العدد : ١٧٦١٩ - الجمعة ١٩ يونيو ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٤ محرّم ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦١٩ - الجمعة ١٩ يونيو ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٤ محرّم ١٤٤٨هـ

ألوان

في ذكرى رحيل "السندريلا" سعاد حسني .. "بئر الحرمان" يعود إلى الواجهة ..
سعاد حسني قدّمت في "بئر الحرمان" واحداً من أكثر أدوارها تعقيداً وجرأة على المستوى النفسي والفني

الجمعة ١٩ يونيو ٢٠٢٦ - 02:00

كتبت‭: ‬فاطمة‭ ‬اليوسف

 

السندريلا‭ ‬سعاد‭ ‬حسني‭ ‬حين‭ ‬جسدت‭ ‬شخصيتي‭ "‬ناهد‭" ‬و‭"‬ميرفت‭" ‬في‭ ‬فيلم‭ "‬بئر‭ ‬الحرمان‭"‬،‭ ‬خاضت‭ ‬رحلة‭ ‬شاقة‭ ‬إلى‭ ‬أعماق‭ ‬النفس‭ ‬الإنسانية،‭ ‬حيث‭ ‬تتقاطع‭ ‬الرغبات‭ ‬المكبوتة‭ ‬مع‭ ‬الجراح‭ ‬العميقة‭ ‬الخفية،‭ ‬وخاضت‭ ‬تلك‭ ‬النقطة‭ ‬التي‭ ‬يتحول‭ ‬فيها‭ ‬الإنسان‭ ‬إلى‭ ‬ساحة‭ ‬صراع‭ ‬بين‭ ‬ما‭ ‬يظهره‭ ‬للعالم‭ ‬وما‭ ‬يخفيه‭ ‬في‭ ‬أكثر‭ ‬زواياه‭ ‬ظلمة‭.‬

وسعاد‭ ‬حسني،‭ ‬التي‭ ‬تحل‭ ‬ذكرى‭ ‬وفاتها‭ ‬يوم‭ ‬غد‭ ‬السبت‭ ‬الموافق‭ ‬21‭ ‬يونيو،‭ ‬أدت‭ ‬دور‭ ‬البطولة‭ ‬في‭ ‬فيلم‭ ‬‮«‬بئر‭ ‬الحرمان‮»‬‭ ‬المأخوذ‭ ‬عن‭ ‬قصة‭ ‬للأديب‭ ‬الكبير‭ ‬إحسان‭ ‬عبدالقدوس،‭ ‬مقدمةً‭ ‬واحداً‭ ‬من‭ ‬أكثر‭ ‬أدوارها‭ ‬تعقيداً‭ ‬وجرأة‭ ‬على‭ ‬المستوى‭ ‬النفسي‭ ‬والفني،‭ ‬حتى‭ ‬بدا‭ ‬الفيلم‭ ‬وكأنه‭ ‬دراسة‭ ‬فلسفية‭ ‬في‭ ‬طبيعة‭ ‬الذات‭ ‬البشرية‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬كونه‭ ‬عملاً‭ ‬سينمائياً‭ ‬تقليدياً‭.‬

في‭ ‬الفيلم‭ ‬تظهر‭ "‬ناهد‭" ‬فتاة‭ ‬هادئة‭ ‬ومتزنة‭ ‬تنتمي‭ ‬إلى‭ ‬بيئة‭ ‬اجتماعية‭ ‬محافظة،‭ ‬لكنها‭ ‬تعاني‭ ‬اضطراباً‭ ‬نفسياً‭ ‬يجعلها‭ ‬تعيش‭ ‬بشخصيتين‭ ‬مختلفتين؛‭ "‬ناهد‭" ‬بشخصيتها‭ ‬النهارية‭ ‬الملتزمة‭ ‬والوديعة،‭ ‬و‭ "‬ميرفت‭" ‬بشخصيتها‭ ‬الليلية‭ ‬المتمردة‭ ‬والمنطلقة‭ ‬التي‭ ‬تبحث‭ ‬عن‭ ‬عالم‭ ‬مختلف‭ ‬تماماً،‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬إحسان‭ ‬عبدالقدوس‭ ‬مهتماً‭ ‬بإدانة‭ ‬الشخصية‭ ‬أو‭ ‬محاكمتها‭ ‬أخلاقياً،‭ ‬بل‭ ‬كان‭ ‬منشغلاً‭ ‬بما‭ ‬الذي‭ ‬يحدث‭ ‬للإنسان‭ ‬حين‭ ‬تتراكم‭ ‬داخله‭ ‬الصدمات‭ ‬والحرمان‭ ‬والخوف‭ ‬حتى‭ ‬يصبح‭ ‬عاجزاً‭ ‬عن‭ ‬التوفيق‭ ‬بين‭ ‬ما‭ ‬يشعر‭ ‬به‭ ‬وما‭ ‬يُسمح‭ ‬له‭ ‬بالتعبير‭ ‬عنه؟

هنا‭ ‬تتجلى‭ ‬القيمة‭ ‬الفنية‭ ‬للفيلم،‭ ‬فـ‭"‬بئر‭ ‬الحرمان‭" ‬لا‭ ‬يتحدث‭ ‬عن‭ ‬مرض‭ ‬نفسي‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬عن‭ ‬ذلك‭ ‬الانقسام‭ ‬الذي‭ ‬قد‭ ‬يسكن‭ ‬كل‭ ‬إنسان‭ ‬بدرجات‭ ‬متفاوتة،‭ ‬فكل‭ ‬فرد‭ ‬يحمل‭ ‬في‭ ‬داخله‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬صوت،‭ ‬وأكثر‭ ‬من‭ ‬رغبة،‭ ‬وأكثر‭ ‬من‭ ‬صورة‭ ‬للذات،‭ ‬والحق‭ ‬أن‭ ‬بعض‭ ‬هذه‭ ‬الأصوات‭ ‬تنشأ‭ ‬بينها‭ ‬معركة‭ ‬صامتة‭ ‬قد‭ ‬لا‭ ‬يراها‭ ‬أحد‭ ‬سوى‭ ‬الفرد‭ ‬ذاته،‭ ‬وقد‭ ‬يغفل‭ ‬عنها‭ ‬صاحب‭ ‬الشأن‭ ‬نفسه‭ ‬فيراها‭ ‬طبيعية‭ ‬وعادية‭.‬

استطاعت‭ ‬سعاد‭ ‬حسني‭ ‬أن‭ ‬تمنح‭ ‬هذا‭ ‬الصراع‭ ‬وجهاً‭ ‬إنسانياً‭ ‬مؤثراً،‭ ‬فبدت‭ ‬أحياناً‭ ‬ضحية‭ ‬لنفسها،‭ ‬وأحياناً‭ ‬أخرى‭ ‬ضحية‭ ‬لظروف‭ ‬صنعت‭ ‬ذلك‭ ‬الانقسام‭ ‬في‭ ‬ذاتها‭ ‬المشحونة‭ ‬بأوجاع‭ ‬منذ‭ ‬الطفولة‭.‬

كانت‭ ‬نظراتها‭ ‬في‭ ‬الفيلم‭ ‬تقول‭ ‬ما‭ ‬تعجز‭ ‬الكلمات‭ ‬عن‭ ‬قوله،‭ ‬ففي‭ ‬كل‭ ‬انتقال‭ ‬بين‭ "‬ناهد‭" ‬و‭"‬ميرفت‭" ‬كانت‭ ‬سعاد‭ ‬حسني‭ ‬تقدم‭ ‬درساً‭ ‬استثنائياً‭ ‬في‭ ‬التمثيل،‭ ‬إذ‭ ‬لم‭ ‬تعتمد‭ ‬على‭ ‬المبالغة‭ ‬أو‭ ‬الأداء‭ ‬المسرحي‭ ‬الصاخب‭ ‬أو‭ ‬الصراخ‭ ‬الانفعالي،‭ ‬بل‭ ‬على‭ ‬التفاصيل‭ ‬الدقيقة‭ ‬التي‭ ‬تكشف‭ ‬هشاشة‭ ‬الروح‭ ‬حين‭ ‬تفقد‭ ‬توازنها،‭ ‬لهذا‭ ‬بقي‭ ‬الدور‭ ‬واحداً‭ ‬من‭ ‬أهم‭ ‬الأدوار‭ ‬النسائية‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬السينما‭ ‬العربية‭.‬

ومن‭ ‬منظوري‭ ‬الفلسفي،‭ ‬أرى‭ ‬أن‭ ‬الفيلم‭ ‬يوضح‭ ‬لنا‭ ‬أن‭ ‬الإنسان‭ ‬كائن‭ ‬واحد‭ ‬يحمل‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬الذوات‭ ‬المتجاورة،‭ ‬وهل‭ ‬الشر‭ ‬الذي‭ ‬نراه‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬السلوكيات‭ ‬هو‭ ‬حقيقة‭ ‬أصيلة‭ ‬أم‭ ‬نتيجة‭ ‬لجراح‭ ‬لم‭ ‬تُشفَ؟‭ ‬إن‭ ‬‮«‬ناهد‮»‬‭ ‬و«ميرفت‮»‬‭ ‬لم‭ ‬تكونا‭ ‬شخصيتين‭ ‬شريرتين،‭ ‬بل‭ ‬كانتا‭ ‬وجهين‭ ‬لمعاناة‭ ‬إنسانية‭ ‬واحدة‭ ‬تبحث‭ ‬عن‭ ‬مخرج‭ ‬من‭ ‬سجن‭ ‬داخلي‭ ‬صنعته‭ ‬ظروف‭ ‬نفسية‭ ‬واجتماعية‭ ‬معقدة،‭ ‬ولهذا‭ ‬فإن‭ ‬مأساة‭ ‬الشخصية‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬في‭ ‬أفعالها‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬كانت‭ ‬في‭ ‬عجزها‭ ‬عن‭ ‬التصالح‭ ‬مع‭ ‬ذاتها‭.‬

لقد‭ ‬أدرك‭ ‬إحسان‭ ‬عبدالقدوس‭ ‬أن‭ ‬الحرمان‭ ‬لا‭ ‬يكون‭ ‬مادياً‭ ‬فقط،‭ ‬فهناك‭ ‬حرمان‭ ‬أشد‭ ‬قسوة‭ ‬يتمثل‭ ‬في‭ ‬حرمان‭ ‬الإنسان‭ ‬من‭ ‬التعبير‭ ‬عن‭ ‬ذاته‭ ‬الحقيقية،‭ ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬جاء‭ ‬عنوان‭ ‬الفيلم‭ ‬‮«‬بئر‭ ‬الحرمان‮»‬،‭ ‬للدلالة‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬العمق‭ ‬المظلم‭ ‬الذي‭ ‬تسقط‭ ‬فيه‭ ‬الأحلام‭ ‬والرغبات‭ ‬والمخاوف‭ ‬حين‭ ‬تُدفن‭ ‬طويلاً‭ ‬بداخلنا‭.‬

وفي‭ ‬ذكرى‭ ‬رحيل‭ ‬سعاد‭ ‬حسني،‭ ‬اخترت‭ ‬هذا‭ ‬الفيلم‭ ‬تحديداً‭ ‬للحديث‭ ‬عنه،‭ ‬فهو‭ ‬واحد‭ ‬من‭ ‬أهم‭ ‬الأعمال‭ ‬التي‭ ‬تمتلئ‭ ‬بالأسئلة‭ ‬الإنسانية‭ ‬المعقدة‭ ‬والخالدة‭.‬

رحلت‭ ‬السندريلا‭ ‬جسداً،‭ ‬لكن‭ ‬أعمالها‭ ‬بقيت‭ ‬شاهدة‭ ‬على‭ ‬موهبة‭ ‬استثنائية‭ ‬لن‭ ‬تتكرر،‭ ‬ولعل‭ ‬‮«‬بئر‭ ‬الحرمان‮»‬‭ ‬من‭ ‬أبرز‭ ‬تلك‭ ‬المرايا؛‭ ‬فيلم‭ ‬لا‭ ‬يحكي‭ ‬قصة‭ ‬امرأة‭ ‬واحدة،‭ ‬بل‭ ‬يحكي‭ ‬قصة‭ ‬صراع‭ ‬الإنسان‭ ‬حين‭ ‬يواجه‭ ‬ذاته،‭ ‬وحين‭ ‬يكتشف‭ ‬أن‭ ‬أعمق‭ ‬الآبار‭ ‬ليست‭ ‬تلك‭ ‬المحفورة‭ ‬في‭ ‬الأرض،‭ ‬بل‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬تتشكل‭ ‬في‭ ‬الروح‭ ‬عندما‭ ‬يطول‭ ‬فيها‭ ‬الصمت‭ ‬والحرمان

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا