قيادات مصرفية لـ«أخبار الخليج»: البيئة التنظيمية والاقتصادية الداعمة ركيزة أساسية لاستمرار نمو القطاع المصرفي
أكدت وكالة «إس آند بي جلوبال للتصنيفات الائتمانية» أن البنوك الخليجية لا تزال تتمتع بقدرة قوية على مواجهة تداعيات التوترات الجيوسياسية في المنطقة، مستندة إلى مستويات مرتفعة من رأس المال والسيولة إلى جانب انخفاض معدلات القروض المتعثرة ومحدودية انكشافها المباشر على القطاعات الأكثر تأثرًا بالحرب، رغم توقعاتها بتباطؤ النمو الاقتصادي والائتماني خلال الفترة المقبلة.
وأوضحت الوكالة، في تقرير تناول أثر الحرب في الشرق الأوسط على القطاع المصرفي الخليجي، أن البيئة التشغيلية للبنوك أصبحت أكثر صعوبة مقارنة بالسنوات الماضية، في ظل استمرار حالة عدم اليقين حتى نهاية عام 2026، وما قد يرافقها من اضطرابات في حركة الشحن وإمدادات الطاقة عبر مضيق هرمز، الأمر الذي قد ينعكس على النشاط الاقتصادي وثقة المستثمرين.
وتوقعت الوكالة أن يتراوح متوسط نمو الائتمان في دول مجلس التعاون الخليجي بين 5% و6% خلال عام 2026، مع استمرار تسجيل الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية أعلى معدلات النمو في المنطقة، في حين توقعت تباطؤًا أكبر في البحرين وقطر والكويت نتيجة تأثر اقتصاداتها بالاضطرابات في صادرات النفط والغاز وتراجع الطلب على التمويل.
كما أشارت إلى توقعاتها بانخفاض متوسط نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي لدول مجلس التعاون إلى نحو 2% خلال العام الحالي، مع استمرار تحقيق نمو إيجابي في السعودية والإمارات وسلطنة عُمان، مدعومًا بالمشروعات الحكومية والاقتصادات المحلية الأكبر حجمًا.
وأفاد التقرير بأن السعودية ستكون الأقل تأثرًا نسبيًا بالحرب مقارنة ببقية دول الخليج، مستفيدة من خط أنابيب النفط بين شرق المملكة وغربها، الذي يسمح باستمرار عمليات التصدير عبر ميناء ينبع، إلى جانب ضخامة السوق المحلية. وفي المقابل، توقعت الوكالة استمرار محدودية نمو التمويل العقاري نتيجة ارتفاع أسعار الفائدة وضعف المعنويات الاقتصادية.
أما في الإمارات، فرأت الوكالة أن قطاعات السياحة والتجارة والتصنيع والعقارات والبناء ستتأثر بالتطورات الجيوسياسية، إلا أن استمرار تنفيذ المشروعات الحكومية والتوسع المتوقع في إنتاج النفط سيدعمان النشاط الاقتصادي ويُبقيان نمو الإقراض عند مستويات جيدة.
وفيما يتعلق بالبحرين وقطر والكويت، توقعت الوكالة تباطؤًا اقتصاديًا أكبر نتيجة تأثر صادرات الطاقة، الأمر الذي سينعكس على الطلب على الائتمان، بينما أشارت إلى أن الاقتصاد العُماني سيكون الأقل تأثرًا، رغم توقعاتها بتراجع نشاط السياحة والضيافة وارتفاع التضخم.
وفي جانب جودة الأصول، أوضح التقرير أن متوسط نسبة القروض المتعثرة لدى البنوك الخليجية استقر عند 2.6% حتى نهاية مارس 2026، وهو مستوى يعكس استمرار متانة القطاع المصرفي، رغم قيام عدد من البنوك، خصوصًا في الإمارات، برفع المخصصات الاحترازية تحسبًا لأي تدهور محتمل في البيئة الاقتصادية.
وتتوقع الوكالة ارتفاع تكلفة المخاطر بنحو 20 نقطة أساس خلال العام الحالي، إلا أنها ترى أن محدودية انكشاف البنوك على القطاعات الأكثر تأثرًا بالحرب ستحد من ارتفاع القروض المتعثرة.
ولفت التقرير إلى أن قطاعي العقارات والإنشاءات يظلان أكبر مصدر للمخاطر الائتمانية في حال استمرار عدم الاستقرار لفترة طويلة، مبينًا أن أعلى مستويات الانكشاف على هذين القطاعين توجد في قطر بنسبة 31% من إجمالي الائتمان، تليها الكويت بنسبة 25%، ثم السعودية بنسبة 16%، والإمارات 13%، والبحرين 12.%
وفيما يتعلق بالربحية، توقعت الوكالة انخفاضًا طفيفًا خلال عامي 2026 و2027 نتيجة تباطؤ نمو الإقراض وارتفاع تكلفة المخاطر، إلا أنها أكدت أن استقرار أسعار الفائدة وتحسن الكفاءة التشغيلية سيساعدان على الحد من هذا التراجع.
وأشارت إلى أن البنوك الإماراتية والسعودية لا تزال تحقق أعلى هوامش فائدة صافية في المنطقة، تراوحت بين 2.7% و2.8% حتى نهاية مارس الماضي، مستفيدة من انخفاض تكلفة التمويل وقوة النشاط الاقتصادي.
وأكد التقرير أن متانة رؤوس الأموال ستبقى أحد أبرز عوامل القوة، إذ بلغ متوسط نسبة رأس المال الأساسي (Tier 1) لدى أكبر خمسين بنكًا خليجيًا نحو 17%، وهو ما يمنح المصارف قدرة كبيرة على امتصاص الصدمات المحتملة دون التأثير على استقرارها المالي.
وفي جانب السيولة، أوضحت الوكالة أن البنوك الخليجية حافظت على أوضاع تمويل قوية، حيث تجاوز نمو الودائع نمو الائتمان خلال الربع الأول من العام، مدفوعًا بارتفاع ودائع الحكومات والقطاع العام، التي أضافت نحو 53 مليار دولار خلال الأشهر الثلاثة الأولى من 2026، تلتها 21 مليار دولار إضافية في أبريل. وأضافت أن الأصول السائلة تمثل نحو 20% من إجمالي الميزانيات العمومية للبنوك، وهو ما يوفر هامشًا مريحًا لمواجهة أي ضغوط محتملة على السيولة.
ورغم هذه المؤشرات الإيجابية، حذرت الوكالة من أن أي تصعيد واسع للحرب أو استمرار تعطل حركة الملاحة عبر مضيق هرمز قد يؤدي إلى تراجع ثقة المستثمرين وخروج جزء من التمويلات الخارجية، مشيرة إلى أن البحرين وقطر ستكونان الأكثر تأثرًا في هذا السيناريو نظرًا لاعتمادهما الأكبر على التمويل الخارجي.
وقدرت الوكالة احتياجات الدعم المحتملة للبنوك البحرينية بنحو 1.2 مليار دولار في حال تعرضها لسيناريو سحب واسع للتمويلات الخارجية، مؤكدة في الوقت ذاته أن توقعاتها الأساسية لا تزال تستند إلى استمرار دعم دول مجلس التعاون للبحرين عند الحاجة، فيما تتمتع البنوك القطرية أيضًا بإمكانية الحصول على دعم حكومي إذا اقتضت الظروف.
واختتمت الوكالة تقريرها بالتأكيد على أن معظم النظرات المستقبلية لتصنيفات البنوك الخليجية لا تزال مستقرة، مشيرة إلى أن متانة الأوضاع المالية للحكومات الخليجية، إلى جانب الدعم الحكومي المتوقع للقطاع المصرفي، يواصلان توفير مظلة حماية قوية للبنوك رغم استمرار حالة عدم اليقين الجيوسياسي.
وحول هذا التقرير، يؤكد عبدالكريم محمد الزكري القائم بأعمال الرئيس التنفيذي في خليجي بنك، أن قدرة البنوك الخليجية تستند على الصمود في ظل عدم الاستقرار الجيوسياسي إلى منظومة متكاملة من عوامل القوة، في مقدمتها الرؤى الاستباقية للقيادات الرشيدة في دول مجلس التعاون والإجراءات الحكيمة التي تتخذها الحكومات الموقرة والجهات التنظيمية للحفاظ على الاستقرار المالي والاقتصادي.
وأضاف الزكري لـ«أخبار الخليج»، تسهم الأطر الرقابية المتطورة وارتفاع مستويات الملاءة والسيولة والسياسات الحذرة في إدارة المخاطر في تعزيز مرونة القطاع المصرفي وقدرته على مواصلة أداء دوره الحيوي حتى في فترات التقلبات.
ولفت إلى أنه في خليجي بنك، نؤمن بأن هذه البيئة التنظيمية والاقتصادية الداعمة تشكل ركيزة أساسية لاستمرار نمو القطاع المصرفي الخليجي. وقال: من جانبنا، نواصل العمل وفق نهج متوازن يرتكز على الحوكمة الفاعلة واستمرارية الأعمال وتطوير الحلول الرقمية وتعزيز تجربة العملاء، إلى جانب اتباع سياسات ائتمانية وإدارية حذرة تواكب المتغيرات وتدعم قدرة البنك على التكيف مع مختلف الظروف ومواصلة الإسهام في دعم الاقتصاد الوطني.
من جانبة أشار حسين يوسف عطية الرئيس التنفيذي بالإنابة في بنك البركة الإسلامي، إلى أن ما يعزز قدرة القطاع المصرفي الخليجي على مواجهة التوترات الجيوسياسية لا يقتصر على متانة مراكزه المالية ومستويات الرسملة والسيولة المرتفعة، بل يمتد إلى بيئة مؤسسية متطورة تستند إلى سياسات استباقية وأطر رقابية فعّالة، موضحًا أن هذا النهج أسهم في ترسيخ منظومة متكاملة لإدارة المخاطر وتعزيز مرونة القطاع المالي، بما يمكنه من احتواء الصدمات الخارجية والحفاظ على الاستقرار المالي ودعم استمرارية النشاط الاقتصادي.
وأضاف أنه في مملكة البحرين، نفخر بما تحظى به المنظومة الاقتصادية من دعم واهتمام مستمرين من الحكومة الموقرة، وبالدور الريادي لمصرف البحرين المركزي في تعزيز الاستقرار المالي وترسيخ الثقة في القطاع المصرفي من خلال أطر رقابية وتنظيمية متقدمة، أسهمت في رفع مستويات المرونة والجاهزية ودعم قدرة القطاع على مواصلة أداء دوره التنموي بكفاءة واستدامة.
وتابع: «ومن وجهة نظرنا في بنك البركة الإسلامي، فإن قوة البنوك الخليجية تنبع من تراكم سنوات طويلة من السياسات الحصيفة والالتزام بالمتطلبات الرقابية وبناء هوامش مريحة من رأس المال والسيولة، فضلًا عن الانضباط في إدارة الائتمان وجودة الأصول. وهذه العوامل تمنح البنوك قدرة أكبر على امتصاص الصدمات، خصوصًا في ظل محدودية الانكشاف على القطاعات الأعلى تأثرًا بالتقلبات وتوفر مستويات جيدة من المخصصات الاحترازية التي تعزز متانة المراكز المالية».
وأكد أن تنوع اقتصادات دول مجلس التعاون، واستمرار الإنفاق على المشاريع الاستراتيجية وتطور البنية التحتية المالية والرقمية كلها عناصر تضيف طبقة أخرى من الحماية للقطاع المصرفي، مبينًا أنه بالنسبة للبنوك الإسلامية، فإن الارتباط الوثيق بالاقتصاد الحقيقي والالتزام بمبادئ الشريعة الإسلامية القائمة على العدالة والتوازن وتجنب المخاطر المفرطة يشكلان عاملًا إضافيًا في تعزيز الاستقرار والثقة.
واختتم تصريحه بالقول: «وفي بنك البركة الإسلامي، نواصل تنفيذ استراتيجيتنا القائمة على الحفاظ على مصالح العملاء، وتعزيز مستويات السيولة، وتوظيف الموارد في قطاعات واعدة ذات مخاطر مدروسة، بالتوازي مع تسريع وتيرة التحول الرقمي وتحسين الكفاءة التشغيلية. وتمنحنا عضويتنا ضمن مجموعة البركة المصرفية، بما تمتلكه من حضور إقليمي ودولي وشبكة متنوعة من الوحدات المصرفية، ميزة إضافية تتمثل في تبادل الخبرات والاستفادة من الفرص عبر الأسواق المختلفة. وفي ظل المتغيرات الراهنة، تبرز الحوكمة والامتثال والأمن السيبراني واستمرارية الأعمال كعوامل أساسية لضمان المرونة المؤسسية وتعزيز قدرتنا على تحقيق نمو مستدام وخدمة عملائنا بكفاءة وثقة».
ورجحت الوكالة أن يؤدي هذا الوضع إلى تباطؤ نمو الائتمان وارتفاع كلفة المخاطر وتراجع محدود في ربحية البنوك الخليجية، إلا أنها أكدت أن متانة المراكز المالية للمصارف ستمكنها من استيعاب هذه الضغوط، بفضل الهوامش الرأسمالية القوية، والمخصصات الاحترازية المتراكمة، والانخفاض الدوري في مستويات القروض المتعثرة، إضافة إلى محدودية الانكشاف على القطاعات الأكثر تأثرًا بالأحداث، مثل السياحة والشحن والضيافة.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك