آخر قصيدة كتبها الشاعر الكبير علي عبدالله خليفة قبل رحيله في حب البحرين خلال فترة العدوان الإيراني على المملكة وخص بها «أخبار الخليج».
فاردْ جَناح العَــزم
يَا كبيرٍ عَـلى الرّيح
مِـنْ وينْ مَا هَـبَّتْ
يَا وَطَـنْ، يَا اللّي فُـوق الـشّـدايِـدْ،
دُوم عَـالي، ومِـتْـعَـلّي،
مَا هِي جِـدِيدة ظُرُوف الحَـرْب والـتَّـهْـديــدْ،
حَـرْبكْ عَـلى العِـدا، وخِسّة الأنْـذَال، مَا وَنَّتْ،
وَلا انْـتَ عَـنْها مِـتْخلّي.
■■■
نـقْـرا صَحَايِـفْ مَجْدِ تاريْخِـكْ . .
حَـتّى نـتْأَمًّـلْ،
حَتّى الـزّمَنْ يَـعْـطِي كِـلِّ مَا عِـنْـدَه،
وَلا يْـخَـلّي،
وشْهالحَـرب هَـذي اللّي انْـتَ تُواجهـها؟!
حَـرْبـك أَبَـدْ .. دُومْ، وطُـول الـوَقْــت، مَا وَنَّــتْ
في كلِّ يومٍ يَـكْـتِـب التَّاريخ لَـكْ مَوقِـفْ:
صَـريحٍ، وَاضِحٍ، مَكْـشُوفٍ، ولا يــوَنّي،
صَامدْ، وعَـزْم الأهَـلْ يا كـبِـيـرٍ، في وُجُـوه
العِـدا، دَايِــمْ عَـلى الظَّنِّ.
■■■
أَقْـرا، وَقَـرّي صِغَار الطّيرْ،
باللِّي رسَخْ عَـبْـر الزَّمَنْ، وانْـكـتَبْ عَـنّي
أطْمَاعٍ بلا حَـدٍ، وجُورٍ عَـلى جُورْ، مِـتْعَـنّي
يَـا وَطَنْ رُوحِي، أنا فِـدْوَةْ لـتْرابِـكْ
عَـزيز، ودُوم رَايـتِـك في العـزّ خَـفّـاقَـةْ
كِـلْ شَيٍ قَـدَّره ربّي يصِيرْ،
عَـلى مَا يـريـد، سُـبْحانِه،
بـالرّضَـى تَـسْـليمْ، خَلِّه يصِيرْ
أَنا ويّاكْ في عَاصِـفْ هـيَاج الرَّيح،
وفِي لُجّ بَحْـر الشّدايدْ، ولا نـونِّي
صَحايـفْ تَـاريخِـنا بـيْـضا،
وعـزُومـنا، إشْـتَاخِـذْ مِـنْها الـرّيـح، دَخِـيلـكْ،
شالـذي تَخَلّي،
شَمْس الإِرادِةْ، بـقُـوّة الـتَـنْـويـر، تِـجْـمَـعْـنا
إِفْـردْ جَـنَاح العَـزِمْ، يا كبير..
حَلِّـقْ في الأَعالي، وعـيْـن الله تَحْرِسْـنا.
مملكة البحرين تودع شاعرها الكبير علي عبدالله خليفة
رحل الصديق والأديب علي عبدالله خليفة صاحب القلم الذي كان ينسج من الفكر نورا، ورحل معه صوتٌ كان يوقظ المعاني من سباتها، ومن الكلمة حياة. لم يكن شاعرًا فحسب، بل كان روحًا عاشقة للجمال، وكاتبًا حمل همَّ المعرفة، وباحثًا جعل من الحقيقة دربًا ومن السؤال رسالة، رحل شاعرنا الكبير بعد رحلة زاخرة بالعطاء والإبداع في مجال الشعر والأدب والثقافة الشعبية وأسهم من خلاله في رفد الساحة الأدبية والفكرية في مملكة البحرين وفي دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية بإنتاجه الأدبي والمعرفي والشعري المميز حيث ان ديوانه الأول أنين الصواري الذي كان باكورة انتاجيه الشعري الذي صدر عام 1969م، كان له صدي ايجابي كبير في الساحة الأدبية في البحرين وفي الخليج العربي ثم توالت دواوينه الشعرية، عطش النخيل، اضاءة لذاكرة الوطن وغيرها من الدواوين. لقد كان صاحب قلم أدبي جميل يشد القارئ له.
وكان رحمه الله داعما كبيرا للنشاط الثقافي في مملكة البحرين، وللدلالة على ذلك أنه كان يقدم كل أنواع الدعم والمساندة لجمعية التاريخ والآثار بدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية التي اتشرف بأني أحد أعضاء مجلس ادارتها في كل ملتقياتها العلمية التي عقدت على أرض مملكة البحرين.
عرفناه كريم الخلق، واسع الأفق، يزرع في المجالس فائدة، وفي القلوب محبة، وفي العقول أثرًا لا يزول. كانت كلماته تسبق حضوره أحيانًا، لكنها لم تكن يومًا أبلغ من إنسانيته وتواضعه ونبله.
لقد غاب جسده، لكن قصائده وأبحاثه باقية تنبض بما أودعه فيها من صدق، وهي شاهدة على جهده وعطائه، وسوف يكون أثره ممتدّا في دروب العلم والمعرفة. وما أعظم عزاءنا أن الإنسان يرحل، ويبقى ما قدَّمه للناس من خير وفكر وجمال.
رحل الشاعرُ علي عبدالله خليفة، فرحلت معه صفحةٌ مشرقة من صفحات الثقافة البحرينية والخليجية، وقامةٌ أدبيةٌ سامقة كرّست عمرها للكلمة الجميلة والفكر المستنير وخدمة التراث والهوية.
لم يكن حضوره محصورًا في الشعر وحده، بل امتد إلى العمل الثقافي والمعرفي، فكان مثال المثقف الذي جمع بين الإبداع والبحث، وبين الأصالة والانفتاح، وبين الوفاء لتراثه والسعي الدائم إلى آفاق جديدة من المعرفة والجمال.
كان الراحل الكبير صوتًا شعريًا أصيلًا، حمل هموم الإنسان والوطن، وصاغ من تجربته الإبداعية قصائد بقيت حاضرة في وجدان القرّاء، كما كان كاتبًا وباحثًا أثرى المكتبة العربية بإسهاماته الفكرية والثقافية، وأسهم في ترسيخ مكانة البحرين على خريطة الإبداع العربي. واعترافا بما قدمه للمكتبة العربية من ابداع في مجال الشعر والأدب حصل على أوسمة من دول عربية ومن بلاده البحرين.
لم يكن حضوره محصورًا في الشعر وحده، بل امتد إلى العمل الثقافي والمعرفي، فكان مثال المثقف الذي جمع بين الإبداع والبحث، وبين الأصالة والانفتاح، وبين الوفاء لتراثه والسعي الدائم إلى آفاق جديدة من المعرفة والجمال.
حبيب الوطن نم قرير العين، فقد تركت في القلوب مكانًا لا يُنسى، وفي الذاكرة صفحاتٍ مضيئة، وفي الحياة أثرًا طيبًا سيظل يرافق من عرفوك وأحبوك.
برحيله تفقد مملكة البحرين أحد أبرز رموزها الثقافية، وتفقد منطقة الخليج العربي شاعرًا أسهم في تشكيل ملامح المشهد الأدبي الحديث، وترك أثرًا سيظل حيًا في قصائده ومؤلفاته وفي ذاكرة الأجيال التي نهلت من عطائه.
رحم الله علي عبدالله خليفة رحمة واسعة، وأسكنه فسيح جناته، وألهم أسرته ومحبيه وتلامذته الصبر والسلوان. وستبقى كلماته شاهدة على حياةٍ أفناها في خدمة الشعر والثقافة والمعرفة، وسيظل اسمه حاضرًا بين أعلام الأدب الذين تجاوزوا حدود الوطن.
رحمك الله رحمة واسعة، وأسكنك فسيح جناته، وجزى عطاءك خير الجزاء، وإنا لله وإنا إليه راجعون.
الأستاذ الدكتور علي منصور آل شهاب
أستاذ التاريخ الإسلامي بجامعة البحرين سابقا
أستاذي علي عبدالله خليفة
جلسنا معًا مرارًا نخطّ كلمات الرثاء لزملاء ومثقفين رحلوا عنا، لكن لم يخطر ببالي يومًا أن يأتي الوقت الذي أكتب فيه لك أنت كلمات الوداع ومن دونك.
رحلت يا من أعجز عن أن أختصره في وصفٍ أو مسمّى، فقد كنت لي أبًا ألجأ إليه، وأخًا أتكئ عليه، وصديقًا أُفضي له بما في النفس، قبل أن تكون زميلًا في الثقافة والأدب، وشريكًا في العلم والعمل، ورفيقًا في الحلّ والسفر.
كنت جزءًا أصيلًا من أيامي سنوات، حيث أصبحت مشاريعك مشاريعي، وأفكاري أفكارك، فأمسينا نحمل ذات الهموم والأحلام.
ولذلك جاء فراقك أكبر من أن تحتويه الكلمات، وأقسى من أن يُقاس بأي فقد.
سيبقى حضورك حيًّا في ذاكرتي، وفي كل زاويةٍ تفاكرنا عندها، وفي كل شخص عرفناه، وفي كل مشروعٍ تشاركناه، وبذلك ستكون موجودًا في كل مكانٍ حتى الفراغ الذي لم نشغله بعد.
سأظل أكتبك،
لأملأ الجزء الذي رحل من روحي معك،
رحمك الله برحمته الواسعة، وأعان قلبي وعقلي على وحشةٍ تركها رحيلك.
د. معصومة المطاوعة
في رثاء الشاعر علي عبدالله خليفة
برحيل الشاعر البحريني الأستاذ علي عبدالله خليفة يترجل عن المشهد الثقافي والإبداعي البحريني والخليجي واحد من أهم الأسماء الإبداعية وألمعها في مجال الشعر العربي الحديث والشعر الشعبي، وفي مجال الثقافة الشعبية البحرينية والخليجية والعربية برؤية تتسع لحدود العالم كله. ترأس الراحل المنظمة الدولية للفن الشعبي (IOV) وكانت له اليد الطولى في تنظيم عشرات المؤتمرات والملتقيات التي تحتفي بثقافات الشعوب على اختلافاتها وتنوعها بحثاً عن القواسم المشتركة التي تؤسس مساحات إنسانية للتسامح والمشتركات الإنسانية، وهي مساحات عابرة للحدود والقارات، للأزمنة. في سنة 2007 عندما شرعت في مشروع الجمع الميداني الجماعي للحكايات الشعبية البحرينية من خلال إشرافي على مائة طالب من طلبة جامعة البحرين، كان الأستاذ علي عبدالله خليفة يراقب عن كثب خطواتي في المشروع، وبعد سبع سنوات اتصل بي هاتفياً وسألني عن الجمع الميداني الذي أجريه مع طلبتي، وأبدى حماسته الشديدة واستعداد أرشيف الثقافة الشعبية لتمويل المشروع كاملاً من خلال الشراكة اللوجستية مع جامعة البحرين. وعندما دُشِن كتاب (الحكايات الشعبية البحرينية: ألف حكاية وحكاية) في عام 2019 أخبرني أنَّ ما قمتُ به مع طلبتي كان في يومٍ ما حلما من أحلامه التي يود تحقيقها: أن تُجمع الحكايات الشعبية البحرينية في كتاب يكون مرجعاً تأسيسياً وذاكرة وطنية شفاهية تُدون. وشرفتُ مع الأستاذ علي عبدالله خليفة مع سعادة رئيس جامعة البحرين الأسبق الأستاذ الدكتور رياض حمزة بإهداء صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة ملك البلاد المعظم، حفظه الله ورعاه، الراعي الأول للتراث في البحرين، نسخة من الكتاب، وشرفتُ باحتفاء جلالته بالثقافة الشعبية البحرينية وإيمانه العميق بدورها في صناعة الذاكرة الوطنية البحرينية. كان الأستاذ علي عبدالله خليفة داعماً أساسياً لي ولزملائي وزميلاتي الذين لديهم اهتمامات بحثية في مجالات الثقافة الشعبية مع تطبيق المقاربات المنهجية عليها. وكان تواصله معي قبل أشهر قليلة من وفاته بحماسته المعهودة لتدشين الموقع الإلكتروني الخاص بالحكاية الشعبية البحرينية.
على مدى عقود تمثّل شغف علي عبدالله خليفة بالثقافة الشعبية في دواوينه الشعبية، وكذلك في كونه من مؤسسي مجلة (المأثورات الشعبية) ثم مجلة (الثقافة الشعبية). واستطاع علي عبدالله خليفة في عقود طويلة أن يشكل شبكات تواصل ثقافية ضخمة حقّقت شراكات عالمية مستدامة في مجال درس الثقافة الشعبية العربية والخليجية. إنَّ الحديث عن الراحل يطول ويطول، ولكنني أختزل وصفه بأنه رجل المشاريع المؤسسية في مجال الثقافة الشعبية، وصاحب أفكار ومبادرات طموحة وملهمة ومستدامة في مجال صون التراث الثقافي المادي وغير المادي. رحم الله الأستاذ علي عبدالله خليفة وأسكنه فسيح جناته، وألهم ذويه جميل الصبر والسلوان، وإنا لله وإنا إليه راجعون.
د. ضياء عبدالله الكعبي
عميدة كلية الآداب - جامعة البحرين
أب روحي ترك إرثا ثقافيا سيبقى للأجيال
رحيل الشاعر علي عبدالله خليفة يمثل خسارة كبيرة للمشهد الثقافي البحريني، باعتباره أحد أبرز الرموز الثقافية والأدبية الذين كرّسوا حياتهم لخدمة الثقافة الوطنية وتعزيز مكانة الأدب والشعر، مشيرًا إلى أن الراحل أسهم خلال مسيرته الحافلة بالعطاء في ترسيخ الحراك الثقافي البحريني وإبراز الهوية الوطنية من خلال أعماله الشعرية ومبادراته الثقافية، كما كان من أبرز الداعمين للثقافة الشعبية، مؤمنًا بأهمية الموروث الشعبي وضرورة توثيقه وصونه للأجيال القادمة، وهو ما تجسد في مشاريعه الرائدة، في مقدمتها مجلة الثقافة الشعبية.
تميز بحضوره الإنساني والثقافي الرفيع، وحرصه على احتضان الأجيال الجديدة من المبدعين وتشجيعهم، حتى أصبح معلمًا وملهماً للعديد من الأدباء والشعراء والباحثين، تاركًا بصمة راسخة في المشهد الثقافي البحريني والخليجي ستظل حاضرة في ذاكرة الأجيال.
تعلم منه الكثير على المستويين المهني والإنساني، ولا سيما في فن الإدارة والقيادة الثقافية، من خلال العمل معه في مركز عبدالرحمن كانو الثقافي، ومجلة الثقافة الشعبية للدراسات والبحوث والنشر، وجائزة عيسى لخدمة الإنسانية، والمنظمة الدولية للفن الشعبي، إلى جانب إدارة منصاته ومواقعه الإعلامية منذ تأسيسها.
الراحل لم يكن بالنسبة إليه مجرد مسؤول أو شخصية ثقافية، بل كان الأب الروحي والمرشد الذي تعلم منه قيم العطاء والإخلاص والانتماء الصادق للعمل الثقافي، مؤكدًا أنه لمس من قرب ما كان يتمتع به من تواضع وحكمة ورحابة صدر، وحرص دائم على دعم المبادرات الثقافية والمثقفين، وإيمان عميق بدور الثقافة في بناء الإنسان والمجتمع، فضلًا عن حضوره الدائم بعطائه وفكره ومساندته لكل جهد يسهم في الارتقاء بالمشهد الثقافي البحريني.
الإرث الثقافي والإنساني الذي تركه علي عبدالله خليفة سيظل مصدر إلهام للأجيال القادمة، وستبقى منجزاته شاهدة على مسيرة استثنائية حافلة بالعطاء والإبداع والوفاء للثقافة والوطن.
عاصم عبدالحي
المدير الإداري لمركز عبدالرحمن كانو الثقافي

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك