أكد المحلل الفني زهير فريدون أن المنتخب المصري قدم بطولة استثنائية في كأس العالم 2026، وأن تأهله التاريخي إلى دور الـ16 لأول مرة في تاريخه لم يكن وليد الصدفة، بل جاء نتيجة عمل تكتيكي منظم، وانضباط كبير من اللاعبين، وقدرة واضحة على التعامل مع مختلف ظروف المباريات، مشيراً إلى أن لغة الأرقام والإحصائيات تثبت أحقية «الفراعنة» بهذا الإنجاز.
وقال فريدون: «ما يقدمه المنتخب المصري في كأس العالم 2026 ليس مجرد مشاركة جيدة أو نتائج إيجابية، بل هو تطور واضح في شخصية الفريق وقدرته على إدارة المباريات بأكثر من أسلوب. التأهل إلى دور الـ16 لأول مرة في تاريخ الكرة المصرية لم يأتِ بالصدفة، وإنما جاء نتيجة عمل تكتيكي منظم، وانضباط كبير من اللاعبين، وقراءة جيدة لكل منافس على حدة».
وأضاف: «إذا نظرنا إلى مشوار مصر في دور المجموعات سنجد أن المنتخب أنهى المنافسات في المركز الثاني بالمجموعة السابعة برصيد خمس نقاط، وهو رقم يعكس قدرة الفريق على التعامل مع مختلف الظروف. أمام بلجيكا تعادل المنتخب المصري 1-1 في مباراة واجه خلالها أحد أقوى المنتخبات الأوروبية. صحيح أن المنتخب البلجيكي استحوذ على الكرة بنسبة 54% مقابل 46% لمصر، لكن المنتخب المصري نجح في امتصاص الضغط، وبلغت نسبة نجاح تدخلاته الدفاعية 61%، وهو رقم يؤكد جودة التنظيم الدفاعي والانضباط بين الخطوط، مع قدرة الفريق على استغلال الفرص التي سنحت له».
وتابع: «في المباراة الثانية أمام نيوزيلندا شاهدنا أفضل نسخة هجومية للمنتخب المصري حتى الآن، حيث انتصر بثلاثة أهداف مقابل هدف، وسيطر على مجريات اللقاء بنسبة استحواذ بلغت 56%، كما نجح في إكمال 460 تمريرة صحيحة، وهو مؤشر على جودة بناء اللعب والقدرة على الاحتفاظ بالكرة لفترات طويلة، بالإضافة إلى التنوع في الوصول إلى المرمى سواء عبر الأطراف أو العمق».
وأشار إلى أن مواجهة إيران كانت مختلفة تماماً، وقال: «كانت اختباراً حقيقياً للإرادة، لأن المنتخب الإيراني فرض سيطرته على الكرة بنسبة وصلت إلى 61%، لكن المنتخب المصري أظهر شخصية قوية للغاية، ونجح في الخروج بتعادل ثمين بنتيجة 1-1، مستفيداً من صلابة دفاعية كبيرة وصلت فيها نسبة نجاح التدخلات إلى 77%، وهي أعلى نسبة حققها المنتخب المصري في البطولة حتى الآن، ما يعكس التركيز والانضباط التكتيكي والقدرة على إغلاق المساحات أمام منافس يجيد الاحتفاظ بالكرة».
مواجهة أستراليا
وعن مواجهة أستراليا في الأدوار الإقصائية، قال فريدون: «يمكن القول إن المباراة كانت من أكثر المباريات التي أظهرت شخصية المنتخب المصري، رغم أنها كشفت أيضاً بعض الجوانب التي تحتاج إلى معالجة. المباراة استمرت حتى الدقيقة 132:43 بالتوقيت الإجمالي، وانتهت بالتعادل 1-1 قبل أن يحسمها المنتخب المصري بركلات الترجيح، ليحقق إنجازاً تاريخياً بالتأهل إلى دور الـ16 لأول مرة».
وأضاف: «المثير في هذه المباراة أن لغة الأرقام تؤكد أن مصر كانت الطرف الأفضل في معظم التفاصيل. المنتخب المصري استحوذ على الكرة بنسبة 58% مقابل 42% لأستراليا، وأكمل 614 تمريرة صحيحة مقابل 404 فقط للمنافس، وهو فارق كبير يعكس سيطرة واضحة على وسط الملعب. كما نجح اللاعبون في تنفيذ 131 تمريرة داخل الثلث الهجومي مقابل 94 تمريرة لأستراليا، ما يعني أن الفريق وصل كثيراً إلى المناطق الخطيرة، لكنه لم يترجم هذا التفوق إلى عدد أكبر من الأهداف».
وأوضح: «حتى على مستوى الأهداف المتوقعة، سجل المنتخب المصري 1.36 هدفاً متوقعاً مقابل 0.87 فقط لأستراليا، كما صنع ثلاث فرص محققة للتسجيل مقابل عدم صناعة المنتخب الأسترالي لأي فرصة خطيرة طوال اللقاء، وهي أرقام تؤكد أن المنتخب المصري كان الأقرب لحسم المباراة خلال الوقتين الأصلي والإضافي».
واستطرد قائلاً: «لكن في المقابل، ظهرت مشكلة واضحة تتمثل في الفاعلية الهجومية. الفريق سدد 14 كرة، إلا أن ثلاث تسديدات فقط كانت بين القائمين والعارضة، كما أهدر عمر مرموش فرصة انفراد صريح كان من الممكن أن ينهي المباراة مبكراً. في مثل هذه المباريات الإقصائية، إهدار الفرص قد يكون مكلفاً للغاية، ولذلك فإن تحسين جودة اللمسة الأخيرة سيكون أمراً ضرورياً في مواجهة منتخب بحجم الأرجنتين».
وأضاف: «دفاعياً، فرغم نجاح المنتخب في الحفاظ على النتيجة، فإن الأرقام تكشف تراجعاً واضحاً في نسبة نجاح التدخلات الدفاعية، التي انخفضت إلى 38% فقط، بعدما نجح اللاعبون في ستة تدخلات من أصل 16 محاولة. هذا الرقم هو الأدنى لمصر في البطولة، لكنه يقابله رقم آخر مهم، وهو نجاح الدفاع في تشتيت الكرة 37 مرة، ما يعكس حجم الضغط الذي تعرض له الفريق في بعض فترات اللقاء، وقدرته في الوقت نفسه على إبعاد الخطورة عن مرماه».
وتابع: «كما حصل المنتخب المصري على بطاقتين صفراوين مقابل عدم حصول المنتخب الأسترالي على أي بطاقة، وهو ما يعكس رغبة اللاعبين في إيقاف الهجمات المنافسة وعدم السماح بوجود مساحات خطيرة، حتى لو تطلب الأمر ارتكاب مخالفات تكتيكية».
وأكد فريدون أن المنتخب المصري أصبح يمتلك هوية واضحة في البطولة، وقال: «الفريق لا يعتمد فقط على الدفاع، كما لا يعتمد فقط على الاستحواذ، وإنما يختار الأسلوب المناسب لكل مباراة. ففي بعض المواجهات يسمح للمنافس بالاستحواذ ثم يضرب بالهجمات المرتدة، كما حدث أمام بلجيكا وإيران، وفي مباريات أخرى يفرض شخصيته على الكرة كما شاهدنا أمام نيوزيلندا وأستراليا».
مواجهة الأرجنتين
وعن مواجهة الأرجنتين المرتقبة، قال: «المنتخب الأرجنتيني بلغ هذا الدور بعد مباراة ماراثونية أمام كاب فيردي انتهت بفوزه 3-2 بعد الأشواط الإضافية، حيث سجل ليونيل ميسي الهدف الأول في الدقيقة 29، ثم تعادل ديروي دوارتي في الدقيقة 59، قبل أن يمنح ليساندرو مارتينيز التقدم للأرجنتين في الدقيقة 92، ويعود سيدني كابرال لإدراك التعادل في الدقيقة 103، قبل أن يحسم كريستيان روميرو المباراة بهدف الفوز في الدقيقة 111».
وأضاف: «هذه المباراة كشفت أن الأرجنتين، رغم امتلاكها أسماء عالمية وخبرة كبيرة، ليست بمنأى عن المعاناة، وأن دفاعها يمكن اختراقه إذا استُغلت المساحات بالشكل الصحيح. وفي المقابل، فإن المنتخب المصري مطالب بالحفاظ على تركيزه طوال 90 دقيقة وربما أكثر، لأن الأرجنتين تمتلك لاعبين قادرين على صناعة الفارق في أي لحظة، وفي مقدمتهم ليونيل ميسي، الذي أسهم بشكل مباشر في جميع أهداف منتخب بلاده خلال البطولة، إلى جانب رودريغو دي بول، وأليكسيس ماك أليستر، وإنزو فيرنانديز، الذين يشكلون أحد أقوى خطوط الوسط في البطولة».
وأشار إلى أن مفتاح المباراة بالنسبة الى مصر يتمثل في المحافظة على التوازن بين الدفاع والهجوم، وقال: «لا يمكن منح الأرجنتين مساحات كبيرة، لكن في الوقت نفسه لا يجب التراجع بشكل مبالغ فيه. المنتخب المصري أثبت أنه قادر على الاحتفاظ بالكرة، والدليل أنه وصل إلى نسبة استحواذ بلغت 58% أمام أستراليا، كما نجح في تدوير الكرة بـ614 تمريرة صحيحة، وهي أرقام تؤكد أن الفريق يستطيع منافسة الكبار إذا لعب بثقة».
وأضاف: «وجود محمد صلاح يمنح المنتخب المصري أفضلية كبيرة في التحولات الهجومية، خاصة أنه يقدم بطولة مميزة، وتوج بجائزة أفضل لاعب في مباراة أستراليا، وهو اللاعب القادر على استغلال أنصاف الفرص، سواء بالتسجيل أو صناعة الأهداف. كذلك يملك إمام عاشور قدرة كبيرة على الوصول من الخط الثاني، بعدما سجل هدف التقدم أمام أستراليا، بينما يمثل عمر مرموش مصدر خطورة دائم بفضل سرعته وتحركاته، رغم حاجته إلى زيادة التركيز أمام المرمى».
الخلاصة
واختتم فريدون تصريحه قائلاً: «إذا نجح المنتخب المصري في رفع نسبة نجاح تدخلاته الدفاعية مجدداً إلى المستويات التي شاهدناها أمام إيران وبلجيكا، واستثمر الفرص التي يصنعها بصورة أفضل، فأعتقد أنه قادر على إحراج الأرجنتين بشكل كبير، وربما جر المباراة إلى الأشواط الإضافية أو حتى ركلات الترجيح. صحيح أن الأرجنتين تبقى المرشح الأقرب للتأهل بفضل خبرتها وجودة عناصرها، لكن المنتخب المصري أثبت خلال هذه البطولة أنه لا يعترف بالفوارق النظرية، وأنه قادر على مقارعة المنتخبات الكبرى. لذلك أتوقع مباراة تكتيكية من الطراز الرفيع تُحسم بتفاصيل صغيرة للغاية، وإذا حافظ الفراعنة على الشخصية التي ظهروا بها منذ بداية البطولة، فلن يكون الوصول إلى ربع النهائي أمراً مستحيلاً».

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك