العدد : ١٧٦٣٢ - الخميس ٠٢ يوليو ٢٠٢٦ م، الموافق ١٧ محرّم ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٣٢ - الخميس ٠٢ يوليو ٢٠٢٦ م، الموافق ١٧ محرّم ١٤٤٨هـ

المال و الاقتصاد

الديون الخفية.. نزيف مالي صامت لميزانية الأسرة

الخميس ٠٢ يوليو ٢٠٢٦ - 02:00

تسويق‭ ‬نفسي‭ ‬و‮«‬تخدير‭ ‬للألم‮»‬‭ ‬يقود‭ ‬إلى‭ ‬تآكل‭ ‬الدخل‭.. ‬تراكم‭ ‬الالتزامات‭.. ‬قلق‭ ‬وفقدان‭ ‬الأمان‭ ‬المالي

45‭%‬‭ ‬من‭ ‬المتسوقين‭ ‬عبر‭ ‬الإنترنت‭ ‬في‭ ‬البحرين‭ ‬يفضلون‭ ‬‮«‬الدفع‭ ‬الآجل‮»‬‭ ‬لتقليل‭ ‬عبء‭ ‬الدفع‭ ‬الفوري


إعداد‭: ‬محمد‭ ‬الساعي

 

خطر‭ ‬مالي‭ ‬قد‭ ‬يحدق‭ ‬بالأسرة‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تعي‭ ‬انعكاساته‭ ‬وأبعاده‭. ‬فقد‭ ‬تبدو‭ ‬الأمور‭ ‬المالية‭ ‬مستقرة،‭ ‬والإنفاق‭ ‬في‭ ‬وضعه‭ ‬الاعتيادي‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أية‭ ‬مؤشرات‭ ‬لتعثر‭ ‬مالي‭. ‬ولكن‭.. ‬يكمن‭ ‬خلف‭ ‬هذا‭ ‬الهدوء‭ ‬مشكلة‭ ‬خفية‭ ‬غير‭ ‬معلنة،‭ ‬تتراكم‭ ‬بتدرج‭ ‬صامت،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تلوح‭ ‬في‭ ‬الأفق‭ ‬بوادر‭ ‬أزمة‭ ‬مالية‭ ‬سببها‭ ‬الديون‭ ‬الخفية‭ (‬Personal‭ ‬Hidden‭ ‬Debt‭) ‬التي‭ ‬تبدأ‭ ‬في‭ ‬استنزاف‭ ‬ونهش‭ ‬ميزانية‭ ‬الأسرة‭ ‬وتضعف‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬الصمود‭ ‬في‭ ‬وجه‭ ‬الظروف،‭ ‬إن‭ ‬لم‭ ‬تقد‭ ‬إلى‭ ‬تعثر‭ ‬مالي‭ ‬حاد‭.‬

ما‭ ‬هي‭ ‬الديون‭ ‬الخفية؟‭ ‬وما‭ ‬هي‭ ‬أنواعها؟‭ ‬كيف‭ ‬تختلف‭ ‬عن‭ ‬الديون‭ ‬العادية‭ ‬الظاهرة؟‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬تأثيرها‭ ‬ومخاطرها‭ ‬على‭ ‬الأمن‭ ‬المالي‭ ‬للأسرة؟

اقتصاديا‭.. ‬تعرف‭ ‬الديون‭ ‬الخفية‭ ‬بأنها‭ ‬تلك‭ ‬الالتزامات‭ ‬المالية‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تكون‭ ‬ظاهرة‭ ‬أو‭ ‬محسوبة‭ ‬بشكل‭ ‬واضح‭ ‬عند‭ ‬تقييم‭ ‬الوضع‭ ‬المالي‭ ‬للشخص،‭ ‬لكنها‭ ‬تؤثر‭ ‬فعلياً‭ ‬في‭ ‬قدرته‭ ‬على‭ ‬الإنفاق‭ ‬والادخار‭ ‬أو‭ ‬الوفاء‭ ‬بالتزاماته‭ ‬المستقبلية،‭ ‬أو‭ ‬تحمل‭ ‬نفقات‭ ‬جديدة‭.‬

وأصبح‭ ‬هذا‭ ‬المصطلح‭ ‬دارجا‭ ‬في‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة‭ ‬مع‭ ‬ظهور‭ ‬أدوات‭ ‬تمويل‭ ‬وخدمات‭ ‬لا‭ ‬ينظر‭ ‬اليها‭ ‬كديون،‭ ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬أنها‭ ‬تمثل‭ ‬التزامات‭ ‬مالية‭ ‬حقيقية‭ ‬قد‭ ‬تتراكم‭ ‬بمرور‭ ‬الوقت‭. ‬

ومن‭ ‬أبرز‭ ‬أنواع‭ ‬ونماذج‭ ‬هذه‭ ‬الديون‭ ‬الخفية‭:‬

‭*  ‬أقساط‭ ‬بطاقات‭ ‬الائتمان،‭ ‬وخاصية‭ ‬السحب‭ ‬على‭ ‬المكشوف‭ ‬في‭ ‬الحساب‭ ‬الجاري‭ ‬لتغطية‭ ‬المصاريف‭ ‬قبل‭ ‬نهاية‭ ‬الشهر،‭ ‬أو‭ ‬ترحيل‭ ‬مبالغ‭ ‬بطاقات‭ ‬الائتمان‭. ‬كل‭ ‬ذلك‭ ‬يجعل‭ ‬الفرد‭ ‬يعيش‭ ‬في‭ ‬حلقة‭ ‬مفرغة‭ ‬من‭ ‬الدين‭ ‬المستمر‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يستوعب‭ ‬أنه‭ ‬يسدد‭ ‬فوائد‭ ‬أو‭ ‬رسوماً‭ ‬إضافية‭ ‬تؤخر‭ ‬استقلاله‭ ‬المالي‭.‬

‭* ‬خدمات‭ ‬اشترِ‭ ‬الآن‭ ‬وادفع‭ ‬لاحقا‭ (‬BNPL‭) ‬،‭ ‬فتطبيقات‭ ‬التقسيط‭ ‬السريع‭ ‬عند‭ ‬الشراء‭ ‬تمثل‭ ‬أحد‭ ‬أبرز‭ ‬النماذج‭ ‬للديون‭ ‬الخفية‭ ‬نظرا‭ ‬الى‭ ‬سهولة‭ ‬استخدامها‭ ‬بشكل‭ ‬يجعل‭ ‬الشخص‭ ‬يقسط‭ ‬مبالغ‭ ‬صغيرة‭ ‬لعدة‭ ‬مشتريات،‭ ‬ليفاجئ‭ ‬بعد‭ ‬فترة‭ ‬بأن‭ ‬مجموع‭ ‬هذه‭ ‬الأقساط‭ ‬الصغيرة‭ ‬أصبح‭ ‬يلتهم‭ ‬نصف‭ ‬راتبه‭.‬

‭* ‬التقسيط‭ ‬بدون‭ ‬فوائد‭ ‬للمشتريات‭. ‬فالتسهيلات‭ ‬التي‭ ‬تقدمها‭ ‬الشركات‭ ‬مثل‭ ‬شراء‭ ‬هاتف‭ ‬أو‭ ‬أثاث‭ ‬بالأقساط،‭ ‬تعتبر‭ ‬دينا‭ ‬استهلاكيا‭ ‬مؤجلا‭.‬

‭* ‬فخ‭ ‬الرسوم‭ ‬والاشتراكات‭ ‬الدورية‭ ‬التي‭ ‬تُخصم‭ ‬تلقائيا‭ ‬من‭ ‬الحساب،‭ ‬مثل‭ ‬اشتراكات‭ ‬المنصات‭ ‬الترفيهية‭ ‬وخدمات‭ ‬البث‭ ‬والتطبيقات‭ ‬ومساحات‭ ‬التخزين‭ ‬السحابية‭ ‬ورسوم‭ ‬النوادي‭ ‬التي‭ ‬تُسحب‭ ‬تلقائياً‭ ‬من‭ ‬الحساب‭ ‬البنكي‭. ‬

‭* ‬الفواتير‭ ‬المؤجلة‭ ‬أو‭ ‬المتأخرة‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬تُسدد‭ ‬بعد،‭ ‬مثل‭ ‬فواتير‭ ‬الكهرباء‭ ‬والماء‭ ‬والاتصالات‭ ‬والإنترنت‭ ‬التي‭ ‬يتم‭ ‬تأجيل‭ ‬سدادها‭.‬

‭* ‬تقسيط‭ ‬الأجهزة‭ ‬المدمج‭ ‬مع‭ ‬الفواتير‭. ‬حيث‭ ‬يُدمج‭ ‬قسط‭ ‬الجهاز‭ ‬مع‭ ‬الفاتورة‭ ‬الشهرية‭ ‬التي‭ ‬تتحول‭ ‬في‭ ‬الحقيقة‭ ‬إلى‭ ‬دين‭ ‬استهلاكي‭ ‬مؤجل‭.‬

‭* ‬تراكم‭ ‬الحد‭ ‬الائتماني‭ ‬بشكل‭ ‬مستمر‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬خطة‭ ‬واضحة‭ ‬للسداد‭. ‬فهذا‭ ‬الأسلوب‭ ‬يخفي‭ ‬حجم‭ ‬الدين‭ ‬الحقيقي‭ ‬بسبب‭ ‬الفوائد‭ ‬المركبة‭ ‬أو‭ ‬الرسوم‭ ‬الإضافية‭ ‬التي‭ ‬تتراكم‭ ‬في‭ ‬الخلفية‭.‬

‭* ‬الرسوم‭ ‬والغرامات‭ ‬المتراكمة‭ ‬مثل‭ ‬غرامات‭ ‬التأخير‭ ‬والرسوم‭ ‬البنكية‭ ‬ورسوم‭ ‬التأخير‭ ‬على‭ ‬بطاقات‭ ‬الائتمان‭ ‬أو‭ ‬الأقساط‭ ‬والمخالفات‭ ‬وغيرها‭.‬

‭  ‬خديعة‭ ‬التسويق

قد‭ ‬يتساءل‭ ‬البعض،‭ ‬ما‭ ‬الفرق‭ ‬بين‭ ‬هذا‭ ‬النوع‭ ‬من‭ ‬الديون‭ ‬والديون‭ ‬العادية‭ ‬كالقروض؟‭ ‬ولماذا‭ ‬تعتبر‭ ‬هذه‭ ‬الديون‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الحالات‭ ‬أكثر‭ ‬خطورة‭ ‬وتهديدا‭ ‬للميزانية؟‭ ‬

الفرق‭ ‬الجوهري‭ ‬هو‭ ‬طبيعة‭ ‬ظهورها‭ ‬وإدراك‭ ‬الفرد‭ ‬لها،‭ ‬بمعنى‭ ‬مدى‭ ‬تأثيرها‭ ‬النفسي‭ ‬على‭ ‬سلوكنا‭ ‬المالي‭. ‬فالديون‭ ‬المعلنة‭ ‬هي‭ ‬قروض‭ ‬رسمية‭ ‬موثقة‭ ‬وثابتة‭ ‬مثل‭ ‬القروض‭ ‬العقارية‭ ‬أو‭ ‬قروض‭ ‬السيارات‭ ‬والقروض‭ ‬الشخصية،‭ ‬حيث‭ ‬تظهر‭ ‬هذه‭ ‬الالتزامات‭ ‬في‭ ‬السجلات‭ ‬الائتمانية‭ ‬أو‭ ‬البيانات‭ ‬البنكية،‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬من‭ ‬السهل‭ ‬احتسابها،‭ ‬ويكون‭ ‬الفرد‭ ‬مهيئا‭ ‬نفسيا‭ ‬وماديا‭ ‬للسداد‭ ‬وفق‭ ‬جدول‭ ‬زمني‭ ‬محدد‭ ‬وواضح‭ ‬مرتبط‭ ‬بالتخطيط‭ ‬للميزانية‭.‬

في‭ ‬حين‭ ‬ان‭ ‬الديون‭ ‬الخفية‭ ‬تمثل‭ ‬التزامات‭ ‬قد‭ ‬لا‭ ‬يضعها‭ ‬الفرد‭ ‬ضمن‭ ‬حساباته‭ ‬على‭ ‬أنها‭ ‬ديون،‭ ‬رغم‭ ‬أنها‭ ‬تستنزف‭ ‬جزءاً‭ ‬من‭ ‬دخله‭ ‬بشكل‭ ‬مستمر،‭ ‬وغالباً‭ ‬ما‭ ‬يكون‭ ‬أثر‭ ‬هذه‭ ‬الالتزامات‭ ‬أقل‭ ‬وضوحاً‭ ‬لأنها‭ ‬متفرقة‭ ‬أو‭ ‬صغيرة‭ ‬القيمة،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬تراكمها‭ ‬قد‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬زيادة‭ ‬الأعباء‭ ‬المالية‭ ‬وتقليص‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬الادخار‭ ‬أو‭ ‬الحصول‭ ‬على‭ ‬تمويل‭ ‬جديد،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يجعلها‭ ‬أكثر‭ ‬خطورة‭ ‬من‭ ‬الديون‭ ‬المعلنة‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الحالات‭ ‬إذا‭ ‬لم‭ ‬تُدر‭ ‬بشكل‭ ‬صحيح‭.‬

وهذا‭ ‬ما‭ ‬يقودنا‭ ‬الى‭ ‬السؤال‭ ‬حول‭ ‬أسباب‭ ‬عدم‭ ‬الادراك‭ ‬المبكر‭ ‬لمخاطر‭ ‬هذه‭ ‬الديون؟‭ ‬ففجأة‭ ‬قد‭ ‬يجد‭ ‬الفرد‭ ‬نفسه‭ ‬مثقلا‭ ‬بديون‭ ‬خفية‭ ‬تراكمية‭. ‬والسبب‭ ‬هنا‭ ‬يعود‭ ‬الى‭ ‬عدة‭ ‬عوامل‭.‬

تكمن‭ ‬الخطورة‭ ‬الأولى‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬الفرد‭ ‬لا‭ ‬يشعر‭ ‬بها‭ ‬كمصاريف‭ ‬والتزامات‭ ‬يومية،‭ ‬ما‭ ‬يمنحه‭ ‬شعورا‭ ‬زائفا‭ ‬بالأمان‭ ‬والقدرة‭ ‬الشرائية،‭ ‬وسرعان‭ ‬ما‭ ‬يصدم‭ ‬بتراكمها‭ ‬كعبء‭ ‬إضافي‭ ‬يهدد‭ ‬ميزانيته‭. ‬وبالتالي‭ ‬يكون‭ ‬منبع‭ ‬الخطر‭ ‬في‭ ‬الديون‭ ‬الخفية‭ ‬هو‭ ‬‮«‬عامل‭ ‬التخدير‮»‬،‭ ‬حيث‭ ‬تكون‭ ‬هذه‭ ‬الالتزامات‭ ‬مصممة‭ ‬لتظهر‭ ‬بمظهر‭ ‬مريح‭ ‬وغير‭ ‬مؤلم‭ ‬وقت‭ ‬الشراء،‭ ‬مثل‭ ‬خاصية‭ ‬الدفع‭ ‬بلمسة‭ ‬واحدة‭ ‬عبر‭ ‬الهاتف‭ ‬أو‭ ‬الخصم‭ ‬التلقائي‭ ‬من‭ ‬البطاقة،‭ ‬وكل‭ ‬ذلك‭ ‬يخفي‭ ‬التنبيه‭ ‬النفسي‭ ‬ويجعل‭ ‬الفرد‭ ‬يدخل‭ ‬في‭ ‬التزامات‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬وعي‭ ‬حقيقي‭ ‬بحجمها،‭ ‬ولكن‭ ‬سرعان‭ ‬ما‭ ‬تبدأ‭ ‬في‭ ‬خلق‭ ‬ضغط‭ ‬مستمر‭ ‬على‭ ‬الراتب‭ ‬وتحد‭ ‬من‭ ‬القدرة‭ ‬الشرائية‭ ‬والقدرة‭ ‬على‭ ‬الادخار‭. ‬بمعنى‭ ‬آخر،‭ ‬أن‭ ‬عدم‭ ‬الإدراك‭ ‬المبكر‭ ‬للوقوع‭ ‬في‭ ‬فخ‭ ‬الديون‭ ‬الخفية‭ ‬يعود‭ ‬في‭ ‬المقام‭ ‬الاول‭ ‬إلى‭ ‬الآليات‭ ‬النفسية‭ ‬والتسويقية‭ ‬الذكية‭ ‬التي‭ ‬تُبنى‭ ‬عليها‭ ‬الخدمات‭ ‬والسلع‭. ‬

من‭ ‬جانب‭ ‬آخر،‭ ‬غالبا‭ ‬ما‭ ‬تكون‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬الالتزامات‭ ‬بمبالغ‭ ‬صغيرة‭ ‬يستهين‭ ‬بها‭ ‬الفرد‭ ‬ولا‭ ‬يعتبرها‭ ‬ديونا،‭ ‬ولكن‭ ‬تراكمها‭ ‬يحولها‭ ‬الى‭ ‬مصدر‭ ‬قلق‭ ‬كبير‭. ‬

والأمر‭ ‬الآخر‭ ‬أن‭ ‬مصادرها‭ ‬متعددة‭ ‬وليس‭ ‬مصدر‭ ‬ثابت‭ ‬كالقرض‭ ‬الشخصي‭. ‬لذلك‭ ‬قد‭ ‬يغرق‭ ‬الشخص‭ ‬بين‭ ‬هذه‭ ‬المصادر‭ ‬مثل‭ ‬بطاقات‭ ‬الائتمان‭ ‬وخدمات‭ ‬‮«‬اشترِ‭ ‬الآن‭ ‬وادفع‭ ‬لاحقاً‮»‬‭ ‬ورسوم‭ ‬التطبيقات‭ ‬وغيرها‭. ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬من‭ ‬الصعب‭ ‬معرفة‭ ‬إجمالي‭ ‬الالتزامات‭. ‬

وتلعب‭ ‬سهولة‭ ‬الحصول‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬التمويلات‭ ‬دورا‭ ‬في‭ ‬التساهل‭ ‬بها،‭ ‬وخاصة‭ ‬مع‭ ‬الاعتقاد‭ ‬بأن‭ ‬التقسيط‭ ‬بدون‭ ‬فوائد‭ ‬أو‭ ‬التأجيل‭ ‬لا‭ ‬يُعد‭ ‬ديناً،‭ ‬رغم‭ ‬أنه‭ ‬التزام‭ ‬مالي‭ ‬يجب‭ ‬سداده‭. ‬وما‭ ‬يزيد‭ ‬من‭ ‬خطورة‭ ‬الامر‭ ‬ان‭ ‬التسويق‭ ‬يكون‭ ‬تحت‭ ‬مسمى‭ ‬‮«‬تسهيلات‮»‬‭ ‬وليس‭ ‬‮«‬ديون‮»‬،‭ ‬او‭ ‬شعارات‭ ‬مثل‭ ‬اشتراك‭ ‬مرن،‭ ‬استمتع‭ ‬الان‭ ‬وادفع‭ ‬لاحقا‭. ‬وهذا‭ ‬التلاعب‭ ‬في‭ ‬الالفاظ،‭ ‬يشعر‭ ‬الفرد‭ ‬أنه‭ ‬يقوم‭ ‬بإدارة‭ ‬ذكية‭ ‬للمال‭ ‬وليس‭ ‬بالاقتراض‭.‬

فمثلا‭ ‬اكدت‭ ‬دراسة‭ ‬نشرتهاJournal‭ ‬of‭ ‬International‭ ‬Management‭ ‬and‭ ‬Technology‭ ‬نشرت‭ ‬هذا‭ ‬العام‭ ‬أن‭ ‬اليات‭ ‬الدفع‭ ‬الميسرة‭ ‬والآجلة‭ ‬تعزز‭ ‬قرارات‭ ‬الشراء‭ ‬السريعة‭ ‬وتضعف‭ ‬إدراك‭ ‬المستهلك‭ ‬لحجم‭ ‬التزاماته‭ ‬المالية‭. ‬

فيما‭ ‬اكدت‭ ‬دراسة‭ ‬لمكتب‭ ‬حماية‭ ‬المستهلك‭ ‬المالي‭ ‬الأمريكي‭ ‬أن‭ ‬مستخدمي‭ ‬خدمات‭ ‬BNPL‭ ‬غالباً‭ ‬ما‭ ‬يحتفظون‭ ‬بعدة‭ ‬قروض‭ ‬متزامنة،‭ ‬مع‭ ‬ضعف‭ ‬في‭ ‬شفافية‭ ‬تسجيل‭ ‬هذه‭ ‬الالتزامات‭ ‬داخل‭ ‬أنظمة‭ ‬التقارير‭ ‬الائتمانية،‭ ‬ما‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬صعوبة‭ ‬تقدير‭ ‬إجمالي‭ ‬الديون‭ ‬الفعلية‭ ‬للأفراد‭ ‬ويعزز‭ ‬ظاهرة‭ ‬‮«‬تشتت‭ ‬الدين‮»‬‭ ‬التي‭ ‬تُعد‭ ‬أحد‭ ‬أبرز‭ ‬أشكال‭ ‬الديون‭ ‬الخفية‭ ‬في‭ ‬الاقتصاد‭. ‬

ومن‭ ‬الأسباب‭ ‬أيضا‭ ‬أنه‭ ‬غالبا‭ ‬ما‭ ‬يكون‭ ‬التركيز‭ ‬على‭ ‬قيمة‭ ‬القسط‭ ‬الشهري‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬إجمالي‭ ‬المبلغ‭ ‬المستحق‭. ‬فضلا‭ ‬عن‭ ‬ان‭ ‬الخصومات‭ ‬التلقائية‭ ‬للاشتراكات‭ ‬والخدمات‭ ‬تجعل‭ ‬الإنفاق‭ ‬أقل‭ ‬تأثيرا‭ ‬في‭ ‬البداية‭. ‬وتزداد‭ ‬الخطورة‭ ‬مع‭ ‬عدم‭ ‬وجود‭ ‬تخطيط‭ ‬مالي‭ ‬او‭ ‬مراجعة‭ ‬التقارير‭ ‬الائتمانية‭ ‬والالتزامات‭ ‬بشكل‭ ‬دوري‭ ‬لمعرفة‭ ‬إجمالي‭ ‬الالتزامات‭ ‬المالية‭.  ‬

إحصائيات‭ ‬

اجمالا‭ ‬يمكن‭ ‬القول‭ ‬ان‭ ‬التطورات‭ ‬التكنولوجية‭ ‬وخاصة‭ ‬في‭ ‬وسائل‭ ‬الدفع‭ ‬لعبت‭ ‬دورا‭ ‬في‭ ‬تفاقم‭ ‬مشكلة‭ ‬الديون‭ ‬الخفية‭.‬

فمثلا‭ ‬اكدت‭ ‬دراسة‭ ‬نشرتها‭ ‬Consumer‭ ‬Financial‭ ‬Protection‭ ‬Bureau‭ (‬CFPB‭) ‬عام‭ ‬2023‭ ‬حول‭ ‬سلوك‭ ‬الاقتراض‭ ‬الخفي،‭ ‬أن‭ ‬مستخدمي‭ ‬خدمات‭ ‬الدفع‭ ‬الآجل‭ ‬أكثر‭ ‬عرضة‭ ‬للدخول‭ ‬في‭ ‬دوامة‭ ‬الديون،‭ ‬وانخفاض‭ ‬الدخل‭ ‬والادخار‭ ‬وضعف‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬السداد‭ ‬عند‭ ‬الطوارئ،‭ ‬مع‭ ‬تراكم‭ ‬التزامات‭ ‬صغيرة‭ ‬غير‭ ‬مرئية‭.‬

وحذر‭ ‬تقرير‭ ‬لبنك‭ ‬التسويات‭ ‬الدولية‭ (‬BIS‭) ‬حول‭ ‬سلوك‭ ‬المستهلكين‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬مخططات‭ ‬الشراء‭ ‬الآجل‭ (‬BNPL‭) ‬تُعد‭ ‬نموذجاً‭ ‬صارخاً‭ ‬للديون‭ ‬الخفية‭ ‬للأفراد‭ ‬كونها‭ ‬لا‭ ‬تُسجل‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الأحيان‭ ‬ضمن‭ ‬السجلات‭ ‬الائتمانية‭ ‬الرسمية‭ ‬للمستهلكين‭ ‬في‭ ‬عدة‭ ‬دول‭.‬

وبالنسبة‭ ‬الى‭ ‬منطقة‭ ‬الخليج‭ ‬العربي،‭ ‬ووفقاً‭ ‬لتقرير‭ ‬نشرته‭ ‬مؤسسة‭ ‬أبحاث‭ ‬السوق‭ ‬العالمية‭ ‬IMARC‭ ‬Group‭ ‬لعام‭ ‬2026،‭ ‬فإن‭ ‬سوق‭ ‬الشراء‭ ‬الآجل‭ (‬BNPL‭) ‬في‭ ‬دول‭ ‬المنطقة‭ ‬يسجل‭ ‬معدل‭ ‬نمو‭ ‬سنوي‭ ‬مركب‭ ‬يتجاوز‭ ‬21‭.‬2‭%‬‭.‬

وفي‭ ‬المملكة‭ ‬العربية‭ ‬السعودية‭ ‬وحدها،‭ ‬تشير‭ ‬البيانات‭ ‬الرسمية‭ ‬لقطاع‭ ‬التقنية‭ ‬المالية‭ ‬إلى‭ ‬وصول‭ ‬مبيعات‭ ‬شركات‭ ‬الدفع‭ ‬الآجل‭ ‬إلى‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬8‭.‬7‭ ‬مليارات‭ ‬ريال‭ ‬سعودي،‭ ‬مع‭ ‬تخطي‭ ‬عدد‭ ‬المستهلكين‭ ‬المسجلين‭ ‬حاجز‭ ‬10‭ ‬ملايين‭ ‬عميل‭. ‬وفي‭ ‬الامارات‭ ‬تجاوز‭ ‬5.02‭ ‬مليارات‭ ‬دولار‭ ‬في‭ ‬النصف‭ ‬الأول‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬العام‭.  ‬وفي‭ ‬البحرين،‭ ‬تشير‭ ‬بيانات‭ ‬مصرف‭ ‬البحرين‭ ‬المركزي‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬62‭%‬‭ ‬من‭ ‬المستهلكين‭ ‬في‭ ‬البحرين‭ ‬لديهم‭ ‬اهتمامات‭ ‬في‭ ‬استخدام‭ ‬خيارات‭ ‬الدفع‭ ‬الآجل‭ ‬كأداة‭ ‬لتنظيم‭ ‬ميزانياتهم‭ ‬الشخصية‭. ‬وتشير‭ ‬تقارير‭ ‬مجلس‭ ‬التنمية‭ ‬الاقتصادية‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬45‭%‬‭ ‬من‭ ‬المتسوقين‭ ‬عبر‭ ‬الإنترنت‭ ‬يفضلون‭ ‬اختيار‭ ‬‮«‬الدفع‭ ‬الآجل‮»‬‭ ‬عند‭ ‬الدفع‭ ‬الإلكتروني‭ ‬كخيار‭ ‬أول‭ ‬لتقليل‭ ‬عبء‭ ‬الدفع‭ ‬الفوري‭.‬

آثار‭ ‬اقتصادية‭ ‬ونفسية

السؤال‭ ‬هنا‭: ‬ما‭ ‬هي‭ ‬الاثار‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والنفسية‭ ‬وحتى‭ ‬الاجتماعية‭ ‬التي‭ ‬تسببها‭ ‬الديون‭ ‬الخفية؟‭ ‬

للأسف‭ ‬تقود‭ ‬الديون‭ ‬الخفية‭ ‬كما‭ ‬أسلفنا‭ ‬إلى‭ ‬إحداث‭ ‬تآكل‭ ‬تدريجي‭ ‬وصامت‭ ‬في‭ ‬الاستقرار‭ ‬المالي‭ ‬للأفراد‭ ‬والأسر،‭ ‬وتتحول‭ ‬الى‭ ‬نزيف‭ ‬مالي‭ ‬صامت،‭ ‬وتظهر‭ ‬آثارها‭ ‬في‭ ‬عدة‭ ‬جوانب‭ ‬أبرزها‭:‬

‭* ‬تآكل‭ ‬الدخل‭: ‬وهو‭ ‬الأثر‭ ‬المباشر،‭ ‬حيث‭ ‬إن‭ ‬تشتت‭ ‬الأقساط‭ ‬الصغيرة‭ ‬يقلل‭ ‬القدرة‭ ‬الشرائي‭ ‬للفرد‭ ‬بشكل‭ ‬حاد‭.‬

‭* ‬العجز‭ ‬عن‭ ‬الادخار‭ ‬أو‭ ‬الاستثمار‭. ‬فالديون‭ ‬الخفية‭ ‬توصف‭ ‬بأنها‭ ‬العدو‭ ‬الأول‭ ‬للادخار‭. ‬

‭* ‬العجز‭ ‬عن‭ ‬مواجهة‭ ‬الحالات‭ ‬الطارئة‭ ‬بسبب‭ ‬الاستهلاك‭ ‬المستمر‭ ‬للسيولة‭.‬

‭* ‬الدخول‭ ‬في‭ ‬‮«‬دوامة‭ ‬الدين‭ ‬المستمر‭ ‬لتغطية‭ ‬العجز‭ ‬الشهري‭ ‬الناتج‭ ‬عن‭ ‬تراكم‭ ‬الديون‭ ‬الخفية‮»‬‭. ‬وقد‭ ‬يتم‭ ‬اللجوء‭ ‬إلى‭ ‬الاقتراض‭ ‬لسداد‭ ‬ديون‭ ‬سابقة،‭ ‬وهي‭ ‬ظاهرة‭ ‬تعرف‭ ‬بـ«دوامة‭ ‬الديون‮»‬‭.‬

‭* ‬اضطراب‭ ‬التخطيط‭ ‬المالي‭ ‬والإنفاق‭ ‬العشوائي،‭ ‬وخاصة‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الديون‭ ‬غير‭ ‬مرئية‭. ‬لذلك‭ ‬تعطل‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬وضع‭ ‬ميزانية‭ ‬دقيقة‭. ‬

‭ ‬وعلى‭ ‬الصعيد‭ ‬النفسي،‭ ‬من‭ ‬الممكن‭ ‬ان‭ ‬تقود‭ ‬هذه‭ ‬الديون‭ ‬الى‭ ‬مشكلات‭ ‬عدة‭ ‬أبرزها‭:‬

‭* ‬القلق‭ ‬المستمر‭ ‬والتوتر‭ ‬المزمن‭ ‬الذي‭ ‬يجعل‭ ‬الفرد‭ ‬يعيش‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬ترقب‭ ‬وخوف‭ ‬دائم‭ ‬من‭ ‬رسائل‭ ‬التذكير‭ ‬بالسداد‭ ‬والخصومات‭ ‬التلقائية‭. ‬هذا‭ ‬الضغط‭ ‬المستمر‭ ‬يرفع‭ ‬مستويات‭ ‬التوتر،‭ ‬ما‭ ‬يؤثر‭ ‬سلباً‭ ‬على‭ ‬جودة‭ ‬النوم،‭ ‬والتركيز،‭ ‬والإنتاجية‭ ‬في‭ ‬العمل‭. ‬وقد‭ ‬يصل‭ ‬الامر‭ ‬الى‭ ‬اكتئاب‭ ‬مزمن‭.‬

‭* ‬الشعور‭ ‬بالذنب‭ ‬والعجز‭ ‬والفشل‭ ‬في‭ ‬إدارة‭ ‬الفرد‭ ‬لحياته‭ ‬ميزانيته‭. ‬ما‭ ‬يسبب‭ ‬إحباطاً‭ ‬نفسياً‭ ‬حاداً‭.‬

‭* ‬الهروب‭ ‬من‭ ‬الواقع‭ ‬وتجنب‭ ‬مراجعة‭ ‬الحسابات‭ ‬البنكية‭ ‬تهرباً‭ ‬من‭ ‬مواجهة‭ ‬الحقيقة‭ ‬الصادمة‭. ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬الشخص‭ ‬يعيش‭ ‬في‭ ‬دوامة‭ ‬من‭ ‬التوجس‭.‬

‭* ‬فقدان‭ ‬الأمان‭ ‬النفسي‭. ‬

وعلى‭ ‬الصعيد‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬قد‭ ‬يتطور‭ ‬الامر‭ ‬الى‭:‬

‭* ‬خلافات‭ ‬أسرية‭ ‬متكررة‭ ‬وخاصة‭ ‬مع‭ ‬عدم‭ ‬وجود‭ ‬شفافية‭ ‬مالية‭ ‬او‭ ‬العجز‭ ‬عن‭ ‬تلبية‭ ‬الاحتياجات‭ ‬الأساسية‭ ‬للمنزل‭ ‬والأبناء‭.‬

‭* ‬تراجع‭ ‬جودة‭ ‬حياة‭ ‬الأسرة‭ ‬والاضطرار‭ ‬الى‭ ‬التخلي‭ ‬عن‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الاحتياجات‭.‬

‭* ‬قد‭ ‬يصل‭ ‬الامر‭ ‬الى‭ ‬الانعزال‭ ‬الاجتماعي‭ ‬والانسحاب‭ ‬لتجنب‭ ‬المصاريف‭ ‬والمجاملات‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬الفرد‭ ‬قادراً‭ ‬على‭ ‬تحمل‭ ‬تكاليفها‭. ‬

‭* ‬توارث‭ ‬الثقافة‭ ‬الاستهلاكية‭ ‬الخاطئة‭ ‬من‭ ‬الإباء‭ ‬الى‭ ‬الأبناء،‭ ‬مثل‭ ‬ان‭ ‬ينشأ‭ ‬الأبناء‭ ‬في‭ ‬بيئة‭ ‬تعتمد‭ ‬على‭ ‬التقسيط‭ ‬المستمر‭ ‬والشراء‭ ‬اللحظي‭ ‬لكل‭ ‬الرغبات‭ ‬عبر‭ ‬حلول‭ ‬التمويل‭ ‬السريع،‭ ‬وبالتالي‭ ‬تنتقل‭ ‬أزمة‭ ‬الديون‭ ‬الخفية‭ ‬إلى‭ ‬الجيل‭ ‬القادم‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا