
أكد مشاركون من صناع القرار والخبراء والأكاديميين والإعلاميين في فعاليات المنتدى العربي الثالث للإعلام المسؤول مجتمعيًا 2026 أن التحولات الرقمية المتسارعة، والانتشار الواسع لمنصات الإعلام الجديد، فرضا تحديات غير مسبوقة أمام المؤسسات الإعلامية، لكنه في المقابل أتاحا فرصًا واسعة للإبداع والابتكار وتعظيم الأثر التنموي، مشددين على الحاجة إلى إعلام عربي يجمع بين المهنية والمصداقية والالتزام الأخلاقي، ويجعل خدمة الإنسان والتنمية المستدامة محورًا لرسالته.
وأكد المشاركون أن الإعلام المسؤول أصبح شريكًا رئيسيًا في تعزيز الأمن والاستقرار، وتوحيد الرسائل الإعلامية خلال الأزمات، ودعم العمل التطوعي والمبادرات المجتمعية، والاستثمار في الإعلام الرقمي، ومواجهة الشائعات عبر المنصات الرسمية، وترسيخ قيم التسامح والتعايش.
وأقيم المنتدى، الذي حمل شعار «الإعلام المسؤول مجتمعيًا... صناعة الوعي وتعزيز الأثر التنموي المستدام»، بتنظيم من الشبكة الإقليمية للمسؤولية الاجتماعية، وبالتعاون مع الأثر الاجتماعي للاستشارات، بمشاركة أعضاء من مجلسي الشورى والنواب، ومدير مركز الأمم المتحدة للإعلام بالمنامة، إلى جانب نخبة من القيادات الإعلامية والأكاديميين والخبراء وصناع القرار من مملكة البحرين وعدد من الدول العربية.
الإعلام شريك في حماية الدولة
وأكد النائب أحمد بن عبدالواحد قراطة، النائب الثاني لرئيس مجلس النواب، الرئيس الشرفي للمنتدى، أن انعقاد المنتدى يأتي في مرحلة تشهد تحولات متسارعة في منظومة الاتصال والإعلام، حيث أصبحت الكلمة والصورة والمعلومة عناصر مؤثرة في تشكيل الوعي وصناعة الرأي العام والمستقبل.
وأشاد بالدور الذي اضطلعت به الدبلوماسية الخليجية، وجهود مملكة البحرين في مجلس الأمن، والتنسيق مع الدول الشقيقة والصديقة لحشد الدعم الدولي واستصدار القرارات اللازمة لإدانة الاعتداءات الإيرانية، مؤكدًا أن المرحلة الراهنة أثبتت أهمية الإعلام في مساندة جهود دول الخليج، وتعزيز الوعي المجتمعي، وترسيخ قيم الولاء والانتماء واحترام القانون، وإعلاء مكانة الدولة الوطنية.
وأضاف أن مسؤولية الإعلام لم تعد تقتصر على نقل الخبر، بل أصبحت تمتد إلى ترسيخ القيم، وحماية الوعي المجتمعي، وتعزيز ثقافة الحوار، ودعم مسارات التنمية المستدامة، مشيدًا بالأداء المهني والوطني لوزارة الإعلام، وتلفزيون وإذاعة البحرين، ووكالة أنباء البحرين، وجمعية الصحفيين البحرينية، والصحف الوطنية، وكتاب الرأي، ومنصات التواصل الاجتماعي والشخصيات الإعلامية، في توعية الرأي العام وتحصين المجتمع خلال الاعتداءات الإيرانية الأخيرة.
وأوضح أن بناء مجتمعات أكثر استدامة لا يتحقق بالتشريعات والسياسات وحدها، وإنما يحتاج أيضًا إلى إعلام واعٍ ومسؤول يساند جهود التنمية، ويعزز ثقافة المواطنة، واحترام التنوع، ونشر المعرفة، وترسيخ مبادئ المسؤولية المجتمعية في مختلف القطاعات.
وأشار إلى أن التحول الرقمي والانتشار المتزايد للذكاء الاصطناعي ومنصات التواصل الاجتماعي يفرضان على المؤسسات الإعلامية مسؤولية مضاعفة في الالتزام بالمهنية وأخلاقيات النشر، ومكافحة المعلومات المضللة، وإنتاج محتوى يعزز الاعتدال والتسامح، ويدعم التنمية القائمة على المعرفة والابتكار.
وأكد أن المسؤولية المجتمعية أصبحت نهجًا مؤسسيًا متكاملًا، والإعلام أحد أهم أدواتها، لما يمتلكه من قدرة على إبراز المبادرات النوعية، وتحفيز العمل التطوعي، وتعزيز الشراكات بين الحكومات والقطاع الخاص ومنظمات المجتمع المدني، وتحويل المبادرات التنموية إلى قصص نجاح ملهمة تحقق أثرًا مستدامًا.
وأضاف أن المنتدى يمثل منصة عربية مهمة للحوار وتبادل الخبرات واستشراف مستقبل الإعلام المسؤول، بما يسهم في تطوير الممارسات الإعلامية، وإعداد قيادات قادرة على مواكبة المتغيرات، وترسيخ إعلام يصنع الوعي ويقود التنمية ويخدم الإنسان.
وأكد أن مملكة البحرين، بقيادة حضرة صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة ملك البلاد المعظم، وبدعم ومتابعة صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد آل خليفة ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، تواصل ترسيخ نهجها في دعم المبادرات التنموية، وتمكين الإعلام الوطني، وتعزيز الشراكات التي تخدم الإنسان والمجتمع، وهو ما يجعل استضافة مثل هذه الفعاليات العربية امتدادًا لدورها الحضاري والتنموي.
الأمم المتحدة: سلامة المعلومات مسؤولية جماعية
من جانبه، أكد أحمد بن الأسود، مدير مركز الأمم المتحدة للإعلام بالمنامة، أن الإعلام العالمي يشهد تحولات متسارعة، إذ أصبحت المعلومات تنتقل بسرعة غير مسبوقة، بينما باتت منصات التواصل الاجتماعي المصدر الرئيس لتلقي الأخبار لدى قطاعات واسعة، ولاسيما الشباب، في ظل الدور المتزايد للخوارزميات في تحديد المحتوى الذي يصل إلى الجمهور.
وأشار إلى أن المنافسة الإعلامية لم تعد تقتصر على جودة المحتوى أو السبق الصحفي، وإنما أصبحت تدور أيضًا حول القدرة على جذب الانتباه، الأمر الذي أفسح المجال لانتشار السرديات المثيرة والمحتوى الصادم، أحيانًا على حساب الدقة والموضوعية والمسؤولية.
وأوضح أن الطفرة الكبيرة في تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي أوجدت واقعًا جديدًا، إذ وفرت إمكانات هائلة للتعلم والابتكار والإنتاجية، لكنها في المقابل أتاحت إنتاج محتوى اصطناعي شديد الإقناع يصعب التمييز بينه وبين المحتوى الحقيقي، ويمكن إنتاجه بسرعة كبيرة وعلى نطاق واسع.
وأضاف أن التحدي لم يعد تكنولوجيًا فحسب، بل أصبح تحديًا اجتماعيًا وتنمويًا وأخلاقيًا، لأن تراجع سلامة المعلومات يؤدي إلى تراجع الثقة العامة، ويزيد من انتشار المعلومات المضللة وخطابات الكراهية والاستقطاب، بما ينعكس سلبًا على تماسك المجتمعات.
وأكد أن سلامة المعلومات في البيئة الرقمية تمثل إحدى الأولويات العالمية للأمم المتحدة، موضحًا أن التصدي للمعلومات المضللة يجب ألا يكون على حساب حرية التعبير، وإنما من خلال تعزيز حقوق الإنسان، وحماية الفضاء العام المفتوح والتعددي.
وأشار إلى أن الأمم المتحدة أطلقت المبادئ العالمية لسلامة المعلومات، التي تقوم على تعزيز الثقة والمرونة المجتمعية، وتحسين البيئة الرقمية، وتمكين الجمهور من الثقافة الإعلامية والرقمية، ودعم استقلالية وتعددية وسائل الإعلام، إلى جانب تعزيز الشفافية والبحث العلمي، باعتبارها إطارًا عمليًا للتعاون بين الحكومات ووسائل الإعلام وشركات التكنولوجيا والمؤسسات التعليمية والمجتمع المدني.
الشبكة الإقليمية: الإعلام ركيزة للتنمية المستدامة
من جانبه، أكد الأستاذ الدكتور يوسف عبدالغفار العباسي، رئيس مجلس إدارة الشبكة الإقليمية للمسؤولية الاجتماعية، أن الإعلام لم يعد مجرد قطاع مهني ينقل الأحداث، بل أصبح أحد أهم روافع التنمية المستدامة، وشريكًا فاعلًا في بناء الإنسان، وتعزيز الثقة المجتمعية، وترسيخ قيم المواطنة، ودعم ثقافة المسؤولية والشفافية، وصناعة الوعي الذي يمثل الأساس الحقيقي لأي تنمية مستدامة.
وأوضح أن الشبكة جعلت منذ تأسيسها نشر ثقافة المسؤولية المجتمعية والاستدامة محورًا رئيسًا لبرامجها ومبادراتها، انطلاقًا من قناعة بأن تحقيق التنمية المستدامة يتطلب تكامل الأدوار بين الحكومات والقطاع الخاص ومنظمات المجتمع المدني والمؤسسات الأكاديمية والإعلام، بوصفه الشريك القادر على تحويل الأفكار إلى وعي، والبرامج إلى أثر، والمبادرات إلى ثقافة مجتمعية راسخة.
وأضاف أن التحولات الرقمية المتسارعة، والانتشار الواسع لمنصات الإعلام الجديد، فرضا تحديات كبيرة على المؤسسات الإعلامية، لكنها في المقابل فتحت آفاقًا واسعة للإبداع والابتكار وتعظيم الأثر التنموي، الأمر الذي يستدعي إعلامًا عربيًا يجمع بين المهنية والمصداقية والالتزام الأخلاقي، ويجعل خدمة الإنسان والتنمية المستدامة في صميم رسالته.
وأشار إلى أن الإعلام المسؤول لا يُقاس بسرعة نقل الخبر أو حجم الانتشار، وإنما بقدرته على بناء الوعي، وتعزيز ثقافة الحوار والتسامح، وترسيخ العمل التطوعي، وإبراز المبادرات المجتمعية، ومواجهة المعلومات المضللة، وإلهام الأفراد والمؤسسات للمشاركة الفاعلة في جهود التنمية.
وأعلن العباسي توجه الشبكة خلال المرحلة المقبلة إلى توسيع برامج الإعلام المسؤول مجتمعيًا، من خلال إطلاق مبادرات للتأهيل المهني، وتشجيع البحث العلمي، وبناء الشراكات، وتكريم النماذج الإعلامية المتميزة، مؤكدًا أن الاستثمار في الإعلام المسؤول هو استثمار في مستقبل التنمية العربية.
حسن كمال: الإعلام قوة ناعمة لصناعة المستقبل
من جانبه، أكد الدكتور حسن بن إبراهيم كمال، رئيس تحرير مجلة الخيرية وضيف شرف المنتدى، أن المنتدى يناقش قضية تمس حاضر المجتمعات العربية ومستقبلها، وهي دور الإعلام المسؤول في صناعة الوعي وتعزيز الأثر التنموي المستدام.
وأشار إلى أن الإعلام أصبح أحد أبرز أدوات القوة الناعمة، ولم يعد دوره يقتصر على نقل الأخبار أو تغطية الأحداث، بل بات شريكًا رئيسيًا في دعم التنمية، وترسيخ القيم، وتعزيز الهوية الوطنية، ونشر المعرفة، وتحفيز المشاركة المجتمعية.
وأضاف أن الثورة الرقمية والذكاء الاصطناعي منحتا المؤسسات الإعلامية إمكانات غير مسبوقة للوصول إلى الجمهور، إلا أنهما فرضتا في الوقت ذاته مسؤولية أكبر في تحري الدقة، وصون المصداقية، والالتزام بأخلاقيات المهنة، والتصدي للمعلومات المضللة بما يحافظ على ثقة المجتمع ويعزز استقراره.
وأكد أن الإعلام المسؤول لا يكتفي بعرض المشكلات، بل يسهم في تقديم الحلول، وإبراز المبادرات الملهمة، ونشر ثقافة التطوع والعطاء، وتسليط الضوء على قصص النجاح التي تؤكد أن التنمية المستدامة مسؤولية مشتركة بين الحكومات والقطاع الخاص ومنظمات المجتمع المدني والمؤسسات الأكاديمية والإعلام.
ورأى أن المجتمعات العربية تمتلك من الكفاءات والخبرات والإمكانات ما يؤهلها لبناء نموذج إعلامي رائد يجمع بين المهنية والالتزام بالقيم، ويوظف التقنيات الحديثة لخدمة الإنسان والتنمية، ويعكس الصورة الحضارية للأمة العربية، ويعزز حضورها في المشهد الإعلامي العالمي.
ودعا إلى الاستثمار في بناء القدرات الإعلامية، ودعم البحث العلمي في مجالات الإعلام والتنمية، وتشجيع الشراكات بين المؤسسات الإعلامية والجامعات ومراكز الفكر، بما يسهم في إنتاج محتوى إعلامي هادف قائم على المعرفة والابتكار والمسؤولية.
أربع جلسات تناقش مستقبل الإعلام المسؤول
وشهد المنتدى عقد أربع جلسات علمية شارك فيها خبراء ومتحدثون وإعلاميون من مملكة البحرين وعدد من الدول العربية، ناقشوا خلالها أخلاقيات الإعلام المسؤول، وتحديات البيئة الرقمية، ودور التقنيات الحديثة في تشكيل الرأي العام، وأهمية تطوير الخطاب الإعلامي بما يواكب المتغيرات المتسارعة.
وأكد عبدالرحمن السلطان، رئيس تحرير مجلة الدفاع بالمملكة العربية السعودية، في ورقته بعنوان «الإعلام الدفاعي المسؤول مجتمعيًا.. مجلة الدفاع أنموذجًا»، أهمية الإعلام الدفاعي في تعزيز الهوية الوطنية، وترسيخ قيم الولاء والمواطنة، وتوثيق التاريخ العسكري، وبناء الثقة، وتبسيط المفاهيم الوطنية والمعرفية والرقمية، بما يسهم في تعزيز الاعتزاز بالمؤسسات العسكرية وتجديد الثقة بها عبر الأجيال.
فيما أكدت الدكتورة عائشة الكواري، الأكاديمية والخبيرة الإعلامية، الرئيس التنفيذي لدار روزا للنشر بدولة قطر، في ورقتها «الإعلام المسؤول كأداة لتعزيز الهوية الوطنية والتماسك المجتمعي في المجتمعات الخليجية»، أن دول مجلس التعاون قدمت نماذج متقدمة في توظيف الإعلام لخدمة المجتمع، من خلال توحيد الرسائل الإعلامية أثناء الأزمات، وتعزيز الاستخدام المسؤول للإعلام في المناسبات الوطنية، ودعم العمل التطوعي، والاستثمار في الإعلام الرقمي، ومواجهة الشائعات عبر المنصات الرسمية، وترسيخ خطاب التسامح والتعايش.
وأضافت أن التجربة الخليجية أثبتت أن الإعلام المسؤول شريك رئيسي في تحقيق الأمن والاستقرار، وليس مجرد ناقل للأحداث، مؤكدة أنه أصبح ضرورة وطنية وأحد مكونات الأمن المعرفي في ظل التحولات الرقمية المتسارعة.
وأوضحت أن الإعلام الذي يعزز الهوية الوطنية، ويحارب التضليل، ويبني الثقة، يسهم في حماية المجتمع قبل نقل أخباره، مؤكدة أن الرهان الحقيقي لا يكمن في سرعة وصول الرسالة الإعلامية، وإنما في جودة أثرها على الإنسان والمجتمع، فالإعلام المسؤول يصنع الثقة، ويحمي الهوية، ويعزز التماسك المجتمعي، ويسهم في بناء مستقبل أكثر استقرارًا لدول الخليج.
تكريم الجهات الفائزة
واختتم المنتدى أعماله بتكريم عدد من الجهات العربية الفائزة بجوائز الدورة الثالثة للمنتدى، إلى جانب تكريم عدد من الجمعيات والمؤسسات الأهلية في مملكة البحرين بجائزة «الشريك الأخلاقي»، تقديرًا لإسهاماتها في ترسيخ المسؤولية المجتمعية، وتعزيز الشراكة بين مؤسسات المجتمع، ودعم المبادرات التنموية ذات الأثر المستدام.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك