ‬الشحن‭ ‬إلى‭ ‬تغيير‭ ‬مساراتها‭ ‬أو‭ ‬تعليق‭ ‬رحلاتها‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬المناطق‭ ‬عالية‭ ‬الخطورة‭. ‬وتشير‭ ‬التقديرات‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬شركات‭ ‬التأمين‭ ‬رفعت‭ ‬بصورة‭ ‬كبيرة‭ ‬رسوم‭ ‬التأمين‭ ‬ضد‭ ‬أخطار‭ ‬الحرب،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬اضطرت‭ ‬بعض‭ ‬السفن‭ ‬إلى‭ ‬تجنب‭ ‬المرور‭ ‬عبر‭ ‬المناطق‭ ‬الأكثر‭ ‬تعرضًا‭ ‬للتهديد‭.‬

ولا‭ ‬تقتصر‭ ‬هذه‭ ‬الأخطار‭ ‬على‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز‭ ‬وحده؛‭ ‬فمنذ‭ ‬سنوات‭ ‬أصبح‭ ‬البحر‭ ‬الأحمر‭ ‬بدوره‭ ‬ساحة‭ ‬مفتوحة‭ ‬للتوترات‭ ‬العسكرية،‭ ‬سواء‭ ‬بسبب‭ ‬استهداف‭ ‬السفن‭ ‬التجارية‭ ‬أو‭ ‬بسبب‭ ‬استخدام‭ ‬الصواريخ‭ ‬والطائرات‭ ‬المسيرة‭ ‬والزوارق‭ ‬المفخخة‭. ‬ومع‭ ‬اتساع‭ ‬نطاق‭ ‬المواجهة‭ ‬الأمريكية‭ ‬الإيرانية‭ ‬يزداد‭ ‬احتمال‭ ‬انتقال‭ ‬الصراع‭ ‬إلى‭ ‬باب‭ ‬المندب،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يعني‭ ‬تهديدًا‭ ‬مزدوجًا‭ ‬للملاحة‭ ‬البحرية‭ ‬في‭ ‬أهم‭ ‬ممرين‭ ‬للطاقة‭ ‬والتجارة‭ ‬في‭ ‬العالم‭. ‬وقد‭ ‬حذرت‭ ‬تقارير‭ ‬دولية‭ ‬حديثة‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬تصاعد‭ ‬التهديدات‭ ‬في‭ ‬باب‭ ‬المندب‭ ‬قد‭ ‬يدفع‭ ‬المزيد‭ ‬من‭ ‬السفن‭ ‬إلى‭ ‬الالتفاف‭ ‬حول‭ ‬رأس‭ ‬الرجاء‭ ‬الصالح،‭ ‬بما‭ ‬يضيف‭ ‬أسابيع‭ ‬إلى‭ ‬زمن‭ ‬الرحلات‭ ‬ويرفع‭ ‬تكاليف‭ ‬التجارة‭ ‬العالمية‭ ‬بصورة‭ ‬كبيرة‭.‬

وتدرك‭ ‬إيران‭ ‬أن‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬مواجهة‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬عسكريًا‭ ‬بصورة‭ ‬تقليدية‭ ‬تظل‭ ‬محدودة،‭ ‬ولذلك‭ ‬تعتمد‭ ‬منذ‭ ‬سنوات‭ ‬على‭ ‬استراتيجية‭ ‬الحرب‭ ‬غير‭ ‬المتماثلة،‭ ‬التي‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬استخدام‭ ‬الصواريخ‭ ‬والطائرات‭ ‬المسيرة‭ ‬والقوات‭ ‬البحرية‭ ‬الصغيرة،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬الحلفاء‭ ‬الإقليميين،‭ ‬لإرباك‭ ‬حركة‭ ‬الملاحة‭ ‬ورفع‭ ‬كلفة‭ ‬الوجود‭ ‬العسكري‭ ‬الأمريكي‭. ‬ومن‭ ‬هذا‭ ‬المنطلق‭ ‬فإن‭ ‬تهديد‭ ‬الملاحة‭ ‬البحرية‭ ‬يمثل‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬طهران‭ ‬وسيلة‭ ‬ضغط‭ ‬سياسية‭ ‬وعسكرية‭ ‬واقتصادية‭ ‬أكثر‭ ‬منه‭ ‬هدفًا‭ ‬عسكريًا‭ ‬مستقلًا‭.‬

وفي‭ ‬المقابل،‭ ‬ترى‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬أن‭ ‬حرية‭ ‬الملاحة‭ ‬تمثل‭ ‬أحد‭ ‬المبادئ‭ ‬الأساسية‭ ‬للنظام‭ ‬الدولي،‭ ‬ولذلك‭ ‬تحافظ‭ ‬على‭ ‬وجود‭ ‬بحري‭ ‬كثيف‭ ‬في‭ ‬الخليج‭ ‬والبحر‭ ‬الأحمر‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الوجود،‭ ‬على‭ ‬أهميته،‭ ‬لا‭ ‬يستطيع‭ ‬أن‭ ‬يوفر‭ ‬حماية‭ ‬كاملة‭ ‬لكل‭ ‬السفن‭ ‬التجارية،‭ ‬وخاصة‭ ‬مع‭ ‬التطور‭ ‬الكبير‭ ‬في‭ ‬استخدام‭ ‬الطائرات‭ ‬المسيرة‭ ‬والصواريخ‭ ‬الدقيقة‭ ‬والألغام‭ ‬البحرية‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬اتساع‭ ‬رقعة‭ ‬العمليات‭ ‬العسكرية‭ ‬يجعل‭ ‬من‭ ‬الصعب‭ ‬ضمان‭ ‬أمن‭ ‬الملاحة‭ ‬بصورة‭ ‬مطلقة،‭ ‬حتى‭ ‬مع‭ ‬وجود‭ ‬أساطيل‭ ‬بحرية‭ ‬متقدمة‭. ‬وقد‭ ‬أصدرت‭ ‬الجهات‭ ‬الأمريكية‭ ‬المختصة‭ ‬بالملاحة‭ ‬البحرية‭ ‬تحذيرات‭ ‬متكررة‭ ‬من‭ ‬استمرار‭ ‬ارتفاع‭ ‬المخاطر‭ ‬على‭ ‬السفن‭ ‬التجارية‭ ‬في‭ ‬الخليج‭ ‬العربي‭ ‬ومضيق‭ ‬هرمز‭ ‬وخليج‭ ‬عمان،‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬مخاطر‭ ‬الهجمات‭ ‬الصاروخية‭ ‬والتشويش‭ ‬الإلكتروني‭ ‬على‭ ‬أنظمة‭ ‬الملاحة‭.‬

وتتحمل‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬العربية‭ ‬العبء‭ ‬الأكبر‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬التطورات‭. ‬فهي‭ ‬ليست‭ ‬فقط‭ ‬الدول‭ ‬المطلة‭ ‬على‭ ‬الخليج،‭ ‬وإنما‭ ‬تعتمد‭ ‬اقتصاداتها‭ ‬بدرجات‭ ‬متفاوتة‭ ‬على‭ ‬صادرات‭ ‬الطاقة‭ ‬المنقولة‭ ‬بحرًا‭. ‬وكل‭ ‬اضطراب‭ ‬في‭ ‬الملاحة‭ ‬يعني‭ ‬ارتفاع‭ ‬تكاليف‭ ‬الشحن‭ ‬والتأمين،‭ ‬وتأخير‭ ‬وصول‭ ‬الصادرات،‭ ‬واحتمال‭ ‬انخفاض‭ ‬الإيرادات،‭ ‬فضلًا‭ ‬عن‭ ‬التأثير‭ ‬السلبي‭ ‬على‭ ‬الاستثمارات‭ ‬الأجنبية‭ ‬التي‭ ‬تبحث‭ ‬دائمًا‭ ‬عن‭ ‬بيئة‭ ‬مستقرة‭ ‬وآمنة‭.‬

أما‭ ‬مصر،‭ ‬فإنها‭ ‬تجد‭ ‬نفسها‭ ‬أيضًا‭ ‬في‭ ‬قلب‭ ‬هذه‭ ‬الأزمة‭ ‬بحكم‭ ‬ارتباط‭ ‬قناة‭ ‬السويس‭ ‬مباشرة‭ ‬بحركة‭ ‬الملاحة‭ ‬في‭ ‬البحر‭ ‬الأحمر‭. ‬فكل‭ ‬تراجع‭ ‬في‭ ‬أعداد‭ ‬السفن‭ ‬العابرة‭ ‬نتيجة‭ ‬المخاطر‭ ‬الأمنية‭ ‬ينعكس‭ ‬على‭ ‬إيرادات‭ ‬القناة،‭ ‬وعلى‭ ‬الاقتصاد‭ ‬المصري‭ ‬بصورة‭ ‬عامة‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬استمرار‭ ‬التوتر‭ ‬في‭ ‬البحر‭ ‬الأحمر‭ ‬يضع‭ ‬ضغوطًا‭ ‬إضافية‭ ‬على‭ ‬الأمن‭ ‬القومي‭ ‬المصري،‭ ‬نظرًا‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬يمثله‭ ‬هذا‭ ‬البحر‭ ‬من‭ ‬أهمية‭ ‬استراتيجية‭ ‬لمصر‭ ‬ولأمنها‭ ‬البحري‭.‬

ولا‭ ‬تقف‭ ‬التداعيات‭ ‬عند‭ ‬حدود‭ ‬المنطقة؛‭ ‬فإغلاق‭ ‬أو‭ ‬تعطيل‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز‭ ‬أو‭ ‬باب‭ ‬المندب،‭ ‬حتى‭ ‬بصورة‭ ‬جزئية،‭ ‬ينعكس‭ ‬فورًا‭ ‬على‭ ‬أسعار‭ ‬النفط‭ ‬والغاز،‭ ‬وعلى‭ ‬معدلات‭ ‬التضخم‭ ‬العالمية،‭ ‬وعلى‭ ‬سلاسل‭ ‬الإمداد‭ ‬الدولية‭. ‬ويكفي‭ ‬أن‭ ‬تتزايد‭ ‬احتمالات‭ ‬إغلاق‭ ‬هذه‭ ‬الممرات‭ ‬حتى‭ ‬تبدأ‭ ‬الأسواق‭ ‬العالمية‭ ‬في‭ ‬التفاعل‭ ‬برفع‭ ‬الأسعار،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يوضح‭ ‬حجم‭ ‬الترابط‭ ‬بين‭ ‬الأمن‭ ‬الإقليمي‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬والاستقرار‭ ‬الاقتصادي‭ ‬العالمي‭.‬

ومن‭ ‬الأخطاء‭ ‬الشائعة‭ ‬الاعتقاد‭ ‬أن‭ ‬حماية‭ ‬الملاحة‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تتحقق‭ ‬فقط‭ ‬عبر‭ ‬زيادة‭ ‬الوجود‭ ‬العسكري‭. ‬فالخبرة‭ ‬التي‭ ‬راكمتها‭ ‬المنطقة‭ ‬خلال‭ ‬العقود‭ ‬الماضية‭ ‬تؤكد‭ ‬أن‭ ‬عسكرة‭ ‬الممرات‭ ‬البحرية‭ ‬لا‭ ‬تمنع‭ ‬بالضرورة‭ ‬وقوع‭ ‬الهجمات،‭ ‬وإنما‭ ‬قد‭ ‬تؤدى‭ ‬أحيانًا‭ ‬إلى‭ ‬زيادة‭ ‬احتمالات‭ ‬الاحتكاك‭ ‬العسكري‭ ‬وسوء‭ ‬التقدير،‭ ‬وخاصة‭ ‬في‭ ‬بيئة‭ ‬تتداخل‭ ‬فيها‭ ‬القوات‭ ‬البحرية‭ ‬الأمريكية‭ ‬والإيرانية‭ ‬وقوات‭ ‬دول‭ ‬أخرى،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬السفن‭ ‬التجارية‭.‬

كما‭ ‬أن‭ ‬استمرار‭ ‬الحرب‭ ‬يفتح‭ ‬الباب‭ ‬أمام‭ ‬توسع‭ ‬دائرة‭ ‬الفاعلين‭ ‬غير‭ ‬الحكوميين،‭ ‬الذين‭ ‬قد‭ ‬يجدون‭ ‬في‭ ‬استهداف‭ ‬السفن‭ ‬وسيلة‭ ‬لتحقيق‭ ‬أهداف‭ ‬سياسية‭ ‬أو‭ ‬عسكرية‭. ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬المخاطر‭ ‬لن‭ ‬تكون‭ ‬مرتبطة‭ ‬فقط‭ ‬بقرارات‭ ‬الحكومات،‭ ‬وإنما‭ ‬أيضًا‭ ‬بتحركات‭ ‬جماعات‭ ‬مسلحة‭ ‬تمتلك‭ ‬قدرات‭ ‬متطورة‭ ‬نسبيًا‭ ‬على‭ ‬تعطيل‭ ‬الملاحة‭ ‬أو‭ ‬تهديدها‭.‬

ولهذا‭ ‬كله‭ ‬فإن‭ ‬معالجة‭ ‬أخطار‭ ‬الحرب‭ ‬الأمريكية‭ ‬الإيرانية‭ ‬على‭ ‬الملاحة‭ ‬البحرية‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬أمنية‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬سياسية‭ ‬ودبلوماسية‭ ‬في‭ ‬المقام‭ ‬الأول‭. ‬فخفض‭ ‬التصعيد‭ ‬بين‭ ‬واشنطن‭ ‬وطهران‭ ‬يظل‭ ‬المدخل‭ ‬الأساسي‭ ‬لحماية‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز،‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬احتواء‭ ‬الصراعات‭ ‬الإقليمية‭ ‬المرتبطة‭ ‬بإيران‭ ‬يمثل‭ ‬شرطًا‭ ‬ضروريًا‭ ‬لاستعادة‭ ‬الأمن‭ ‬في‭ ‬البحر‭ ‬الأحمر‭ ‬وباب‭ ‬المندب‭.‬

ومن‭ ‬هنا‭ ‬تبرز‭ ‬أهمية‭ ‬الدور‭ ‬العربي،‭ ‬وخاصة‭ ‬دور‭ ‬مصر‭ ‬والسعودية،‭ ‬في‭ ‬الدفع‭ ‬نحو‭ ‬مسارات‭ ‬دبلوماسية‭ ‬تضمن‭ ‬منع‭ ‬الانزلاق‭ ‬إلى‭ ‬حرب‭ ‬مفتوحة‭. ‬كما‭ ‬ينبغي‭ ‬العمل‭ ‬على‭ ‬بناء‭ ‬ترتيبات‭ ‬أمن‭ ‬إقليمي‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬الحوار،‭ ‬واحترام‭ ‬سيادة‭ ‬الدول،‭ ‬وعدم‭ ‬استخدام‭ ‬الممرات‭ ‬البحرية‭ ‬كساحات‭ ‬لتصفية‭ ‬الحسابات‭ ‬السياسية‭ ‬والعسكرية‭.‬

إن‭ ‬أمن‭ ‬الملاحة‭ ‬في‭ ‬الخليج‭ ‬والبحر‭ ‬الأحمر‭ ‬ليس‭ ‬مصلحة‭ ‬خليجية‭ ‬أو‭ ‬عربية‭ ‬فقط،‭ ‬وإنما‭ ‬هو‭ ‬مصلحة‭ ‬عالمية‭ ‬بامتياز‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬مسؤولية‭ ‬حماية‭ ‬هذا‭ ‬الأمن‭ ‬تبدأ‭ ‬من‭ ‬دول‭ ‬المنطقة‭ ‬نفسها،‭ ‬عبر‭ ‬بناء‭ ‬منظومة‭ ‬تعاون‭ ‬إقليمي‭ ‬أكثر‭ ‬فاعلية،‭ ‬وتعزيز‭ ‬الثقة‭ ‬المتبادلة،‭ ‬والحد‭ ‬من‭ ‬سياسات‭ ‬التصعيد‭.‬

أما‭ ‬استمرار‭ ‬الحرب‭ ‬الأمريكية‭ ‬الإيرانية،‭ ‬أو‭ ‬توسعها،‭ ‬فلن‭ ‬يؤدى‭ ‬إلا‭ ‬إلى‭ ‬مضاعفة‭ ‬المخاطر‭ ‬على‭ ‬التجارة‭ ‬الدولية‭ ‬والطاقة‭ ‬والاقتصاد‭ ‬العالمي،‭ ‬وإلى‭ ‬جعل‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬أكثر‭ ‬هشاشة‭ ‬واضطرابًا‭. ‬ولهذا‭ ‬فإن‭ ‬الخيار‭ ‬الأكثر‭ ‬عقلانية‭ ‬يبقى‭ ‬هو‭ ‬العودة‭ ‬إلى‭ ‬التفاوض‭ ‬والدبلوماسية،‭ ‬مهما‭ ‬بدت‭ ‬الطريق‭ ‬شاقة،‭ ‬لأن‭ ‬البديل‭ ‬هو‭ ‬بحر‭ ‬مضطرب،‭ ‬وممرات‭ ‬بحرية‭ ‬مهددة،‭ ‬واقتصاد‭ ‬عالمي‭ ‬يدفع‭ ‬ثمن‭ ‬حرب‭ ‬لا‭ ‬رابح‭ ‬فيها‭.‬

{‭ ‬مدير‭ ‬برنامج‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط

‭ ‬في‭ ‬مؤسسة‭ ‬كارنيجي‭ ‬للسلام‭ ‬الدولي‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600) حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا