العدد : ١٧٦٣٦ - الاثنين ٠٦ يوليو ٢٠٢٦ م، الموافق ٢١ محرّم ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٣٦ - الاثنين ٠٦ يوليو ٢٠٢٦ م، الموافق ٢١ محرّم ١٤٤٨هـ

ألوان

النفس قبل العقل.. الصحة النفسية أساس رحلة التعلم في التربية الخاصة

الاثنين ٠٦ يوليو ٢٠٢٦ - 02:00

حين‭ ‬يمرّ‭ ‬الطفل‭ ‬بتجربة‭ ‬خوف‭ ‬حقيقية،‭ ‬لا‭ ‬يتوقف‭ ‬قلبه‭ ‬عن‭ ‬الخفقان‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬يتوقف‭ ‬عقله‭ ‬عن‭ ‬التعلم‭. ‬هذه‭ ‬ليست‭ ‬مجازًا‭ ‬أدبيًا،‭ ‬بل‭ ‬حقيقة‭ ‬علمية‭ ‬موثّقة‭: ‬الجهاز‭ ‬العصبي‭ ‬الذي‭ ‬يشعر‭ ‬بالتهديد‭ ‬لا‭ ‬يستطيع‭ ‬الوقت‭ ‬ذاته‭ ‬أن‭ ‬يبني،‭ ‬ويتذكر،‭ ‬ويتعلم‭. ‬ولهذا،‭ ‬فإن‭ ‬السؤال‭ ‬الأول‭ ‬الذي‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬نطرحه‭ ‬في‭ ‬غرفة‭ ‬التربية‭ ‬الخاصة‭ ‬ليس‭: ‬ما‭ ‬الذي‭ ‬يعرفه‭ ‬هذا‭ ‬الطفل؟‭ ‬بل‭: ‬كيف‭ ‬يشعر‭ ‬هذا‭ ‬الطفل؟

أكدت‭ ‬أخصائية‭ ‬التربية‭ ‬الخاصة‭ ‬رجاء‭ ‬الجشي‭ ‬أن‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬التربية‭ ‬الخاصة‭ ‬تحديدًا،‭ ‬تصبح‭ ‬الصحة‭ ‬النفسية‭ ‬أمرًا‭ ‬أكثر‭ ‬إلحاحًا‭ ‬وأعمق‭ ‬تأثيرًا‭ ‬مشيرة‭ ‬الى‭ ‬ان‭ ‬الطفل‭ ‬هنا‭ ‬لا‭ ‬يواجه‭ ‬تحديًا‭ ‬واحدًا،‭ ‬بل‭ ‬يحمل‭ ‬ثقلًا‭ ‬مضاعفًا،‭ ‬يتمثل‭ ‬في‭ ‬الاختلاف،‭ ‬والمقارنة،‭ ‬وثقل‭ ‬الشعور‭ ‬بأنه‭ ‬يحتاج‭ ‬دائمًا‭ ‬إلى‭ ‬من‭ ‬يُصلحه‭.‬

وأضافت‭ ‬الجشي‭: ‬تُشير‭ ‬أبحاث‭ ‬دولية‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬طيف‭ ‬التوحد‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬60‭% ‬و70‭% ‬من‭ ‬الأطفال‭ ‬يعانون‭ ‬من‭ ‬اضطراب‭ ‬نفسي‭ ‬مصاحب‭ ‬كالقلق‭ ‬أو‭ ‬اضطرابات‭ ‬المزاج،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬تحدياتهم‭ ‬النمائية‭ ‬الأساسية‭. ‬وهذا‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬كثيرًا‭ ‬من‭ ‬هؤلاء‭ ‬الأطفال‭ ‬يدخلون‭ ‬الجلسة‭ ‬العلاجية‭ ‬أو‭ ‬الفصل‭ ‬الدراسي‭ ‬وهم‭ ‬يحملون‭ ‬بداخلهم‭ ‬عاصفة‭ ‬لا‭ ‬يستطيع‭ ‬أحد‭ ‬رؤيتها‭.‬

الألم‭ ‬النفسي‭ ‬عند‭ ‬هؤلاء‭ ‬الأطفال‭ ‬لا‭ ‬يظهر‭ ‬دائمًا‭ ‬بكاءً‭ ‬أو‭ ‬حزنًا‭. ‬يظهر‭ ‬أحيانًا‭ ‬رفضًا،‭ ‬وعنادًا،‭ ‬وانسحابًا،‭ ‬وصمتًا‭. ‬ولأننا‭ ‬نبحث‭ ‬عن‭ ‬التشخيصات‭ ‬ونصنّف‭ ‬السلوكيات،‭ ‬نفوّت‭ ‬أحيانًا‭ ‬الطفل‭ ‬الخائف‭ ‬الجالس‭ ‬أمامنا،‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يحتاج‭ ‬الى‭ ‬خطة‭ ‬علاجية‭ ‬جديدة‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬يحتاج‭ ‬الى‭ ‬شخص‭ ‬يشعره‭ ‬بأنه‭ ‬بأمان‭.‬

الصحة‭ ‬النفسية‭ ‬الهشّة‭ ‬لا‭ ‬تُعلن‭ ‬نفسها‭ ‬بصوت‭ ‬عالٍ‭. ‬لكنها‭ ‬تتسلّل‭ ‬إلى‭ ‬كل‭ ‬تفصيل‭ ‬في‭ ‬يوم‭ ‬الطفل‭: ‬في‭ ‬طريقة‭ ‬جلوسه،‭ ‬وفي‭ ‬ترتيب‭ ‬أقلامه،‭ ‬وفي‭ ‬نظرته‭ ‬إلى‭ ‬الباب‭ ‬حين‭ ‬يُفتح،‭ ‬وفي‭ ‬صمته‭ ‬حين‭ ‬يُسأل‭.‬

وذكرت‭ ‬الجشي‭ ‬موقفا‭ ‬من‭ ‬داخل‭ ‬الصف‭ ‬قائلة‭: ‬‮«‬أتذكر‭ ‬طفلًا‭ ‬كان‭ ‬يرفض‭ ‬فتح‭ ‬كراسته‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬مرة‭ ‬نبدأ‭ ‬فيها‭ ‬تمرين‭ ‬الكتابة،‭ ‬وكان‭ ‬يوصف‭ ‬بأنه‭ ‬‮«‬كثير‭ ‬العناد‮»‬‭. ‬

لكن‭ ‬بعد‭ ‬أسابيع‭ ‬من‭ ‬المراقبة،‭ ‬تبيّن‭ ‬أن‭ ‬المشكلة‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬في‭ ‬الكتابة‭ ‬نفسها،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬خوفه‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬يكتب‭ ‬حرفًا‭ ‬‮«‬خطأ‮»‬‭ ‬أمام‭ ‬زملائه‭. ‬وحين‭ ‬بدأنا‭ ‬نمنحه‭ ‬فرصة‭ ‬المحاولة‭ ‬بعيدًا‭ ‬عن‭ ‬أعين‭ ‬الآخرين،‭ ‬ونحتفل‭ ‬بكل‭ ‬خط‭ ‬يخطّه‭ ‬بيده،‭ ‬تغيّر‭ ‬سلوكه‭ ‬تمامًا‭ ‬في‭ ‬أقل‭ ‬من‭ ‬شهر‭. ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬الطفل‭ ‬عنيدًا؛‭ ‬كان‭ ‬خائفًا‭ ‬فقط‮»‬‭.‬

فالطفل‭ ‬الذي‭ ‬يرفض‭ ‬الإجابة‭ ‬قد‭ ‬لا‭ ‬يكون‭ ‬غير‭ ‬راغب‭ ‬في‭ ‬التعلم،‭ ‬وإنما‭ ‬يخشى‭ ‬الفشل‭. ‬والطفل‭ ‬الذي‭ ‬يغضب‭ ‬سريعًا‭ ‬قد‭ ‬لا‭ ‬يكون‭ ‬عدوانيًا‭ ‬بطبيعته،‭ ‬بل‭ ‬عاجزًا‭ ‬عن‭ ‬التعبير‭ ‬عن‭ ‬مشاعره‭ ‬بطريقة‭ ‬مناسبة‭. ‬

أما‭ ‬الطفل‭ ‬الذي‭ ‬ينسحب‭ ‬من‭ ‬الأنشطة،‭ ‬فقد‭ ‬يكون‭ ‬فقد‭ ‬ثقته‭ ‬بنفسه‭ ‬بعد‭ ‬تجارب‭ ‬متكررة‭ ‬من‭ ‬الإحباط‭.‬

الطفل‭ ‬الذي‭ ‬يشعر‭ ‬بالأمان‭ ‬النفسي‭ ‬ليس‭ ‬طفلًا‭ ‬لا‭ ‬يواجه‭ ‬صعوبات،‭ ‬بل‭ ‬طفلا‭ ‬يعرف‭ ‬أن‭ ‬الصعوبة‭ ‬لن‭ ‬تُقلّل‭ ‬من‭ ‬قيمته‭. ‬هذا‭ ‬الشعور‭ - ‬حين‭ ‬يتجذّر‭ - ‬يغيّر‭ ‬كل‭ ‬شيء‭: ‬يغيّر‭ ‬علاقته‭ ‬بالخطأ،‭ ‬وعلاقته‭ ‬بالمحاولة،‭ ‬وعلاقته‭ ‬بمن‭ ‬يحيطون‭ ‬به‭.‬

واستكملت،‭ ‬حين‭ ‬يشعر‭ ‬الطفل‭ ‬بأنه‭ ‬مقبول‭ ‬كما‭ ‬هو،‭ ‬لا‭ ‬كما‭ ‬يتمنى‭ ‬الآخرون‭ ‬أن‭ ‬يكون،‭ ‬تنفتح‭ ‬داخله‭ ‬إمكانات‭ ‬كانت‭ ‬مغلقة‭. ‬ليس‭ ‬لأن‭ ‬قدراته‭ ‬تغيّرت،‭ ‬بل‭ ‬لأن‭ ‬الخوف‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬يسدّها‭ ‬تراجع‭.‬

الصحة‭ ‬النفسية‭ ‬الإيجابية‭ ‬ليست‭ ‬رفاهية‭ ‬نضيفها‭ ‬حين‭ ‬تسمح‭ ‬الظروف‭. ‬هي‭ ‬الأرض‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬لأي‭ ‬شجرة‭ ‬أن‭ ‬تنمو‭ ‬دونها‭. ‬وفي‭ ‬حالة‭ ‬أطفال‭ ‬التربية‭ ‬الخاصة،‭ ‬هي‭ ‬الشرط‭ ‬الأول‭ ‬قبل‭ ‬أي‭ ‬خطة،‭ ‬وأي‭ ‬جلسة،‭ ‬وأي‭ ‬هدف‭.‬

دور‭ ‬أخصائي‭ ‬التربية‭ ‬الخاصة‭ ‬لا‭ ‬يقتصر‭ ‬على‭ ‬تنفيذ‭ ‬الخطة‭ ‬الفردية‭ ‬أو‭ ‬قياس‭ ‬مستوى‭ ‬التحصيل،‭ ‬بل‭ ‬يمتد‭ ‬إلى‭ ‬بناء‭ ‬بيئة‭ ‬يشعر‭ ‬فيها‭ ‬الطفل‭ ‬بأنه‭ ‬مقبول‭ ‬ومحترم‭. ‬

فالكلمة‭ ‬المشجعة،‭ ‬والابتسامة‭ ‬الصادقة،‭ ‬وإتاحة‭ ‬الفرصة‭ ‬للنجاح،‭ ‬والاحتفال‭ ‬بالإنجازات‭ ‬الصغيرة،‭ ‬ليست‭ ‬تفاصيل‭ ‬عاطفية،‭ ‬بل‭ ‬أدوات‭ ‬علاجية‭ ‬حقيقية‭.‬

ولا‭ ‬يقل‭ ‬دور‭ ‬الأسرة‭ ‬أهمية‭. ‬فالطفل‭ ‬الذي‭ ‬يجد‭ ‬في‭ ‬منزله‭ ‬تقبلًا‭ ‬لا‭ ‬يرتبط‭ ‬بدرجاته‭ ‬أو‭ ‬أدائه،‭ ‬ينمو‭ ‬أكثر‭ ‬ثقة‭ ‬بنفسه،‭ ‬وأكثر‭ ‬قدرة‭ ‬على‭ ‬مواجهة‭ ‬التحديات‭. ‬

أما‭ ‬المقارنات‭ ‬المستمرة‭ ‬والتركيز‭ ‬على‭ ‬نقاط‭ ‬الضعف،‭ ‬فقد‭ ‬تترك‭ ‬آثارًا‭ ‬نفسية‭ ‬تمتد‭ ‬لسنوات،‭ ‬حتى‭ ‬وإن‭ ‬كانت‭ ‬النوايا‭ ‬حسنة‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا