العدد : ١٧٦١٨ - الخميس ١٨ يونيو ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٣ محرّم ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦١٨ - الخميس ١٨ يونيو ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٣ محرّم ١٤٤٨هـ

المال و الاقتصاد

الخطر الصامت.. الأسر الخليجية لا تدخر!
من الأسباب: سيكولوجية الإنفاق.. التضخم.. الثقافة الخاطئة.. الأمان المالي والاعتماد على الدولة

تحقيق: محمد الساعي

الخميس ١٨ يونيو ٢٠٢٦ - 02:00

هامش‭ ‬ادخار‭ ‬الخليجيين‭ ‬في‭ ‬مستويات‭ ‬متدنية‭.. ‬ولا‭ ‬مدخرات‭ ‬آمنة‭ ‬لـ70‭%‬‭ ‬من‭ ‬الأسر‭ ‬في‭ ‬البحرين

ارتفاع‭ ‬معدل‭ ‬الدخل‭ ‬وغياب‭ ‬الضرائب‭ ‬تحول‭ ‬إلى‭ ‬سلوك‭ ‬إنفاقي‭ ‬وليس‭ ‬مدخرات‭ ‬شخصية


قد‭ ‬يبدو‭ ‬للوهلة‭ ‬الأولى‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬علاقة‭ ‬طردية‭ ‬إيجابية‭ ‬بين‭ ‬ارتفاع‭ ‬معدل‭ ‬الدخل‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬مجتمع،‭ ‬وارتفاع‭ ‬معدلات‭ ‬الادخار‭ ‬الأسري،‭ ‬خاصة‭ ‬مع‭ ‬انخفاض‭ ‬معدلات‭ ‬الضرائب،‭ ‬وتقديم‭ ‬اغلب‭ ‬الخدمات‭ ‬بالمجان‭. ‬ولكن‭ ‬ربما‭ ‬يقول‭ ‬واقع‭ ‬المجتمعات‭ ‬الخليجية‭ ‬العكس‭. ‬فعلى‭ ‬الرغم‭ ‬مما‭ ‬تتمتع‭ ‬به‭ ‬دول‭ ‬مجلس‭ ‬التعاون‭ ‬الخليجي‭ ‬من‭ ‬مستويات‭ ‬دخل‭ ‬مرتفعة‭ ‬وانخفاض‭ ‬الضرائب‭ ‬مقارنة‭ ‬بالعديد‭ ‬من‭ ‬دول‭ ‬العالم،‭ ‬ورغم‭ ‬أن‭ ‬اقتصادات‭ ‬الخليج‭ ‬تسجل‭ ‬معدلات‭ ‬ادخار‭ ‬وطنية‭ ‬مرتفعة‭ ‬بفضل‭ ‬الإيرادات‭ ‬النفطية‭ ‬ومدخرات‭ ‬الحكومات‭ ‬والشركات،‭ ‬فإن‭ ‬الادخار‭ ‬الأسري‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬يمثل‭ ‬تحدياً‭ ‬يثير‭ ‬الاهتمام‭. ‬ويعاني‭ ‬من‭ ‬ثقافة‭ ‬شبه‭ ‬غائبة‭ ‬عند‭ ‬نسبة‭ ‬كبيرة‭ ‬من‭ ‬الأسر‭. ‬وفي‭ ‬الوقت‭ ‬الذي‭ ‬تتمتع‭ ‬به‭ ‬دول‭ ‬مجلس‭ ‬التعاون‭ ‬الخليجي‭ ‬بتصنيف‭ ‬مرتفع‭ ‬في‭ ‬مؤشرات‭ ‬القوة‭ ‬الشرائية‭ ‬العالمية‭ ‬لعام‭ ‬2025‭ ‬وفقاً‭ ‬لمؤشر‭ ‬Numbeo‭ ‬ومؤشرات‭ ‬البنك‭ ‬الدولي،‭ ‬فإن‭ ‬سلوك‭ ‬الادخار‭ ‬الفردي‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬يواجه‭ ‬فجوة‭ ‬واضحة‭ ‬مقارنة‭ ‬بالدخل‭.‬

الأرقام‭ ‬تتحدث

قد‭ ‬لا‭ ‬توجد‭ ‬احصائيات‭ ‬رسمية‭ ‬في‭ ‬دول‭ ‬المنطقة‭ ‬تشير‭ ‬صراحة‭ ‬إلى‭ ‬معدلات‭ ‬الادخار،‭ ‬ولكن‭ ‬ارقام‭ ‬الدراسات‭ ‬المتعلقة‭ ‬بهذا‭ ‬الجانب‭ ‬كفيلة‭ ‬بتقديم‭ ‬صورة‭ ‬واضحة‭ ‬عن‭ ‬المشكلة‭. ‬

فمثلا‭ ‬أظهر‭ ‬مؤشر‭ ‬الادخار‭ ‬الخليجي‭ ‬National‭ ‬Bonds‭ ‬GCC‭ ‬Savings‭ ‬Index‭ ‬أن‭ ‬‭%‬71‭ ‬من‭ ‬المشاركين‭ ‬في‭ ‬دراسة‭ ‬بدول‭ ‬الخليج‭ ‬أكدوا‭ ‬أن‭ ‬مدخراتهم‭ ‬أقل‭ ‬مما‭ ‬كانوا‭ ‬يخططون‭ ‬له،‭ ‬وغالبا‭ ‬ما‭ ‬تتراوح‭ ‬النسبة‭ ‬بين‭ ‬4و6‭%‬‭. ‬و‭%‬45‭ ‬من‭ ‬المدخرين‭ ‬يدخرون‭ ‬أقل‭ ‬من‭ ‬10‭%‬‭ ‬من‭ ‬دخلهم‭. ‬

ووفقاً‭ ‬لأحدث‭ ‬قراءات‭ ‬‮«‬مؤشر‭ ‬الصكوك‭ ‬الوطنية‭ ‬للادخار‮»‬‭ ‬الخاص‭ ‬بدول‭ ‬مجلس‭ ‬التعاون،‭ ‬أقر‭ ‬حوالي‭ ‬74‭%‬‭ ‬من‭ ‬المواطنين‭ ‬والمقيمين‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬السعودية‭ ‬والكويت‭ ‬وقطر‭ ‬وعمان‭ ‬بأنهم‭ ‬لا‭ ‬يدخرون‭ ‬بشكل‭ ‬منتظم‭.‬

ويعتبر‭ ‬92‭%‬‭ ‬من‭ ‬الأفراد‭ ‬في‭ ‬السعودية‭ ‬مدخراتهم‭ ‬الحالية‭ ‬‮»‬غير‭ ‬كافية‭ ‬للمستقبل‮«‬‭. ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬أكده‭ ‬‭%‬91‭ ‬في‭ ‬الكويت،‭ ‬و‭%‬88‭ ‬في‭ ‬البحرين،‭ ‬و‭%‬87‭ ‬في‭ ‬الإمارات،‭ ‬و‭%‬85‭ ‬في‭ ‬عمان‭.‬

في‭ ‬البحرين،‭ ‬ووفقا‭ ‬لبيانات‭ ‬نشرها‭ ‬صندوق‭ ‬النقد‭ ‬العربي‭ ‬بعنوان‭ ‬الادخار‭ ‬والتخطيط‭ ‬للتقاعد‭ ‬في‭ ‬البحرين،‭ ‬فإن‭ ‬حوالي‭ ‬34‭%‬‭ ‬من‭ ‬الأفراد‭ ‬لا‭ ‬يدخرون‭ ‬أي‭ ‬مبالغ‭ ‬إطلاقًا‭. ‬و36‭%‬‭ ‬يدخرون‭ ‬أحيانًا‭ ‬فقط،‭ ‬ما‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬ثلثي‭ ‬المجتمع‭ (‬70‭%‬‭) ‬إما‭ ‬لا‭ ‬يدخر‭ ‬أو‭ ‬يدخر‭ ‬بشكل‭ ‬غير‭ ‬منتظم‭. ‬مع‭ ‬التأكيد‭ ‬على‭ ‬عدم‭ ‬وجود‭ ‬خطة‭ ‬مالية‭ ‬واضحة‭ ‬للأسرة‭.‬

ووفقاً‭ ‬لبيانات‭ ‬هيئة‭ ‬المعلومات‭ ‬والحكومة‭ ‬الإلكترونية‭ ‬حول‭ ‬أنماط‭ ‬إنفاق‭ ‬الأسر‭ ‬البحرينية،‭ ‬فإن‭ ‬النسبة‭ ‬الكبرى‭ ‬من‭ ‬دخل‭ ‬الأسرة‭ ‬البحرينية‭ ‬تذهب‭ ‬لتغطية‭ ‬ثلاثة‭ ‬قطاعات‭ ‬رئيسية‭ :‬السكن‭ ‬ومستلزماته،‭ ‬النقل‭ ‬والمواصلات،‭ ‬ثم‭ ‬الأغذية‭ ‬والمشروبات‭. ‬في‭ ‬حين‭ ‬تظهر‭ ‬المسوح‭ ‬التحليلية‭ ‬أن‭ ‬هامش‭ ‬الادخار‭ ‬الصافي‭ ‬لدى‭ ‬الأسر‭ ‬المتوسطة‭ ‬يقع‭ ‬في‭ ‬مستويات‭ ‬تتراوح‭ ‬بين‭ ‬5‭%‬‭ ‬و10‭%‬‭ ‬فقط‭ ‬من‭ ‬إجمالي‭ ‬الدخل‭ ‬الشهري‭. ‬وتتصف‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الفئات‭ ‬بمعدل‭ ‬‮«‬ادخار‭ ‬صفري‮»‬‭ ‬أو‭ ‬سالب‭ ‬بسبب‭ ‬الاعتماد‭ ‬المفرط‭ ‬على‭ ‬التمويلات‭ ‬الاستهلاكية‭.‬

مقارنة

عند‭ ‬مقارنة‭ ‬هذه‭ ‬النسب‭ ‬مع‭ ‬دول‭ ‬أخرى‭ ‬خاصة‭ ‬المتقدمة،‭ ‬نجد‭ ‬أن‭ ‬الادخار‭ ‬يمثل‭ ‬ثقافة‭ ‬أساسية‭ ‬لدى‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الأسر‭ ‬هناك،‭ ‬ويعد‭ ‬جزءاً‭ ‬أساسياً‭ ‬من‭ ‬الميزانية‭ ‬الشهرية،‭ ‬لذلك‭ ‬تتجاوز‭ ‬معدلات‭ ‬الادخار‭ ‬الأسري‭ ‬15‭%‬‭ ‬في‭ ‬عدة‭ ‬دول‭ ‬أوروبية،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬تبين‭ ‬الأرقام‭ ‬الخليجية‭ ‬كما‭ ‬أشرنا‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬النسبة‭ ‬تقل‭ ‬عن‭ ‬10‭%‬،‭ ‬وتتراوح‭ ‬بين‭ ‬4‭-‬6‭%‬،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬أن‭ ‬نسبة‭ ‬كبيرة‭ ‬من‭ ‬الأسر‭ ‬والأفراد‭ ‬لا‭ ‬يدخرون‭ ‬شيئاً‭.‬

وتكشف‭ ‬البيانات‭ ‬الأوروبية‭ ‬عن‭ ‬مستويات‭ ‬مرتفعة‭ ‬نسبياً‭ ‬للادخار‭ ‬الأسري‭ ‬بمتوسط‭ ‬14.4‭%‬‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬اليورو‭ ‬باعتباره‭ ‬سلوكا‭ ‬مؤسسيا‭ ‬ثابتا‭ ‬وصارما‭ ‬لدى‭ ‬الأسر‭ ‬الأوروبية‭. ‬

ووفقا‭ ‬للمكتب‭ ‬الإحصائي‭ ‬للاتحاد‭ ‬الأوروبي،‭ ‬ونشرات‭ ‬Eurostat‭ ‬الرسمية،‭ ‬تدخر‭ ‬الأسر‭ ‬الألمانية‭ ‬نحو‭ ‬19‭.‬2‭%‬‭ ‬من‭ ‬دخلها‭ ‬المتاح،‭ ‬وتبلغ‭ ‬النسبة‭ ‬17.5‭%‬‭ ‬في‭ ‬فرنسا‭ ‬و17‭.‬2‭%‬‭ ‬في‭ ‬هولندا،‭ ‬وفي‭ ‬السويد‭ ‬16‭.‬3‭%‬،‭ ‬وفي‭ ‬النمسا‭ ‬17‭%‬‭. ‬

وتبرز‭ ‬هذه‭ ‬الأرقام‭ ‬الفجوة‭ ‬مع‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬دول‭ ‬الخليج،‭ ‬حيث‭ ‬تشير‭ ‬الدراسات‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الشريحة‭ ‬الأكبر‭ ‬تدخر‭ ‬أقل‭ ‬من‭ ‬10‭%‬‭ ‬من‭ ‬دخلها‭ ‬الشهري‭ ‬او‭ ‬لا‭ ‬تدخر‭ ‬شيئا،‭ ‬رغم‭ ‬ارتفاع‭ ‬مستويات‭ ‬الدخل‭. ‬وبالتالي‭ ‬فإن‭ ‬هذه‭ ‬الأرقام‭ ‬تثبت‭ ‬أن‭ ‬ارتفاع‭ ‬معدل‭ ‬الدخل‭ ‬وغياب‭ ‬ضرائب‭ ‬الدخل‭ ‬في‭ ‬الخليج‭ ‬لم‭ ‬يتحول‭ ‬إلى‭ ‬مدخرات‭ ‬شخصية،‭ ‬بل‭ ‬تحول‭ ‬بالكامل‭ ‬إلى‭ ‬قوة‭ ‬شرائية‭ ‬غذت‭ ‬نمط‭ ‬الاستهلاك‭ ‬السائدة‭. ‬في‭ ‬حين‭ ‬أن‭ ‬الأسرة‭ ‬الأوروبية‭ ‬التي‭ ‬تعاني‭ ‬من‭ ‬وطأة‭ ‬الضرائب‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬اقتطاع‭ ‬نسبة‭ ‬لا‭ ‬بأس‭ ‬بها‭ ‬من‭ ‬الدخل‭ ‬بسبب‭ ‬ثقافة‭ ‬التحوط‭ ‬وإدارة‭ ‬الميزانيات‭ ‬الصارمة‭.‬

وهو‭ ‬ما‭ ‬يثير‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬التساؤلات‭ ‬حول‭ ‬مقارنة‭ ‬المنظومات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والثقافية‭ ‬بين‭ ‬الجانبين‭. ‬

لماذا‭ ‬الفشل؟

أمام‭ ‬ما‭ ‬سبق‭ ‬من‭ ‬أرقام،‭ ‬يبرز‭ ‬السؤال‭ ‬الأهم‭: ‬ما‭ ‬العوامل‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬وحتى‭ ‬النفسية‭ ‬التي‭ ‬تجعل‭ ‬من‭ ‬الادخار‭ ‬ثقافة‭ ‬شبه‭ ‬غائبة‭ ‬لدى‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الأسر‭ ‬في‭ ‬مجتمعاتنا؟‭ ‬ولماذا‭ ‬تفشل‭ ‬نسبة‭ ‬كبيرة‭ ‬من‭ ‬الناس‭ ‬في‭ ‬الادخار؟

في‭ ‬الواقع،‭ ‬يعتبر‭ ‬الاقتصاديون‭ (‬فشل‭ ‬الأسر‭ ‬في‭ ‬الادخار‭) ‬في‭ ‬البيئة‭ ‬الخليجية‭ ‬لا‭ ‬يرتبط‭ ‬فقط‭ ‬بمعدل‭ ‬الدخل،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬مزيج‭ ‬معقد‭ ‬من‭ ‬التحديات‭. ‬ويمكن‭ ‬تقسيم‭ ‬ذلك‭ ‬إلى‭ ‬عدة‭ ‬عوامل‭:‬

1-‭ ‬سيكولوجية‭ ‬الإنفاق‭ ‬السائدة‭.‬

أو‭ ‬ما‭ ‬يسميه‭ ‬البعض‭ ‬تأثير‭ ‬الفوموFOMO‭. ‬فالعيش‭ ‬في‭ ‬مجتمعات‭ ‬ذات‭ ‬مستويات‭ ‬رفاهية‭ ‬عالية‭ ‬يفرض‭ ‬ضغطاً‭ ‬اجتماعياً‭ ‬على‭ ‬الأسر‭ ‬رغبة‭ ‬في‭ ‬مجاراة‭ ‬الآخرين‭. ‬يضاف‭ ‬الى‭ ‬ذلك‭ ‬الضغوط‭ ‬الاجتماعية‭ ‬مثل‭ ‬تكاليف‭ ‬المناسبات‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والأعراس‭ ‬والمبالغة‭ ‬في‭ ‬الهدايا‭ ‬والولائم‭ ‬والسعي‭ ‬للحفاظ‭ ‬على‭ ‬صورة‭ ‬اجتماعية‭ ‬معينة‭. ‬

ثم‭ ‬يأتي‭ ‬فخ‭ ‬نمط‭ ‬الحياة‭ ‬المرتفع‭ (‬Lifestyle‭ ‬Creep‭) ‬فكلما‭ ‬ارتفع‭ ‬دخل‭ ‬الأسرة‭ ‬سارعت‭ ‬تلقائياً‭ ‬إلى‭ ‬ترقية‭ ‬نمط‭ ‬حياتها‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬توجيه‭ ‬الزيادة‭ ‬للادخار‭. ‬وكل‭ ‬ذلك‭ ‬يقود‭ ‬إلى‭ ‬التوسع‭ ‬في‭ ‬الإنفاق‭ ‬على‭ ‬الكماليات‭ ‬والترفيه‭ ‬والسفر‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬الادخار‭.‬

لذلك‭ ‬فإن‭ ‬نمط‭ ‬الاستهلاك‭ ‬في‭ ‬الخليج‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬مقتصرا‭ ‬على‭ ‬تلبية‭ ‬الاحتياجات‭ ‬الأساسية،‭ ‬بل‭ ‬تحول‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الأحيان‭ ‬إلى‭ ‬استهلاك‭ ‬تفاخري‭ ‬لإثبات‭ ‬المكانة‭ ‬الاجتماعية‭.‬

ومع‭ ‬تبدل‭ ‬الوعي‭ ‬بالاحتياجات،‭ ‬انتقلت‭ ‬الأسر‭ ‬من‭ ‬مرحلة‭ ‬تلبية‭ ‬‮«‬الحاجات‮»‬‭ ‬إلى‭ ‬مرحلة‭ ‬ملاحقة‭ ‬‮«‬الرغبات‭ ‬والكماليات‮»‬‭. ‬

2-‭ ‬الضغوط‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والتضخم‭.‬

التضخم‭ ‬من‭ ‬أهم‭ ‬العوامل‭ ‬التي‭ ‬تؤثر‭ ‬سلباً‭ ‬على‭ ‬الادخار‭ ‬الأسري‭ ‬لأنه‭ ‬يقلل‭ ‬من‭ ‬القوة‭ ‬الشرائية‭ ‬للأموال‭ ‬ويزيد‭ ‬الضغوط‭ ‬على‭ ‬ميزانية‭ ‬الأسرة‭. ‬فالنمو‭ ‬الاقتصادي‭ ‬السريع‭ ‬في‭ ‬المدن‭ ‬الخليجية‭ ‬صاحبه‭ ‬ارتفاع‭ ‬حاد‭ ‬في‭ ‬الأصول‭ ‬الثابتة‭ ‬التي‭ ‬تحتاج‭ ‬اليها‭ ‬الأسرة،‭ ‬وهو‭ ‬التضخم‭ ‬الصامت‭. ‬لذلك‭ ‬تعاني‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الأسر‭ ‬من‭ ‬زيادة‭ ‬أسعار‭ ‬السكن‭ ‬والطعام‭ ‬والتعليم‭ ‬والخدمات‭ ‬يقابله‭ ‬تآكل‭ ‬القدرة‭ ‬الشرائية‭ ‬للدخل‭ ‬بمرور‭ ‬الوقت،‭ ‬وانخفاض‭ ‬المبلغ‭ ‬المتبقي‭ ‬للادخار‭ ‬بعد‭ ‬تغطية‭ ‬النفقات‭ ‬الأساسية‭. ‬

وأكثر‭ ‬الفئات‭ ‬تضررا‭ ‬في‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬الادخار‭ ‬بسبب‭ ‬التضخم‭ ‬هو‭ ‬الأسر‭ ‬متوسطة‭ ‬ومحدودة‭ ‬الدخل‭ ‬لأن‭ ‬معظم‭ ‬دخلها‭ ‬يذهب‭ ‬للاحتياجات‭ ‬الأساسية‭. ‬

وهناك‭ ‬جانب‭ ‬نفسي‭ ‬أيضا،‭ ‬فالتضخم‭ ‬المستمر‭ ‬يدفع‭ ‬إلى‭ ‬الشعور‭ ‬بأن‭ ‬الادخار‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬مجدياً‭ ‬لأن‭ ‬قيمة‭ ‬المال‭ ‬تتراجع‭ ‬خصوصاً‭ ‬عندما‭ ‬تكون‭ ‬عوائد‭ ‬الادخار‭ ‬أقل‭ ‬من‭ ‬معدل‭ ‬التضخم‭. ‬

3-‭ ‬سهولة‭ ‬الغرق‭ ‬في‭ ‬‮«‬مستنقع‭ ‬الائتمان‭. ‬

فأمام‭ ‬ارتفاع‭ ‬تكاليف‭ ‬الحياة،‭ ‬هناك‭ ‬تنافس‭ ‬شديد‭ ‬بين‭ ‬البنوك‭ ‬لتقديم‭ ‬القروض‭ ‬الشخصية‭ ‬والتمويلات‭ ‬الاستهلاكية‭ ‬وبطاقات‭ ‬الائتمان،‭ ‬وصولاً‭ ‬إلى‭ ‬خدمات‭ ‬‮«‬اشترِ‭ ‬الآن‭ ‬وادفع‭ ‬لاحقاً‮»‬‭(‬BNPL‭)  ‬جعل‭ ‬الاستدانة‭ ‬يسيرة،‭ ‬لتجد‭ ‬الأسر‭ ‬نفسها‭ ‬غارقة‭ ‬في‭ ‬دفع‭ ‬أقساط‭ ‬شهرية‭ ‬تلتهم‭ ‬40‭%‬‭ ‬إلى‭ ‬50‭%‬‭ ‬من‭ ‬الدخل،‭ ‬مما‭ ‬يعدم‭ ‬فرصة‭ ‬الادخار‭.‬

وبالتالي،‭ ‬اقتصاديا‭ ‬هناك‭ ‬علاقة‭ ‬طردية‭ ‬ومباشرة‭. ‬بمعنى‭ ‬كلما‭ ‬زادت‭ ‬سهولة‭ ‬الحصول‭ ‬على‭ ‬القروض‭ ‬والتمويل‭ ‬ضعفت‭ ‬قدرة‭ ‬الأسر‭ ‬على‭ ‬الادخار،‭ ‬وتتحول‭ ‬هذه‭ ‬العلاقة‭ ‬في‭ ‬البيئة‭ ‬الخليجية‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬يشبه‭ ‬‮«‬الاستنزاف‭ ‬المنظم‮»‬‭ ‬للدخل‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬منح‭ ‬الأفراد‭ ‬‮«‬قوة‭ ‬شرائية‭ ‬وهمية‮»‬‭ ‬تشجع‭ ‬على‭ ‬اتخاذ‭ ‬قرارات‭ ‬استهلاكية‭ ‬اندفاعية‭ ‬وغير‭ ‬مؤجلة‭ ‬لسلع‭ ‬كمالية‭ ‬أو‭ ‬تفاخرية،‭ ‬ومن‭ ‬خلال‭ ‬‮«‬مأسسة‭ ‬الدخل‭ ‬المستقبلي‮»‬‭ ‬عبر‭ ‬نظام‭ ‬الأقساط‭ ‬الثابتة‭.‬

4-‭ ‬الثقافة‭ ‬المالية‭ ‬الخاطئة‭.‬

مثل‭ ‬غياب‭ ‬‮«‬التخطيط‭ ‬المالي‮»‬‭ ‬ونمط‭ ‬الثقافة‭ ‬الاستهلاكية،‭ ‬مع‭ ‬التركيز‭ ‬على‭ ‬الحاضر‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬التخطيط‭ ‬للمستقبل‭. ‬فمثلا‭ ‬أغلب‭ ‬الأسر‭ ‬الخليجية‭ ‬والعربية‭ ‬تدير‭ ‬أمورها‭ ‬المالية‭ ‬بالتقدير‭ ‬وعفوية‭ ‬أو‭ ‬‮«‬بالبركة‮»‬‭ ‬كما‭ ‬يقال،‭ ‬مع‭ ‬غياب‭ ‬ميزانية‭ ‬مكتوبة‭ ‬أو‭ ‬صندوق‭ ‬طوارئ‭. ‬

ويصف‭ ‬الاقتصاديون‭ ‬كلا‭ ‬من‭ ‬نمط‭ ‬الاستهلاك‭ ‬وغياب‭ ‬التخطيط،‭ ‬وتأثير‭ ‬العروض‭ ‬البنكية‭ ‬بأنها‭ ‬دائرة‭ ‬مغلقة‭ ‬أو‭ ‬تحالف‭ ‬ثلاثي‭ ‬يحاصر‭ ‬دخل‭ ‬الأسرة‭ ‬الخليجية‭ ‬ويمنعها‭ ‬من‭ ‬الادخار‭.‬

فمع‭ ‬تحول‭ ‬نمط‭ ‬الاستهلاك‭ ‬الى‭ ‬تفاخري‭ ‬مبالغ‭ ‬به،‭ ‬ومع‭ ‬غياب‭ ‬التخطيط‭ ‬المالي‭ ‬والميزانية‭ ‬الصارمة‭ ‬وعدم‭ ‬تحديد‭ ‬سقف‭ ‬للإنفاق،‭ ‬وغياب‭ ‬آلية‭ ‬تتبع‭ ‬المصاريف‭ ‬الكبيرة‭ ‬والصغيرة،‭ ‬يتمدد‭ ‬الاستهلاك‭ ‬التفاخري‭ ‬بلا‭ ‬كوابح،‭ ‬ثم‭ ‬تبتلع‭ ‬الأسرة‭ ‬‮«‬طعم‮»‬‭ ‬العروض‭ ‬البنكية‭ ‬الجاذبة‭ ‬لتجد‭ ‬نفسها‭ ‬محاصرة‭ ‬بأقساط‭ ‬وفوائد‭ ‬مركبة‭ ‬تلتهم‭ ‬مستقبلاً‭ ‬أي‭ ‬فرصة‭ ‬للادخار‭.‬

5-‭ ‬غياب‭ ‬الأهداف‭ ‬المالية‭ ‬الواضحة‭. ‬

ومثال‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬الأسر‭ ‬التي‭ ‬تدخر‭ ‬لهدف‭ ‬محدد‭ ‬مثل‭ ‬شراء‭ ‬عقار‭ ‬او‭ ‬تعليم‭ ‬أبنائها‭ ‬في‭ ‬مدارس‭ ‬خاصة‭ ‬تكون‭ ‬أكثر‭ ‬توجها‭ ‬للادخار‭. ‬في‭ ‬حين‭ ‬أن‭ ‬عدم‭ ‬وجود‭ ‬هدف‭ ‬يجعل‭ ‬الادخار‭ ‬يبدو‭ ‬وكأنه‭ ‬مجرد‭ ‬عبء‭.‬

6-‭ ‬استقرار‭ ‬الدخل‭ ‬ونمط‭ ‬التصور‭ ‬بأن‭ ‬الوظيفة‭ ‬والراتب‭ ‬مستمر‭. ‬

وهذا‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬التركيز‭ ‬على‭ ‬الاستعداد‭ ‬للطوارئ‭ ‬والادخار‭ ‬أمرا‭ ‬ثانويا‭. ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يسمى‭ ‬في‭ ‬الاقتصاد‭ ‬بفرضية‭ ‬الدخل‭ ‬الدائم‭ (‬Permanent‭ ‬Income‭ ‬Hypothesis‭)‬،‭ ‬فعندما‭ ‬عندما‭ ‬يشعر‭ ‬المستهلك‭ ‬بأن‭ ‬دخله‭ ‬المرتفع‭ ‬هو‭ ‬‮«‬دخل‭ ‬دائم‭ ‬ومستقر‮»‬‭ ‬يقل‭ ‬لديه‭ ‬حافز‭ ‬‮«‬الادخار‭ ‬للمستقبل‮»‬‭ ‬أو‭ ‬التحوط‭ ‬للحالات‭ ‬الطارئة‭. ‬والنتيجة‭ ‬هي‭ ‬اندفاع‭ ‬الأفراد‭ ‬نحو‭ ‬إنفاق‭ ‬الدخل‭ ‬الحالي‭ ‬بالكامل،‭ ‬والاعتماد‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬التدفقات‭ ‬المالية‭ ‬القادمة‭ ‬مضمونة،‭ ‬مما‭ ‬يرسخ‭ ‬النزعة‭ ‬الاستهلاكية‭.‬

7-‭ ‬ضعف‭ ‬ثقافة‭ ‬الادخار‭. ‬

يُعد‭ ‬ضعف‭ ‬الثقافة‭ ‬المالية‭ ‬ونقص‭ ‬المهارات‭ ‬التي‭ ‬تساعد‭ ‬على‭ ‬إدارة‭ ‬الأموال‭ ‬بطريقة‭ ‬سليمة‭ ‬أحد‭ ‬أبرز‭ ‬العوامل‭ ‬المؤثرة‭ ‬في‭ ‬تراجع‭ ‬معدلات‭ ‬الادخار‭ ‬الأسري‭ ‬بالمنطقة،‭ ‬إذ‭ ‬يفتقر‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الأفراد‭ ‬إلى‭ ‬المعرفة‭ ‬اللازمة‭ ‬لإدارة‭ ‬دخلهم‭ ‬ووضع‭ ‬خطط‭ ‬مالية‭ ‬طويلة‭ ‬الأجل‭. ‬ويظهر‭ ‬ذلك‭ ‬في‭ ‬غياب‭ ‬الميزانيات‭ ‬الأسرية،‭ ‬وضعف‭ ‬الوعي‭ ‬بأهمية‭ ‬الادخار‭ ‬المنتظم،‭ ‬والاعتماد‭ ‬المتزايد‭ ‬على‭ ‬القروض‭ ‬والتمويل‭ ‬الاستهلاكي‭. ‬بمعنى‭ ‬أنه‭ ‬لا‭ ‬توجد‭ ‬ثقافة‭ ‬جماعية‭ ‬تشجع‭ ‬على‭ ‬الادخار‭ ‬مثلما‭ ‬هو‭ ‬الحال‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الدول‭ ‬الأخرى‭. ‬لذلك‭ ‬ينشأ‭ ‬الأبناء‭ ‬في‭ ‬أسرة‭ ‬تغيب‭ ‬عنها‭ ‬هذه‭ ‬الثقافة،‭ ‬وهم‭ ‬يتوارثون‭ ‬هذا‭ ‬الغياب‭. ‬لذلك‭ ‬يشدد‭ ‬المختصون‭ ‬على‭ ‬أهمية‭ ‬تعزيز‭ ‬الثقافة‭ ‬المالية‭ ‬بدءاً‭ ‬من‭ ‬المدارس‭ ‬والجامعات‭ ‬وصولاً‭ ‬إلى‭ ‬برامج‭ ‬التوعية‭ ‬المجتمعية‭.‬

8-‭ ‬ارتفاع‭ ‬نسبة‭ ‬الشباب‭. ‬

فالشباب‭ ‬في‭ ‬بداية‭ ‬حياتهم‭ ‬يميلون‭ ‬غالباً‭ ‬إلى‭ ‬المظاهر‭ ‬وشراء‭ ‬السيارات‭ ‬واقتناء‭ ‬التقنيات‭ ‬الحديثة‭ ‬وغيرها‭. ‬ويكون‭ ‬الاهتمام‭ ‬بالادخار‭ ‬والتقاعد‭ ‬أقل‭ ‬مقارنة‭ ‬بالفئات‭ ‬الأكبر‭ ‬سناً‭. ‬وفي‭ ‬العادة‭ ‬تعاني‭ ‬هذه‭ ‬الفئة‭ ‬من‭ ‬محدودية‭ ‬الدخل‭ ‬في‭ ‬بداية‭ ‬المسار‭ ‬الوظيفي،‭ ‬وكثير‭ ‬من‭ ‬الشباب‭ ‬ينظرون‭ ‬إلى‭ ‬التقاعد‭ ‬أو‭ ‬الاحتياجات‭ ‬المستقبلية‭ ‬على‭ ‬أنها‭ ‬أمور‭ ‬بعيدة،‭ ‬وبالتالي‭ ‬لا‭ ‬يعطون‭ ‬الادخار‭ ‬أولوية‭ ‬كبيرة‭ ‬في‭ ‬السنوات‭ ‬الأولى‭ ‬من‭ ‬العمل‭.‬

9-‭ ‬وسائل‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي‭ ‬وتسويق‭ ‬الوهم‭.‬

تشير‭ ‬الدراسات‭ ‬المعنية‭ ‬بسيكولوجية‭ ‬المستهلك‭ ‬في‭ ‬الخليج‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬منصات‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي‭ ‬هي‭ ‬المحرك‭ ‬الأول‭ ‬لما‭ ‬نسبته‭ ‬‭%‬80‭ ‬من‭ ‬قرارات‭ ‬الشراء‭ ‬العاطفية‭ ‬وغير‭ ‬المخطط‭ ‬لها‭ ‬لدى‭ ‬الأسر‭.‬

وبنفس‭ ‬الوقت،‭ ‬‭%‬68‭ ‬من‭ ‬جيل‭ ‬الشباب‭ ‬والأسر‭ ‬الشابة‭ ‬في‭ ‬الخليج‭ ‬يقرون‭ ‬بأن‭ ‬رغبتهم‭ ‬في‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬مظهر‭ ‬اجتماعي‭ ‬معين‭ ‬يواكب‭ ‬ما‭ ‬يتم‭ ‬عرضه‭ ‬على‭ ‬منصات‭ ‬التواصل‭ ‬هي‭ ‬السبب‭ ‬المباشر‭ ‬وراء‭ ‬نفاد‭ ‬رواتبهم‭ ‬قبل‭ ‬نهاية‭ ‬الشهر،‭ ‬وعجزهم‭ ‬عن‭ ‬اقتطاع‭ ‬أي‭ ‬نسبة‭ ‬للادخار‭. ‬يضاف‭ ‬الى‭ ‬ذلك،‭ ‬أن‭ ‬62‭%‬‭ ‬من‭ ‬الإنفاق‭ ‬على‭ ‬المطاعم‭ ‬الفاخرة،‭ ‬والمقاهي‭ ‬المتخصصة،‭ ‬والفنادق،‭ ‬والمناسبات‭ ‬الاجتماعية‭ ‬يأتي‭ ‬مدفوعاً‭ ‬برغبة‭ ‬المستهلك‭ ‬في‭ ‬توثيق‭ ‬تلك‭ ‬التجارب‭ ‬ونشرها‭ ‬رقمياً‭.‬

وتشير‭ ‬مسوح‭ ‬ميدانية‭ ‬حول‭ ‬التجارة‭ ‬الإلكترونية‭ ‬في‭ ‬البيئة‭ ‬الخليجية‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الإعلانات‭ ‬المباشرة‭ ‬للمؤثرين‭ ‬عبر‭ ‬وسائل‭ ‬التواصل‭ ‬تسببت‭ ‬في‭ ‬رفع‭ ‬معدلات‭ ‬الشراء‭ ‬الفوري‭ ‬للسلع‭ ‬الكمالية‭ ‬بنسبة‭ ‬‭%‬45‭ ‬خلال‭ ‬الأعوام‭ ‬الأخيرة‭.‬

كل‭ ‬ذلك‭ ‬يؤدي‭ ‬الى‭ ‬تحويل‭ ‬تدفقات‭ ‬نقدية‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬المفترض‭ ‬اعتبارها‭ ‬مدخرات‭ ‬أسرية‭ ‬أو‭ ‬استثمارات‭ ‬طويلة‭ ‬الأجل،‭ ‬إلى‭ ‬سيولة‭ ‬مستهلكة‭ ‬بالكامل‭ ‬لتمويل‭ ‬أسلوب‭ ‬حياة‭ ‬افتراضي‭.‬

10-‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬الدولة‭ ‬في‭ ‬توفير‭ ‬الخدمات‭ ‬والدعم‭.‬

تنامي‭ ‬دور‭ ‬الدولة‭ ‬في‭ ‬توفير‭ ‬الخدمات‭ ‬الأساسية‭ ‬والدعم‭ ‬الاجتماعي‭ ‬التاريخي‭ ‬في‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬أسهم‭ ‬ولو‭ ‬بشكل‭ ‬غير‭ ‬مباشر‭ ‬في‭ ‬تراجع‭ ‬التركيز‭ ‬على‭ ‬الادخار‭ ‬طويل‭ ‬الأجل،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يسمى‭ ‬في‭ ‬الاقتصاد‭ ‬بظاهرة‭ ‬‮«‬الأمان‭ ‬المالي‭ ‬المفرط‮»‬‭. ‬والسبب‭ ‬أن‭ ‬الفرد‭ ‬يشعر‭ ‬بأن‭ ‬احتياجاتهم‭ ‬الأساسية‭ ‬من‭ ‬صحة‭ ‬وتعليم‭ ‬وسكن‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تُغطى‭ ‬جزئياً‭ ‬عبر‭ ‬الدعم‭ ‬الحكومي،‭ ‬وهذا‭ ‬الأمان‭ ‬يقلل‭ ‬من‭ ‬الضغط‭ ‬النفسي‭ ‬وبالتالي‭ ‬يقلل‭ ‬من‭ ‬الدافع‭ ‬لتخصيص‭ ‬مدخرات‭ ‬طارئة‭ ‬أو‭ ‬طويلة‭ ‬الأجل‭. ‬في‭ ‬حين‭ ‬ان‭ ‬الافراد‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬يضطرون‭ ‬إلى‭ ‬اقتطاع‭ ‬نسب‭ ‬تصل‭ ‬إلى‭ ‬15‭%‬‭ ‬من‭ ‬دخولهم‭ ‬وادخارها‭ ‬قسرياً‭ ‬بدافع‭ ‬الخوف‭ ‬من‭ ‬تكاليف‭ ‬العلاج‭ ‬الطارئ‭ ‬أو‭ ‬تأمين‭ ‬رسوم‭ ‬المدارس‭ ‬والجامعات‭ ‬لأبنائهم،‭ ‬أو‭ ‬لضمان‭ ‬دفع‭ ‬إيجار‭ ‬مسكن‭ ‬عند‭ ‬الشيخوخة،‭ ‬وما‭ ‬يعزز‭ ‬ذلك‭ ‬هو‭ ‬العامل‭ ‬التاريخي‭. ‬فمثلا‭ ‬في‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الدول،‭ ‬ترسخت‭ ‬ثقافة‭ ‬الادخار‭ ‬بسبب‭ ‬تجارب‭ ‬الأزمات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬الحادة‭ ‬وضعف‭ ‬الدعم‭ ‬الحكومي‭ ‬وعدم‭ ‬استقرار‭ ‬الدخل‭. ‬أما‭ ‬في‭ ‬الخليج،‭ ‬فإن‭ ‬الاستقرار‭ ‬الاقتصادي‭ ‬التاريخي‭ ‬والدعم‭ ‬الحكومي‭ ‬وقت‭ ‬الازمات‭ ‬قلل‭ ‬من‭ ‬الدافع‭ ‬السلوكي‭ ‬للادخار‭ ‬الوقائي‭. ‬

وهذا‭ ‬الجانب‭ ‬يرتبط‭ ‬بما‭ ‬سبق‭ ‬الإشارة‭ ‬اليه‭ ‬حول‭ ‬ضعف‭ ‬الثقافة‭ ‬والتخطيط‭ ‬السليم‭ ‬في‭ ‬مجتمعات‭ ‬المنطقة‭. ‬

الادخار‭ ‬والاقتصاد

أمام‭ ‬هذا‭ ‬الغياب‭ ‬أو‭ ‬التراجع‭ ‬لثقافة‭ ‬الادخار‭ ‬بمجتمعات‭ ‬المنطقة،‭ ‬كيف‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يؤثر‭ ‬ذلك‭ ‬المجتمع‭ ‬وعلى‭ ‬الاقتصاد؟

في‭ ‬الواقع،‭ ‬ضعف‭ ‬الادخار‭ ‬الشخصي‭ ‬والأسري‭ ‬يمثل‭ ‬تحدياً‭ ‬يتجاوز‭ ‬حدود‭ ‬الميزانية‭ ‬الفردية،‭ ‬ليؤثر‭ ‬على‭ ‬الاسرة‭ ‬والمجتمع‭ ‬والاقتصاد‭ ‬الكلي‭. ‬

فعلى‭ ‬المستوى‭ ‬الاسرى،‭ ‬قد‭ ‬تواجه‭ ‬الاسرة‭ ‬وضعا‭ ‬صعبا‭ ‬عند‭ ‬الحالات‭ ‬الطارئة،‭ ‬وضعف‭ ‬المدخرات‭ ‬قد‭ ‬يعني‭ ‬تراجع‭ ‬الاستقرار‭ ‬المالي‭ ‬للأسر،‭ ‬ويجعلها‭ ‬أكثر‭ ‬تأثراً‭ ‬بالأزمات‭ ‬الاقتصادية،‭ ‬واقل‭ ‬قدرة‭ ‬على‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬الظروف،‭ ‬وبالتالي‭ ‬قد‭ ‬تلجأ‭ ‬إلى‭ ‬الاقتراض‭ ‬عند‭ ‬أول‭ ‬أزمة،‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬ينعكس‭ ‬على‭ ‬الاستقرار‭ ‬الاقتصادي‭ ‬لها‭. ‬وعندما‭ ‬يحل‭ ‬الاقتراض‭ ‬محل‭ ‬الادخار،‭ ‬ترتفع‭ ‬الديون‭ ‬الشخصية‭ ‬ويزداد‭ ‬عبء‭ ‬الأقساط‭ ‬على‭ ‬الأسر‭. ‬وتراكم‭ ‬الديون‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬ضغوط‭ ‬مالية‭ ‬ونفسية‭ ‬مستمرة،‭ ‬مع‭ ‬عدم‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬تأمين‭ ‬متطلبات‭ ‬أساسية‭ ‬مثل‭ ‬تعليم‭ ‬الأبناء‭ ‬وشراء‭ ‬منزل‭ ‬أو‭ ‬التقاعد‭ ‬بشكل‭ ‬مريح‭. ‬فضلا‭ ‬عن‭ ‬ان‭ ‬عدم‭ ‬وجود‭ ‬غطاء‭ ‬من‭ ‬المدخرات‭ ‬يجعل‭ ‬الاسرة‭ ‬تعاني‭ ‬من‭ ‬التوتر‭ ‬المستمر‭ ‬بسبب‭ ‬الأزمات‭ ‬المالية،‭ ‬والشعور‭ ‬بعدم‭ ‬الأمان‭ ‬الاقتصادي،‭ ‬الى‭ ‬جانب‭ ‬ما‭ ‬قد‭ ‬ينتج‭ ‬عن‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬خلافات‭ ‬أسرية‭ ‬حول‭ ‬المصاريف‭. ‬والمشكلة‭ ‬أن‭ ‬غياب‭ ‬هذه‭ ‬الثقافة‭ ‬في‭ ‬الأسرة‭ ‬غالبا‭ ‬ما‭ ‬يعني‭ ‬ضعف‭ ‬القيم‭ ‬المالية‭ ‬لدى‭ ‬الأبناء،‭ ‬ونشوء‭ ‬جيل‭ ‬يفتقر‭ ‬إلى‭ ‬ثقافة‭ ‬التخطيط‭ ‬المالي‭. ‬وبالتالي‭ ‬تستمر‭ ‬الحلقة‭ ‬السلبية‭ ‬عبر‭ ‬الأجيال،‭ ‬وتآكل‭ ‬الفرص‭ ‬المستقبلية،‭ ‬وتعاقب‭ ‬الوقوع‭ ‬في‭ ‬فخ‭ ‬الديون‭ ‬وسوء‭ ‬التخطيط‭.‬

وعلى‭ ‬مستوى‭ ‬المجتمع،‭ ‬يسهم‭ ‬غياب‭ ‬ثقافة‭ ‬الادخار‭ ‬إلى‭ ‬اتساع‭ ‬الفجوة‭ ‬بين‭ ‬الأغنياء‭ ‬والفقراء‭. ‬ويزيد‭ ‬من‭ ‬ارتفاع‭ ‬الأعباء‭ ‬على‭ ‬الدولة،‭ ‬حيث‭ ‬تضطر‭ ‬إلى‭ ‬زيادة‭ ‬الدعم‭ ‬وتوسيع‭ ‬برامج‭ ‬الرعاية‭ ‬الاجتماعية‭ ‬وبالتالي‭ ‬ارتفاع‭ ‬ضغط‭ ‬على‭ ‬الميزانية‭ ‬العامة‭.‬

ويمتد‭ ‬الأثر‭ ‬الى‭ ‬زيادة‭ ‬الأعباء‭ ‬على‭ ‬شبكات‭ ‬الأمان‭ ‬الاجتماعي‭ ‬عند‭ ‬الازمات‭ ‬مثل‭ ‬صناديق‭ ‬الدعم‭ ‬والجمعيات‭ ‬الخيرية‭.‬

وعلى‭ ‬المستوى‭ ‬الاقتصادي،‭ ‬يعتبر‭ ‬الادخار‭ ‬المحلي‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الاقتصادات‭ ‬وقودا‭ ‬ومصدرا‭ ‬يغذي‭ ‬الاستثمار‭ ‬المباشر،‭ ‬وهو‭ ‬المادة‭ ‬الخام‭ ‬للاستثمار‭ ‬والإنتاج‭. ‬وكلما‭ ‬زادت‭ ‬المدخرات‭ ‬زادت‭ ‬الاستثمارات‭ ‬وتوسعت‭ ‬الشركات‭ ‬وارتفع‭ ‬الإنتاج‭. ‬وبالمقابل،‭ ‬فإن‭ ‬تراجع‭ ‬هذا‭ ‬المنبع‭ ‬يُحدث‭ ‬خللاً‭ ‬في‭ ‬قنوات‭ ‬التمويل‭ ‬وتقليص‭ ‬قاعدة‭ ‬التمويل‭ ‬المتاحة‭ ‬للاستثمار‭ ‬داخل‭ ‬الاقتصاد‭ ‬وتراجع‭ ‬السيولة‭ ‬طويلة‭ ‬الأجل‭ ‬في‭ ‬القطاع‭ ‬المصرفي‭. ‬فمثلا‭ ‬تعتمد‭ ‬البنوك‭ ‬بشكل‭ ‬أساسي‭ ‬على‭ ‬الودائع‭ ‬والمدخرات‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬إعادة‭ ‬ضخها‭ ‬في‭ ‬الاقتصاد‭ ‬على‭ ‬شكل‭ ‬قروض‭ ‬سواء‭ ‬للأفراد‭ ‬او‭ ‬قروض‭ ‬استثمارية‭ ‬لمختلف‭ ‬القطاعات‭ ‬ومشاريع‭ ‬البنية‭ ‬التحتية‭ ‬والمشاريع‭ ‬الصغيرة‭ ‬والمتوسطة‭. ‬ومع‭ ‬انخفاض‭ ‬الادخار‭ ‬الأسري‭ ‬تتراجع‭ ‬قدرة‭ ‬القطاع‭ ‬الخاص‭ ‬على‭ ‬التوسع‭ ‬ويزيد‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬التمويل‭ ‬الخارجي‭ ‬أو‭ ‬الإنفاق‭ ‬الحكومي‭ ‬او‭ ‬الودائع‭ ‬الحكومية‭ ‬المرتبطة‭ ‬أساسا‭ ‬بتقلبات‭ ‬أسواق‭ ‬النفط‭. ‬وقد‭ ‬تضطر‭ ‬للجوء‭ ‬إلى‭ ‬الاستدانة‭ ‬والتمويل‭ ‬الخارجي‭.‬

ومن‭ ‬جانب‭ ‬آخر،‭ ‬تراجع‭ ‬المدخرات‭ ‬يعني‭ ‬ضعف‭ ‬مساهمة‭ ‬الأفراد‭ ‬في‭ ‬أسواق‭ ‬المال‭ ‬المحلية‭. ‬فالمدخرات‭ ‬الفردية‭ ‬المتراكمة‭ ‬تتحول‭ ‬عادة‭ ‬إلى‭ ‬استثمارات‭ ‬في‭ ‬أسهم‭ ‬الشركات‭ ‬الوطنية‭ ‬والسندات‭ ‬والصكوك‭ ‬الحكومية‭. ‬وغيابها‭ ‬قد‭ ‬يحرم‭ ‬السوق‭ ‬من‭ ‬شريحة‭ ‬عريضة‭ ‬من‭ ‬المستثمرين‭ ‬المحليين‭.‬

يصاحب‭ ‬ذلك‭ ‬احتمالية‭ ‬توجيه‭ ‬رأس‭ ‬المال‭ ‬الوطني‭ ‬نحو‭ ‬قطاعات‭ ‬غير‭ ‬إنتاجية‭. ‬فعندما‭ ‬يرتفع‭ ‬الإنفاق‭ ‬الاستهلاكي‭ ‬للأسر‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬الادخار،‭ ‬ينجذب‭ ‬المستثمرون‭ ‬والشركات‭ ‬تلقائياً‭ ‬للاستثمار‭ ‬في‭ ‬قطاعات‭ ‬مثل‭ ‬الخدمات‭ ‬والاستيراد‭ ‬وتجارة‭ ‬التجزئة‭ ‬والمجمعات‭ ‬التجارية‭ ‬لتلبية‭ ‬الطلب‭ ‬الاستهلاكي‭ ‬الضخم‭ ‬نظراً‭ ‬إلى‭ ‬سرعة‭ ‬دوران‭ ‬رأس‭ ‬المال‭ ‬فيها‭. ‬وهذا‭ ‬التوجه‭ ‬المشوه‭ ‬للاستثمار‭ ‬يحد‭ ‬من‭ ‬تركز‭ ‬رؤوس‭ ‬الأموال‭ ‬الوطنية‭ ‬في‭ ‬القطاعات‭ ‬الإنتاجية‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬مثل‭ ‬التصنيع‭ ‬والتكنولوجيا‭ ‬والابتكار‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا