العدد : ١٧٦٤٥ - الأربعاء ١٥ يوليو ٢٠٢٦ م، الموافق ٠١ صفر ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٤٥ - الأربعاء ١٥ يوليو ٢٠٢٦ م، الموافق ٠١ صفر ١٤٤٨هـ

المال و الاقتصاد

حوكمة الشركات.. خط الدفاع الأول ضد الفساد
دراسات تؤكد: ترفع القيمة السوقية للشركة.. تجذب المستثمرين.. تحسن الأداء.. وتعزز الاستدامة

إعداد: محمد الساعي.

الأربعاء ١٥ يوليو ٢٠٢٦ - 02:00

وتجارب‭ ‬تثبت‭: ‬الحوكمة‭ ‬الصورية‭ ‬تزيد‭ ‬احتمالات‭ ‬الاحتيال‭ ‬والفساد‭ ‬وتضارب‭ ‬المصالح‭ ‬وتراجع‭ ‬الشفافية‭

 

خلال‭ ‬السنوات‭ ‬القليلة‭ ‬الماضية،‭ ‬برز‭ ‬مصطلح‭ ‬‮«‬حوكمة‭ ‬الشركات‮»‬‭ ‬كمعيار‭ ‬رئيسي‭ ‬في‭ ‬قياس‭ ‬أدائها‭ ‬والتعامل‭ ‬معها،‭ ‬بل‭ ‬وحصولها‭ ‬على‭ ‬التراخيص‭ ‬والاعتمادات‭ ‬اللازمة،‭ ‬حتى‭ ‬اصحبت‭ ‬أحد‭ ‬أهم‭ ‬مفاهيم‭ ‬الإدارة‭ ‬والاقتصاد‭ ‬الحديث‭.‬

وعلى‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬الجذور‭ ‬الأولى‭ ‬لهذا‭ ‬المصطلح‭ ‬تعود‭ ‬الى‭ ‬نهاية‭ ‬السبعينيات‭ ‬وبداية‭ ‬الثمانينيات‭ ‬من‭ ‬القرن‭ ‬العشرين‭ ‬عقب‭ ‬بروز‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الأزمات‭ ‬المالية‭ ‬والانهيارات‭ ‬التي‭ ‬كشفت‭ ‬ضعف‭ ‬الرقابة‭ ‬والإدارة‭ ‬داخل‭ ‬الشركات،‭ ‬حينها‭ ‬ظهرت‭ ‬نقاشات‭ ‬حول‭ ‬مشكلة‭ ‬الفصل‭ ‬بين‭ ‬الملكية‭ ‬والإدارة،‭ ‬وحقوق‭ ‬المساهمين،‭ ‬وآليات‭ ‬الرقابة‭ ‬على‭ ‬المديرين‭ ‬التنفيذيين‭. ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬ذلك،‭ ‬تؤكد‭ ‬المصادر‭ ‬أن‭ ‬البداية‭ ‬الحقيقية‭ ‬للاهتمام‭ ‬بالحوكمة‭ ‬تعود‭ ‬إلى‭ ‬عام‭ ‬1992‭ ‬في‭ ‬بريطانيا‭ ‬حيث‭ ‬وُلد‭ ‬المصطلح‭ ‬رسمياً‭ ‬وخاصة‭ ‬مع‭ ‬صدور‭ ‬تقرير‭ ‬كادبوري‭ ‬بعد‭ ‬سلسلة‭ ‬من‭ ‬الانهيارات‭ ‬لشركات‭ ‬بريطانية‭ ‬كبرى‭ ‬بسبب‭ ‬الفساد‭ ‬الإداري‭. ‬ووضع‭ ‬هذا‭ ‬التقرير‭ ‬النموذج‭ ‬الأول‭ ‬لمبادئ‭ ‬حوكمة‭ ‬الشركات‭ ‬ورتب‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬مجالس‭ ‬الإدارة‭ ‬والمساهمين‭.‬

وتدريجيا،‭ ‬ومع‭ ‬بروز‭ ‬الازمات‭ ‬مثل‭ ‬الأزمة‭ ‬المالية‭ ‬الآسيوية،‭ ‬تضاعف‭ ‬الاهتمام‭ ‬العالمي‭ ‬بمبادئ‭ ‬الحوكمة،‭ ‬لاسيما‭ ‬مع‭ ‬التأكيد‭ ‬بأن‭ ‬ضعف‭ ‬الشفافية‭ ‬والإفصاح‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬أسباب‭ ‬تفاقم‭ ‬هذه‭ ‬الأزمات‭. ‬

وفي‭ ‬عام‭ ‬1999‭ ‬أصدرت‭ ‬منظمة‭ ‬التعاون‭ ‬الاقتصادي‭ ‬والتنمية‭ ‬أول‭ ‬مبادئ‭ ‬حوكمة‭ ‬الشركات،‭ ‬التي‭ ‬اعتبرت‭ ‬المرجع‭ ‬الدولي‭ ‬الأبرز‭ ‬للحوكمة‭.‬

ومع‭ ‬انهيار‭ ‬شركة‭ ‬الطاقة‭ ‬الأمريكية‭ ‬العملاقةEnron‭  ‬وشركة‭ ‬الاتصالات‭ ‬WorldCom‭ ‬بسبب‭ ‬تلاعب‭ ‬والاحتيال‭ ‬عام‭ ‬2001‭ ‬و2002،‭ ‬أصبحت‭ ‬الحوكمة‭ ‬قانوناً‭ ‬إلزاميا‭ ‬وليس‭ ‬مجرد‭ ‬مبادئ‭. ‬وتدريجيا‭ ‬تطورت‭ ‬هذه‭ ‬المبادئ‭ ‬التي‭ ‬أصدرتها‭ ‬منظمة‭ ‬التعاون‭ ‬الاقتصادي‭ ‬والتنمية‭ ‬لاحقا‭ ‬على‭ ‬مراحل‭ ‬وصولا‭ ‬الى‭ ‬عام‭ ‬2023،‭ ‬حيث‭ ‬تحولت‭ ‬إلى‭ ‬معيار‭ ‬عالمي‭ ‬ملزم‭ ‬لحماية‭ ‬أموال‭ ‬المستثمرين‭ ‬وتعزيز‭ ‬الشفافية‭ ‬والحد‭ ‬من‭ ‬الفساد‭ ‬وضمان‭ ‬استدامة‭ ‬الأسواق‭ ‬الماليّة‭.‬


البحرين‭ ‬كانت‭ ‬سباقة‭ ‬في‭ ‬اعتماد‭ ‬الأطر‭ ‬التنظيمية‭ ‬المتطورة‭ ‬للحوكمة

عقلية‭ ‬الرجل‭ ‬الواحد‭ ‬والممارسة‭ ‬الصورية‭ ‬من‭ ‬أكبر‭ ‬التحديات‭ 


 

هنا‭ ‬نتساءل‭: ‬ماذا‭ ‬تعني‭ ‬حوكمة‭ ‬الشركات؟‭ ‬وما‭ ‬هي‭ ‬المبادئ‭ ‬التي‭ ‬تستند‭ ‬عليها؟‭ ‬ما‭ ‬أهميتها‭ ‬للشركات‭ ‬وللاقتصاد‭ ‬الكلي؟‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬وضع‭ ‬الحوكمة‭ ‬في‭ ‬دول‭ ‬المنطقة؟‭ ‬وما‭ ‬هي‭ ‬التحديات‭ ‬التي‭ ‬تواجهها؟

أهداف‭ ‬ومبادئ

باختصار‭.. ‬يمكن‭ ‬القول‭ ‬إن‭ ‬الحوكمة‭ ‬هي‭ ‬نظام‭ ‬للرقابة‭ ‬والتوجيه‭ ‬بما‭ ‬يضمن‭ ‬أن‭ ‬تدار‭ ‬الشركة‭ ‬بطريقة‭ ‬عادلة‭ ‬وشفافة‭ ‬تحقق‭ ‬مصالح‭ ‬جميع‭ ‬الأطراف‭. ‬

وإداريا‭ ‬تعرف‭ ‬حوكمة‭ ‬الشركات‭ ‬بأنها‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬القواعد‭ ‬والأنظمة‭ ‬والإجراءات‭ ‬التي‭ ‬تنظم‭ ‬إدارة‭ ‬الشركة‭ ‬بما‭ ‬يضمن‭ ‬الشفافية‭ ‬وحماية‭ ‬حقوق‭ ‬المساهمين‭ ‬وأصحاب‭ ‬المصلحة‭ ‬وتحقيق‭ ‬الاستدامة‭ ‬والنمو‭ ‬على‭ ‬المدى‭ ‬الطويل‭. ‬كما‭ ‬تحدد‭ ‬هذه‭ ‬النظم‭ ‬طبيعة‭ ‬العلاقة‭ ‬والتعامل‭ ‬بين‭ ‬إدارة‭ ‬الشركة‭ ‬من‭ ‬جهة،‭ ‬ومجلس‭ ‬الإدارة،‭ ‬والمساهمين،‭ ‬وأصحاب‭ ‬المصالح‭ ‬الآخرين‭. ‬بمعنى‭ ‬ان‭ ‬الحوكمة‭ ‬تهدف‭ ‬إلى‭ ‬بناء‭ ‬شركة‭ ‬تُدار‭ ‬بشفافية‭ ‬وعدالة‭ ‬ومسؤولية،‭ ‬بما‭ ‬يحقق‭ ‬التوازن‭ ‬بين‭ ‬مصالح‭ ‬المساهمين‭ ‬والإدارة‭ ‬وأصحاب‭ ‬المصلحة،‭ ‬ويضمن‭ ‬استدامة‭ ‬الشركة‭ ‬وقدرتها‭ ‬على‭ ‬النمو‭ ‬والمنافسة‭.‬

وبذلك‭ ‬تحدد‭ ‬الحوكمة‭ ‬من‭ ‬يتخذ‭ ‬القرار؟‭ ‬كيف‭ ‬يُتخذ‭ ‬القرار؟‭ ‬من‭ ‬يراقب‭ ‬تنفيذ‭ ‬القرار؟‭ ‬كيف‭ ‬تتم‭ ‬محاسبة‭ ‬المسؤولين‭ ‬إذا‭ ‬حدثت‭ ‬أخطاء‭ ‬أو‭ ‬تجاوزات؟

وبناء‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬يمكن‭ ‬القول‭ ‬إن‭ ‬الهدف‭ ‬من‭ ‬اعتماد‭ ‬‮«‬حوكمة‭ ‬الشركات‮»‬‭ ‬هو‭: ‬

‭- ‬تعزيز‭ ‬الشفافية‭ ‬والإفصاح‭.‬

‭- ‬حماية‭ ‬حقوق‭ ‬المساهمين‭ ‬وجميع‭ ‬الأطراف‭ ‬ذات‭ ‬العلاقة‭ ‬وضمان‭ ‬معاملتهم‭ ‬بعدالة‭. ‬

‭- ‬تعزيز‭ ‬مبدأ‭ ‬المساءلة‭ ‬والمحاسبة‭ ‬على‭ ‬القرارات‭. ‬

‭- ‬الحد‭ ‬من‭ ‬الفساد‭ ‬وتضارب‭ ‬المصالح‭ ‬واستغلال‭ ‬المناصب‭. ‬

‭- ‬رفع‭ ‬كفاءة‭ ‬الأداء‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تحسين‭ ‬آليات‭ ‬اتخاذ‭ ‬القرار‭. ‬

‭- ‬إدارة‭ ‬المخاطر‭ ‬بفعالية‭.  ‬

‭- ‬تعزيز‭ ‬ثقة‭ ‬المستثمرين‭ ‬بما‭ ‬يسهم‭ ‬في‭ ‬جذب‭ ‬الاستثمارات‭ ‬المحلية‭ ‬والأجنبية‭.  ‬

‭- ‬التأكد‭ ‬من‭ ‬التزام‭ ‬الشركة‭ ‬بالقوانين‭ ‬والأنظمة‭ ‬والمتطلبات‭ ‬التنظيمية‭ ‬والتشريعية‭. ‬

‭- ‬تحقيق‭ ‬الاستدامة‭ ‬والنمو‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬ضمان‭ ‬الموازنة‭ ‬بين‭ ‬الأهداف‭ ‬المالية‭ ‬والجوانب‭ ‬البيئية‭ ‬والاجتماعية‭.  ‬

ولكي‭ ‬تحقق‭ ‬الحوكمة‭ ‬أهدافها‭ ‬هذه،‭ ‬لابد‭ ‬ان‭ ‬تستند‭ ‬إلى‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬المبادئ‭ ‬المهمة‭ ‬منها‭:‬

‭- ‬الشفافية‭ ‬والإفصاح‭ ‬عن‭ ‬المعلومات‭ ‬المالية‭ ‬والإدارية‭ ‬بشكل‭ ‬واضح‭ ‬ودقيق‭ ‬وتمكين‭ ‬المساهمين‭ ‬وأصحاب‭ ‬المصلحة‭ ‬من‭ ‬الاطلاع‭ ‬عليها‭. ‬

‭- ‬تعزيز‭ ‬مبدا‭ ‬المساءلة‭ ‬وتحميل‭ ‬مجلس‭ ‬الإدارة‭ ‬والإدارة‭ ‬التنفيذية‭ ‬مسؤولية‭ ‬قراراتهم‭ ‬وأدائهم،‭ ‬مع‭ ‬وجود‭ ‬آليات‭ ‬واضحة‭ ‬للمحاسبة‭ ‬عند‭ ‬حدوث‭ ‬تقصير‭ ‬أو‭ ‬مخالفة‭.‬

‭- ‬ضمان‭ ‬العدالة‭ ‬والمساواة‭ ‬في‭ ‬معاملة‭ ‬جميع‭ ‬المساهمين‭ ‬وأصحاب‭ ‬المصلحة‭. ‬

‭- ‬التزام‭ ‬مجلس‭ ‬الإدارة‭ ‬بأداء‭ ‬واجباتهم‭ ‬وفق‭ ‬القوانين‭ ‬والأنظمة‭ ‬والأخلاقيات‭ ‬المهنية‭. ‬ومراعاة‭ ‬الآثار‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬والبيئية‭ ‬لقرارات‭ ‬الشركة‭.‬

‭- ‬ضمان‭ ‬استقلالية‭ ‬مجلس‭ ‬الإدارة‭ ‬ولجان‭ ‬التدقيق‭ ‬والمراجعة،‭ ‬وتجنب‭ ‬تضارب‭ ‬المصالح‭ ‬في‭ ‬اتخاذ‭ ‬القرارات‭.‬

‭- ‬ضمان‭ ‬التقيد‭ ‬باللوائح‭ ‬والتشريعات‭ ‬وتطبيق‭ ‬أفضل‭ ‬الممارسات‭ ‬المهنية‭ ‬والإدارية‭.‬

أدوات‭ ‬الحوكمة

ولكي‭ ‬يتم‭ ‬إنجاز‭ ‬اهداف‭ ‬ومبادئ‭ ‬الحوكمة،‭ ‬لابد‭ ‬من‭ ‬المرور‭ ‬بعدة‭ ‬مراحل،‭ ‬تبدأ‭ ‬بإعداد‭ ‬ميثاق‭ ‬أو‭ ‬دليل‭ ‬للحوكمة‭ ‬يتضمن‭ ‬القواعد‭ ‬المنظمة‭ ‬للإدارة،‭ ‬وتحديد‭ ‬صلاحيات‭ ‬مجلس‭ ‬الإدارة‭ ‬والإدارة‭ ‬التنفيذية،‭ ‬ووضع‭ ‬السياسات‭ ‬الخاصة‭ ‬بالإفصاح،‭ ‬وإدارة‭ ‬المخاطر،‭ ‬وتعارض‭ ‬المصالح‭.‬

ثم‭ ‬يتم‭ ‬اختيار‭ ‬مجلس‭ ‬إدارة‭ ‬يتمتع‭ ‬بالخبرة‭ ‬والاستقلالية‭ ‬مع‭ ‬تحديد‭ ‬مسؤولياته‭.‬

وبعدها‭ ‬يشكل‭ ‬المجلس‭ ‬لجاناً‭ ‬تساعده‭ ‬في‭ ‬أداء‭ ‬مهامه،‭ ‬مثل‭ ‬لجنة‭ ‬التدقيق‭ ‬ولجنة‭ ‬الترشيحات‭ ‬والمكافآت‭ ‬ولجنة‭ ‬إدارة‭ ‬المخاطر‭ ‬ولجنة‭ ‬الحوكمة‭ ‬أو‭ ‬الاستدامة‭.‬

ومع‭ ‬سير‭ ‬العمل،‭ ‬تقوم‭ ‬الإدارة‭ ‬التنفيذية‭ ‬بتطبيق‭ ‬السياسات‭ ‬المعتمدة‭ ‬من‭ ‬مجلس‭ ‬الإدارة‭.‬

وبنفس‭ ‬الوقت‭ ‬تتم‭ ‬مراقبة‭ ‬أعمال‭ ‬الشركة‭ ‬للتأكد‭ ‬من‭ ‬سلامة‭ ‬الإجراءات‭ ‬وكفاءة‭ ‬الأداء‭ ‬والالتزام‭ ‬بالأنظمة‭ ‬وذلك‭ ‬من‭ ‬خلال‭: ‬

‭* ‬إدارة‭ ‬التدقيق‭ ‬الداخلي‭.‬

‭* ‬المدقق‭ ‬الخارجي‭ ‬المستقل‭.  ‬

‭* ‬لجان‭ ‬مجلس‭ ‬الإدارة‭.  ‬

‭* ‬الجهات‭ ‬الرقابية‭ ‬عند‭ ‬الشركات‭ ‬المدرجة‭. ‬

وفي‭ ‬خط‭ ‬مواز،‭ ‬تحدد‭ ‬الشركة‭ ‬المخاطر‭ ‬المحتملة،‭ ‬مثل‭ ‬المخاطر‭ ‬المالية‭ ‬والتشغيلية‭ ‬والقانونية‭ ‬والتقنية،‭ ‬ثم‭ ‬تضع‭ ‬خططاً‭ ‬للحد‭ ‬منها‭ ‬ومتابعة‭ ‬تطوراتها‭ ‬بشكل‭ ‬دوري‭.‬

قبل‭ ‬أن‭ ‬تأتي‭ ‬الخطوة‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تقل‭ ‬أهمية‭ ‬وهي‭ ‬الإفصاح‭ ‬والشفافية‭ ‬عن‭ ‬المعلومات‭ ‬الرئيسية‭ ‬مثل‭ ‬النتائج‭ ‬المالية‭ ‬والقرارات‭ ‬المهمة‭ ‬والمكافآت‭ ‬التي‭ ‬تم‭ ‬صرفها،‭ ‬وكل‭ ‬المعاملات‭ ‬مع‭ ‬الأطراف‭ ‬ذات‭ ‬العلاقة‭.  ‬

وهنا‭ ‬تتم‭ ‬المساءلة‭ ‬وتقييم‭ ‬الأداء‭. ‬وعند‭ ‬وجود‭ ‬قصور‭ ‬أو‭ ‬مخالفات،‭ ‬تُتخذ‭ ‬الإجراءات‭ ‬التصحيحية‭ ‬المناسبة‭.‬

من‭ ‬هنا‭ ‬يتبين‭ ‬ان‭ ‬تطبيق‭ ‬الحوكمة‭ ‬بالشكل‭ ‬الأمثل‭ ‬يتطلب‭ ‬تعاونا‭ ‬فعالا‭ ‬بين‭ ‬جميع‭ ‬الأطراف‭ ‬ذات‭ ‬العلاقة‭ ‬وهي‭: ‬

1-‭ ‬المساهمون‭ ‬الذين‭ ‬يمتلكون‭ ‬الشركة‭ ‬ويختارون‭ ‬أعضاء‭ ‬مجلس‭ ‬الإدارة‭ ‬ويوافقون‭ ‬على‭ ‬القرارات‭ ‬الجوهرية‭ ‬في‭ ‬الجمعية‭ ‬العامة‭ ‬ويمارسون‭ ‬الرقابة‭ ‬على‭ ‬أداء‭ ‬مجلس‭ ‬الإدارة‭. ‬

2-‭ ‬مجلس‭ ‬الإدارة‭ ‬الذي‭ ‬يضع‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬العامة‭ ‬للشركة‭ ‬ويشرف‭ ‬على‭ ‬الإدارة‭ ‬التنفيذية‭ ‬ويقيّم‭ ‬أداءها‭ ‬ويضمن‭ ‬تطبيق‭ ‬مبادئ‭ ‬الحوكمة‭ ‬وإدارة‭ ‬المخاطر‭.  ‬

3-‭ ‬الإدارة‭ ‬التنفيذية‭ ‬التي‭ ‬تتولى‭ ‬إدارة‭ ‬العمليات‭ ‬اليومية‭ ‬وتنفذ‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬التي‭ ‬يقرها‭ ‬مجلس‭ ‬الإدارة‭.  ‬

4-‭ ‬لجان‭ ‬مجلس‭ ‬الإدارة‭.‬

5-‭ ‬المراجع‭ ‬الداخلي‭ ‬الذي‭ ‬يقيم‭ ‬كفاءة‭ ‬أنظمة‭ ‬الرقابة‭ ‬الداخلية‭ ‬ونقاط‭ ‬الضعف‭ ‬ويقترح‭ ‬التحسينات،‭ ‬ويرفع‭ ‬تقاريره‭ ‬إلى‭ ‬لجنة‭ ‬التدقيق‭ ‬أو‭ ‬مجلس‭ ‬الإدارة‭.‬

6-‭ ‬المراجع‭ ‬الخارجي‭ ‬الذي‭ ‬يراجع‭ ‬القوائم‭ ‬المالية‭ ‬بصورة‭ ‬مستقلة‭ ‬ويبدي‭ ‬رأيه‭ ‬في‭ ‬صحة‭ ‬البيانات‭ ‬المالية‭. ‬

7-‭ ‬الجهات‭ ‬الرقابية‭ ‬والتنظيمية‭ ‬الرسمية‭. ‬

8-‭ ‬أصحاب‭ ‬المصلحة‭ ‬مثل‭ ‬المستثمرين‭ ‬والدائنين‭ ‬والموظفين‭ ‬والعملاء‭ ‬والموردين‭.‬

وبناء‭ ‬على‭ ‬ذلك،‭ ‬يمكن‭ ‬القول‭ ‬ان‭ ‬الفرق‭ ‬الجوهري‭ ‬بين‭ ‬الإدارة‭ ‬التقليدية‭ ‬والإدارة‭ ‬القائمة‭ ‬على‭ ‬مبادئ‭ ‬الحوكمة‭ ‬يكمن‭ ‬في‭ ‬‮»‬مركزية‭ ‬القوة‭ ‬وآلية‭ ‬اتخاذ‭ ‬القرار‮«‬‭. ‬في‭ ‬الإدارة‭ ‬التقليدية،‭ ‬غالبًا‭ ‬ما‭ ‬تكون‭ ‬السلطة‭ ‬متمركزة‭ ‬في‭ ‬يد‭ ‬شخص‭ ‬أو‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬رقابة‭ ‬حقيقية،‭ ‬بينما‭ ‬الإدارة‭ ‬القائمة‭ ‬على‭ ‬الحوكمة‭ ‬تحول‭ ‬المؤسسة‭ ‬إلى‭ ‬منظومة‭ ‬مؤسسية‭ ‬تدار‭ ‬بالأنظمة‭ ‬والقوانين‭ ‬وفصل‭ ‬السلطات‭ ‬لحماية‭ ‬حقوق‭ ‬الجميع‭.‬

وفي‭ ‬حين‭ ‬تعتمد‭ ‬الإدارة‭ ‬التقليدية‭ ‬على‭ ‬الرقابة‭ ‬الداخلية‭ ‬المحدودة،‭ ‬فإنها‭ ‬في‭ ‬الحوكمة‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬أنظمة‭ ‬رقابة‭ ‬داخلية‭ ‬ولجان‭ ‬مستقلة‭. ‬وأبسط‭ ‬مثال‭ ‬على‭ ‬ذلك،‭ ‬إذا‭ ‬أراد‭ ‬الرئيس‭ ‬التنفيذي‭ ‬في‭ ‬شركة‭ ‬توقيع‭ ‬عقد‭ ‬مع‭ ‬شركة‭ ‬أخرى‭ ‬يملكها‭ ‬أحد‭ ‬اقاربه،‭ ‬فإنه‭ ‬يملك‭ ‬الصلاحيات‭ ‬الكافية‭ ‬طالما‭ ‬لم‭ ‬توجد‭ ‬مخالفات‭ ‬قانونية‭ ‬وتنظيمية‭ ‬واضحة‭. ‬ولكن‭ ‬في‭ ‬الشركات‭ ‬التي‭ ‬تحكمها‭ ‬الحوكمة،‭ ‬يعتبر‭ ‬ذلك‭ ‬‮«‬تعارض‭ ‬مصالح‮»‬‭ ‬ولا‭ ‬يمكن‭ ‬له‭ ‬تمرير‭ ‬الصفقة‭ ‬إلا‭ ‬بعد‭ ‬الإفصاح‭ ‬عنها‭ ‬بالكامل،‭ ‬ومراجعتها‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬‮«‬لجنة‭ ‬التدقيق‮»‬،‭ ‬والحصول‭ ‬على‭ ‬موافقة‭ ‬مجلس‭ ‬الإدارة‭.‬

بين‭ ‬الحوكمة‭ ‬والفساد

مما‭ ‬سبق‭ ‬يتبين‭ ‬أن‭ ‬حوكمة‭ ‬الشركات‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬مجرد‭ ‬أداة‭ ‬لتحسين‭ ‬إدارة‭ ‬الشركات‭ ‬أو‭ ‬صورتها،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬ركيزة‭ ‬لتعزيز‭ ‬الشفافية‭ ‬والتنافسية‭ ‬والاستقرار‭ ‬المالي‭ ‬ودعم‭ ‬التنمية‭ ‬المستدامة‭. ‬لذلك‭ ‬تحرص‭ ‬الجهات‭ ‬التنظيمية‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬الدول‭ ‬على‭ ‬اعتماد‭ ‬وترسيخ‭ ‬معايير‭ ‬الحوكمة‭ ‬سواء‭ ‬في‭ ‬القطاع‭ ‬العام‭ ‬او‭ ‬الخاص‭. ‬اثبتت‭ ‬التجارب‭ ‬ان‭ ‬هناك‭ ‬علاقة‭ ‬عكسية‭ ‬مباشرة‭ ‬بين‭ ‬حوكمة‭ ‬الشركات‭ ‬والفساد‭ ‬المالي‭ ‬والإداري‭. ‬فكلما‭ ‬ارتفع‭ ‬مستوى‭ ‬تطبيق‭ ‬مبادئ‭ ‬الحوكمة،‭ ‬انخفضت‭ ‬فرص‭ ‬الفساد،‭ ‬والعكس‭ ‬صحيح‭. ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬من‭ ‬الحوكمة‭ ‬خط‭ ‬الدفاع‭ ‬الأول‭ ‬ضد‭ ‬الفساد‭ ‬المالي‭ ‬والإداري‭. ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬الحوكمة‭ ‬ليست‭ ‬مجرد‭ ‬كلفة‭ ‬إضافية‭ ‬للامتثال‭ ‬القانوني،‭ ‬بل‭ ‬أصلا‭ ‬استثماريا‭ ‬يعود‭ ‬بالمنفعة‭ ‬على‭ ‬الشركة‭ ‬ويسهم‭ ‬في‭ ‬زيادة‭ ‬القيمة‭ ‬السوقية،‭ ‬ويمثل‭ ‬المغناطيس‭ ‬الجاذب‭ ‬للمستثمرين‭. ‬

وتؤكد‭ ‬الدراسات‭ ‬والتجارب‭ ‬العملية‭ ‬أن‭ ‬الشركات‭ ‬التي‭ ‬تطبق‭ ‬حوكمة‭ ‬قوية‭ ‬تكون‭ ‬أكثر‭ ‬قدرة‭ ‬على‭ ‬تحقيق‭ ‬أداء‭ ‬مالي‭ ‬أفضل‭ ‬وزيادة‭ ‬قيمتها‭ ‬السوقية‭ ‬وجذب‭ ‬المستثمرين‭ ‬وتحقيق‭ ‬أرباح‭ ‬أكبر‭ ‬عبر‭ ‬خفض‭ ‬كلفة‭ ‬رأس‭ ‬المال‭ ‬ورفع‭ ‬الكفاءة‭ ‬التشغيلية‭ ‬وزيادة‭ ‬الطلب‭ ‬على‭ ‬الأسهم‭.‬

وهذا‭ ‬ما‭ ‬خلصت‭ ‬اليه‭ ‬دراسة‭ ‬مشتركة‭ ‬بين‭ ‬جامعتي‭ ‬هارفارد‭ ‬ووارلتون‭ ‬بعنوان‭ ‬علاقة‭ ‬الحوكمة‭ ‬بالقيمة‭ ‬السوقية‭ ‬والأرباح،‭ ‬ونشرتهاThe‭ ‬Quarterly‭ ‬Journal‭ ‬of‭ ‬Economics،‭ ‬حيث‭ ‬أكدت‭ ‬أن‭ ‬الشركات‭ ‬التي‭ ‬تتمتع‭ ‬بمستويات‭ ‬حوكمة‭ ‬قوية‭ ‬تحقق‭ ‬عوائد‭ ‬أسهم‭ ‬أعلى‭ ‬بنسبة‭ ‬8‭.‬5‭% ‬سنوياً‭ ‬مقارنة‭ ‬بالشركات‭ ‬ذات‭ ‬الحوكمة‭ ‬الضعيفة‭.‬‭ ‬كما‭ ‬تحقق‭ ‬قيمة‭ ‬سوقية‭ ‬أعلى‭ ‬بشكل‭ ‬ملحوظ،‭ ‬ويتبع‭ ‬ذلك‭ ‬نمواً‭ ‬أكبر‭ ‬في‭ ‬المبيعات‭ ‬وأداءً‭ ‬أفضل‭ ‬للأسهم‭.‬

وأكدت‭ ‬دراسة‭ ‬‮»‬أثر‭ ‬حوكمة‭ ‬الشركات‭ ‬على‭ ‬أداء‭ ‬الشركات‭ ‬في‭ ‬الأسواق‭ ‬الناشئة‮«‬‭ ‬أعدتها‭ ‬مؤسسة‭ ‬التمويل‭ ‬الدولية‭ (‬IFC‭) ‬أن‭ ‬الشركات‭ ‬التي‭ ‬أصلحت‭ ‬أنظمة‭ ‬الحوكمة‭ ‬لديها‭ ‬شهدت‭ ‬نمواً‭ ‬في‭ ‬العائد‭ ‬على‭ ‬الأصول‭ (‬ROA‭)  ‬بنسبة‭ ‬تتراوح‭ ‬بين‭ ‬15‭% ‬و20‭% ‬في‭ ‬غضون‭ ‬سنوات‭ ‬قليلة‭ ‬من‭ ‬التطبيق‭. ‬كما‭ ‬انخفضت‭ ‬كلفة‭ ‬التمويل‭ ‬والاقتراض‭ ‬لهذه‭ ‬الشركات‭ ‬بنسب‭ ‬ملموسة‭ ‬نتيجة‭ ‬انخفاض‭ ‬تقييم‭ ‬المخاطر‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬البنوك‭ ‬والمستثمرين‭.‬

‭ ‬ولا‭ ‬يقتصر‭ ‬الامر‭ ‬على‭ ‬الشركات،‭ ‬بل‭ ‬تمتد‭ ‬المنفعة‭ ‬إلى‭ ‬الاقتصاد‭ ‬ككل،‭ ‬حيث‭ ‬تسهم‭ ‬الحوكمة‭ ‬في‭:‬

o‭ ‬جذب‭ ‬الاستثمارات‭ ‬المحلية‭ ‬والأجنبية،‭ ‬لأن‭ ‬المستثمرين‭ ‬يفضلون‭ ‬البيئات‭ ‬التي‭ ‬تتمتع‭ ‬بشركات‭ ‬تطبق‭ ‬معايير‭ ‬حوكمة‭ ‬قوية،‭ ‬فذلك‭ ‬كفيل‭ ‬بتقليل‭ ‬مخاطر‭ ‬الفساد‭ ‬وسوء‭ ‬الإدارة‭.‬

o‭ ‬تعزيز‭ ‬استقرار‭ ‬الأسواق‭ ‬المالية‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الشفافية‭ ‬والإفصاح،‭ ‬ما‭ ‬يقلل‭ ‬من‭ ‬التقلبات‭ ‬الناتجة‭ ‬عن‭ ‬المعلومات‭ ‬المضللة‭ ‬أو‭ ‬غير‭ ‬المكتملة‭.‬

o‭ ‬رفع‭ ‬تنافسية‭ ‬الاقتصاد،‭ ‬كون‭ ‬الشركات‭ ‬ذات‭ ‬الحوكمة‭ ‬الجيدة‭ ‬تكون‭ ‬أكثر‭ ‬كفاءة‭ ‬وقدرة‭ ‬على‭ ‬الابتكار‭ ‬والتوسع‭. ‬

o‭ ‬الحد‭ ‬من‭ ‬الفساد‭ ‬المالي‭ ‬والإداري‭ ‬وتقليل‭ ‬حالات‭ ‬الاحتيال‭ ‬وإساءة‭ ‬استخدام‭ ‬السلطة‭. ‬

o‭ ‬تحسين‭ ‬كفاءة‭ ‬توزيع‭ ‬رأس‭ ‬المال‭ ‬ما‭ ‬يعزز‭ ‬الإنتاجية‭ ‬والنمو‭ ‬الاقتصادي‭.‬

o‭ ‬دعم‭ ‬الاستدامة‭ ‬الاقتصادية‭. ‬حيث‭ ‬تشجع‭ ‬الحوكمة‭ ‬الشركات‭ ‬على‭ ‬تبني‭ ‬استراتيجيات‭ ‬طويلة‭ ‬الأجل،‭ ‬بما‭ ‬يضمن‭ ‬استمرارية‭ ‬الأعمال‭ ‬وتقليل‭ ‬مخاطر‭ ‬الإفلاس‭.‬

o‭ ‬تعزيز‭ ‬الثقة‭ ‬في‭ ‬بيئة‭ ‬الأعمال‭ ‬والمؤسسات‭ ‬المالية‭ ‬والشركاء‭ ‬الدوليين‭ ‬في‭ ‬الاقتصاد‭.‬

o‭ ‬خفض‭ ‬كلفة‭ ‬التمويل‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬الاقتصاد‭ ‬نتيجة‭ ‬تمتع‭ ‬الشركات‭ ‬بسمعة‭ ‬جيدة‭ ‬في‭ ‬الحوكمة،‭ ‬فتنخفض‭ ‬علاوات‭ ‬المخاطر،‭ ‬ما‭ ‬يسهم‭ ‬في‭ ‬تحسين‭ ‬بيئة‭ ‬التمويل‭ ‬والاستثمار‭.‬

وبالمقابل،‭ ‬عندما‭ ‬تغيب‭ ‬الحوكمة،‭ ‬او‭ ‬تكون‭ ‬ضعيفة،‭ ‬تزداد‭ ‬احتمالات‭ ‬الاحتيال‭ ‬المالي‭ ‬والتلاعب،‭ ‬الرشوة‭ ‬والفساد‭ ‬الإداري‭ ‬وإساءة‭ ‬استخدام‭ ‬أصول‭ ‬الشركة‭ ‬والمحاباة‭ ‬في‭ ‬التوظيف‭ ‬والترقيات‭ ‬والعقود،‭ ‬وتضارب‭ ‬المصالح،‭ ‬تراجع‭ ‬الشفافية‭ ‬وانخفاض‭ ‬ثقة‭ ‬المستثمرين‭ ‬وتراجع‭ ‬قيمة‭ ‬الشركة‭.  ‬

تحديات

على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬أهميتها،‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬تطبيق‭ ‬حوكمة‭ ‬الشركات‭ ‬يواجه‭ ‬تحديات‭ ‬متعددة‭. ‬فمن‭ ‬جانب،‭ ‬يتطلب‭ ‬الامر‭ ‬أن‭ ‬تصبح‭ ‬الحوكمة‭ ‬ثقافة‭ ‬مؤسسية‭ ‬حقيقية‭ ‬قائمة‭ ‬على‭ ‬الشفافية‭ ‬والمساءلة‭ ‬والرقابة‭ ‬وليس‭ ‬مجرد‭ ‬إجراءات‭ ‬صورية‭. ‬

وهذا‭ ‬ما‭ ‬يتعارض‭ ‬في‭ ‬الغالب‭ ‬مع‭ ‬عقلية‭ ‬الرجل‭ ‬الواحد‭ ‬وخاصة‭ ‬في‭ ‬الشركات‭ ‬العائلية‭ ‬والشركات‭ ‬الناشئة،‭ ‬حيث‭ ‬يصعب‭ ‬على‭ ‬المؤسس‭ ‬أو‭ ‬المالك‭ ‬أن‭ ‬يتقبل‭ ‬وجود‭ ‬اشخاص‭ ‬يقيمون‭ ‬أو‭ ‬يقيدون‭ ‬قراراته‭. ‬

ومن‭ ‬جانب،‭ ‬يعتبر‭ ‬بعض‭ ‬الإداريين‭ ‬أن‭ ‬آليات‭ ‬الحوكمة‭ ‬مثل‭ ‬التدقيق‭ ‬والتقارير‭ ‬تعطل‭ ‬سرعة‭ ‬اتخاذ‭ ‬القرارات‭. ‬وبنفس‭ ‬الوقت‭ ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬هناك‭ ‬تحديات‭ ‬هيكلية‭ ‬وتنظيمية‭ ‬مثل‭ ‬صعوبة‭ ‬إيجاد‭ ‬‮«‬أعضاء‭ ‬مستقلين‮»‬‭ ‬أكفاء،‭ ‬والمزج‭ ‬بين‭ ‬مسؤوليات‭ ‬الإشراف‭ ‬والتنفيذ،‭ ‬وتضارب‭ ‬المصالح‭. ‬الى‭ ‬جانب‭ ‬تحديات‭ ‬تتعلق‭ ‬بالكلفة،‭ ‬حيث‭ ‬تتطلب‭ ‬الحوكمة‭ ‬تعيين‭ ‬مراجعين‭ ‬داخليين‭ ‬وخارجيين،‭ ‬ومستشارين‭ ‬قانونيين،‭ ‬وتوظيف‭ ‬كفاءات‭ ‬للجان،‭ ‬وتوثيق‭.‬

وبالتالي‭ ‬فإن‭ ‬التحدي‭ ‬الحقيقي‭ ‬يكون‭ ‬عندما‭ ‬تتحول‭ ‬الحوكمة‭ ‬الى‭ ‬إجراءات‭ ‬صورية‭ ‬تمثل‭ ‬امتثالا‭ ‬على‭ ‬الورق‭. ‬كان‭ ‬تكتفي‭ ‬الشركة‭ ‬بطباعة‭ ‬كتيبات‭ ‬الحوكمة‭ ‬وتشكيل‭ ‬اللجان‭ ‬بشكل‭ ‬صوري‭ ‬لإرضاء‭ ‬الجهات‭ ‬الرقابية‭. ‬لذلك‭ ‬فإن‭ ‬القاعدة‭ ‬الذهبية‭ ‬هنا‭ ‬هي‭: ‬نجاح‭ ‬الحوكمة‭ ‬لا‭ ‬يقاس‭ ‬بمدى‭ ‬صرامة‭ ‬اللوائح‭ ‬المكتوبة،‭ ‬بل‭ ‬بمدى‭ ‬إيمان‭ ‬الإدارة‭ ‬العليا‭ ‬بجدواها،‭ ‬وتحويلها‭ ‬من‭ ‬‮«‬واجب‭ ‬قانوني‭ ‬ثقيل‮»‬‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬ثقافة‭ ‬يومية‮»‬‭ ‬وأسلوب‭ ‬عمل‭ ‬يمارسه‭ ‬الجميع‭ ‬داخل‭ ‬المؤسسة‭.‬

الاستدامة‭ ‬والمسؤولية‭ ‬الاجتماعية

غالبا‭ ‬ما‭ ‬يرتبط‭ ‬مصطلح‭ ‬الحوكمة‭ ‬بمصطلحي‭ ‬الاستدامة‭ ‬والمسؤولية‭ ‬الاجتماعية،‭ ‬بل‭ ‬تدمج‭ ‬المدارس‭ ‬الفكرية‭ ‬الاقتصادية‭ ‬الحديثة‭ ‬المسؤولية‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والحوكمة‭ ‬تحت‭ ‬مظلة‭ ‬الاستدامة‭ ‬العالمية‭.‬

وعندما‭ ‬ننظر‭ ‬الى‭ ‬الاستدامة،‭ ‬يمكن‭ ‬القول‭ ‬إن‭ ‬العلاقة‭ ‬بينها‭ ‬وبين‭ ‬حوكمة‭ ‬الشركات‭ ‬تعتبر‭ ‬وثيقة‭. ‬كون‭ ‬الأولى‭ ‬تمثل‭ ‬الإطار‭ ‬الإداري‭ ‬والرقابي‭ ‬الذي‭ ‬يساعد‭ ‬الشركات‭ ‬على‭ ‬تحقيق‭ ‬أهدافها‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬والبيئية‭ ‬على‭ ‬المدى‭ ‬الطويل‭. ‬فيما‭ ‬تمثل‭ ‬الاستدامة‭ ‬الهدف‭ ‬والنتيجة‭ ‬لتلك‭ ‬الجهود‭.‬

وبمعنى‭ ‬اخر،‭ ‬الحوكمة‭ ‬هي‭ ‬الآلية‭ ‬التي‭ ‬تضمن‭ ‬تطبيق‭ ‬الاستدامة‭. ‬ولا‭ ‬يمكن‭ ‬لشركة‭ ‬أن‭ ‬تحقق‭ ‬استدامة‭ ‬حقيقية‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬نظام‭ ‬حوكمة‭ ‬يوجهها،‭ ‬ولا‭ ‬يمكن‭ ‬لنظام‭ ‬حوكمة‭ ‬أن‭ ‬يُوصف‭ ‬بالرشيد‭ ‬والحديث‭ ‬إذا‭ ‬لم‭ ‬يضع‭ ‬الاستدامة‭ ‬في‭ ‬قلب‭ ‬استراتيجيته‭.‬

من‭ ‬جانب‭ ‬اخر،‭ ‬تعتبر‭ ‬الشفافية‭ ‬والإفصاح‭ ‬من‭ ‬أهم‭ ‬معايير‭ ‬الحوكمة‭. ‬والافصاح‭ ‬يلزم‭ ‬الشركات‭ ‬بإصدار‭ ‬تقارير‭ ‬الاستدامة‭ ‬التي‭ ‬تبين‭ ‬التزامها‭ ‬بالمحافظة‭ ‬على‭ ‬الموارد‭ ‬والتعامل‭ ‬مع‭ ‬مخاطر‭ ‬التغير‭ ‬المناخي‭. ‬وبنفس‭ ‬الوقت‭ ‬تمنع‭ ‬الشفافية‭ ‬من‭ ‬حدوث‭ ‬ما‭ ‬يسمى‭ ‬‮«‬الغسيل‭ ‬الأخضر‮»‬‭. ‬وفي‭ ‬خط‭ ‬مواز،‭ ‬تعزز‭ ‬العدالة‭ ‬التي‭ ‬تركز‭ ‬عليها‭ ‬الحوكمة‭ ‬تحقيق‭ ‬اهم‭ ‬مبادئ‭ ‬الاستدامة‭ ‬وهو‭ ‬حقوق‭ ‬جميع‭ ‬الأطراف‭ ‬وليس‭ ‬المساهمين‭ ‬او‭ ‬الملاك‭ ‬فقط‭.‬

أما‭ ‬بالنسبة‭ ‬الى‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬الحوكمة‭ ‬والمسؤولية‭ ‬الاجتماعية،‭ ‬فهي‭ ‬كذلك‭ ‬علاقة‭ ‬تكاملية،‭ ‬حيث‭ ‬ان‭ ‬المسؤولية‭ ‬الاجتماعية‭ ‬تُمثّل‭ ‬الالتزام‭ ‬الأخلاقي‭ ‬للشركة‭ ‬تجاه‭ ‬المجتمع،‭ ‬والحوكمة‭ ‬هي‭ ‬الإطار‭ ‬التنظيمي‭ ‬والقانوني‭ ‬الذي‭ ‬يعزز‭ ‬هذا‭ ‬الدور‭ ‬ويحميه‭ ‬من‭ ‬التحول‭ ‬الى‭ ‬مجرد‭ ‬شعارات‭ ‬صورية،‭ ‬كما‭ ‬انها‭ ‬تجعل‭ ‬من‭ ‬المسؤولية‭ ‬الاجتماعية‭ ‬جزءا‭ ‬من‭ ‬استراتيجية‭ ‬مجلس‭ ‬الإدارة‭ ‬وليس‭ ‬جهودا‭ ‬عشوائية‭. ‬وهي‭ ‬توسيع‭ ‬قاعدة‭ ‬أصحاب‭ ‬المصلحة‭ ‬من‭ ‬الاقتصار‭ ‬على‭ ‬المساهمين‭ ‬فقط‭ ‬لتشمل‭ ‬الموظفين‭ ‬والمستهلكين‭ ‬والمجتمع‭ ‬المحلي‭ ‬الذي‭ ‬تعمل‭ ‬به‭ ‬الشركة،‭ ‬بحيث‭ ‬تدعم‭ ‬الشركة‭ ‬برامج‭ ‬التنمية‭ ‬والتعليم‭ ‬والرعاية‭ ‬الصحية‭ ‬وحماية‭ ‬البيئة‭. ‬وتساعد‭ ‬الحوكمة‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬برامج‭ ‬المسؤولية‭ ‬الاجتماعية‭ ‬مبنية‭ ‬على‭ ‬خطط‭ ‬واضحة،‭ ‬ومرتبطة‭ ‬بأهداف‭ ‬الشركة،‭ ‬وقابلة‭ ‬للقياس‭ ‬والتقييم،‭ ‬وليست‭ ‬مجرد‭ ‬حملات‭ ‬إعلامية‭. ‬

الحوكمة‭ ‬في‭ ‬البحرين

تعتبر‭ ‬البحرين‭ ‬من‭ ‬أوائل‭ ‬دول‭ ‬المنطقة‭ ‬في‭ ‬تبني‭ ‬مبادئ‭ ‬الحوكمة‭ ‬وإصدار‭ ‬‮«‬ميثاق‭ ‬حوكمة‭ ‬الشركات‭ ‬لتنظيم‭ ‬ممارسات‭ ‬الإدارة‭ ‬والرقابة‭ ‬في‭ ‬الشركات‭ ‬المساهمة‮»‬‭ ‬وبالتالي‭ ‬انتقلت‭ ‬الحوكمة‭ ‬من‭ ‬مجر‭ ‬امتثال‭ ‬إلى‭ ‬ركيزة‭ ‬استراتيجية‭ ‬تفرضها‭ ‬قوانين‭ ‬صارمة‭ ‬ومراقبة‭ ‬فاعلة‭ ‬من‭ ‬الجهات‭ ‬المعنية‭.‬

لذلك‭ ‬تمكنت‭ ‬المملكة‭ ‬خلال‭ ‬العقدين‭ ‬الماضيين‭ ‬من‭ ‬تحقيق‭ ‬مراحل‭ ‬متقدمة‭ ‬في‭ ‬تحقيق‭ ‬معايير‭ ‬الحوكمة‭ ‬التي‭ ‬باتت‭ ‬عنصراً‭ ‬إلزاميا‭ ‬ورئيسياً‭ ‬في‭ ‬تطوير‭ ‬القطاع‭ ‬الخاص‭ ‬وبناء‭ ‬شركات‭ ‬أكثر‭ ‬شفافية‭ ‬وقدرة‭ ‬على‭ ‬المنافسة‭.‬

وهذا‭ ‬الالتزام‭ ‬جعل‭ ‬البحرين‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬الرائدة‭ ‬إقليمياً‭ ‬في‭ ‬وضع‭ ‬الأطر‭ ‬التنظيمية‭ ‬للحوكمة‭ ‬وتطبيقها‭ ‬بما‭ ‬يعزز‭ ‬مكانتها‭ ‬كمركز‭ ‬مالي‭ ‬ومصرفي‭ ‬من‭ ‬جانب،‭ ‬ويعزز‭ ‬ثقة‭ ‬المستثمرين‭ ‬ويدعم‭ ‬النمو‭ ‬الاقتصادي‭ ‬المستدام‭ ‬من‭ ‬جانب‭ ‬اخر‭. ‬وما‭ ‬يدعم‭ ‬ذلك،‭ ‬هو‭ ‬الدور‭ ‬المحوري‭ ‬الذي‭ ‬يقوم‭ ‬به‭ ‬مصرف‭ ‬البحرين‭ ‬المركزي‭ ‬في‭ ‬تطبيق‭ ‬معايير‭ ‬الحوكمة‭ ‬واشرافه‭ ‬على‭ ‬المصارف‭ ‬وشركات‭ ‬التأمين‭ ‬والاستثمارات‭ ‬والأسواق‭ ‬المالية،‭ ‬استنادا‭ ‬الى‭ ‬متطلبات‭ ‬رقابية‭ ‬تتماشى‭ ‬مع‭ ‬المعايير‭ ‬الدولية‭. ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬أسهم‭ ‬في‭ ‬تعزيز‭ ‬استقلالية‭ ‬مجالس‭ ‬الإدارات‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬الشركات،‭ ‬والإفصاح‭ ‬المالي‭ ‬وغير‭ ‬المالي،‭ ‬وتعميق‭ ‬دور‭ ‬وثقافة‭ ‬لجان‭ ‬التدقيق‭ ‬والمخاطر‭ ‬والترشيحات‭ ‬والمكافآت،‭ ‬وتنامي‭ ‬الاهتمام‭ ‬بمعايير‭ ‬البيئة‭ ‬والمسؤولية‭ ‬المجتمعية‭ ‬والحوكمة‭.‬

وعلى‭ ‬الوتيرة‭ ‬ذاتها‭ ‬تلعب‭ ‬وزارة‭ ‬الصناعة‭ ‬والتجارة‭ ‬دورا‭ ‬بارزا‭ ‬في‭ ‬ترسيخ‭ ‬مبادئ‭ ‬الحوكمة‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬اصدار‭ ‬المواثيق‭ ‬المتطورة‭ ‬لحوكمة‭ ‬الشركات‭ ‬واعتماد‭ ‬مبدأ‭ ‬‮«‬الالتزام‭ ‬أو‭ ‬تفسير‭ ‬عدم‭ ‬الالتزام‮»‬‭.‬

يضاف‭ ‬الى‭ ‬ذلك،‭ ‬أن‭ ‬البحرين‭ ‬تعتبر‭ ‬عاصمة‭ ‬الحوكمة‭ ‬المصرفية‭ ‬الإسلامية‭ ‬عالمياً‭. ‬حيث‭ ‬تحتضن‭ ‬مقرات‭ ‬المنظمات‭ ‬الدولية‭ ‬المعنية‭ ‬بوضع‭ ‬هذه‭ ‬المعايير،‭ ‬مثل‭ ‬هيئة‭ ‬المحاسبة‭ ‬والمراجعة‭ ‬للمؤسسات‭ ‬المالية‭ ‬الإسلامية‭.‬

 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا