تتمسك العائلات السورية في الأرياف بإحياء الطبخات التراثية خلال أيام العيد، كتقليد سنوي يهدف إلى تعزيز الأواصر الاجتماعية وتقوية الروابط بين الأجيال، بعيدًا عن نمط الوجبات السريعة والمطاعم الحديثة. وتتصدر أكلة «الهريسة»، المطبوخة من القمح المهروس في أجران حجر البازلت، قائمة الاحتفاء بالأكلات التراثية، حيث تطبخ في قِدر كبير، يكفي جميع أفراد العائلة من الأبناء والأحفاد. ويصر البعض، على طبخ وجبة الهريسة على نار الحطب، ويقولون إن نضجها ببطء فوق أغصان الأشجار اليابسة ينفخ فيها روح الطبيعة الأم، ويجعلها أشهى من الطهي على فرن الغاز. وتتطلب الهريسة خفقًا متواصلاً من قبل الطاهي، حتى «يشلّل» قوامها، بفعل اختلاط اللحم مع الحنطة، كما يزيدون نسبة الدهون المأخوذة غالبًا من الخراف الأضاحي الغضة والمذبوحة حديثاً. ولأن خفق الهريسة بالملعقة الكبيرة يتطلب جهداً، فإن من يتطوع للقيام بهذا العمل هم الرجال، إذ يتولى الأب إنضاجها بذات الخبرة التي ورثها عن أبيه عندما كان طفلاً. ويقول أبو وائل، وهو يقوم بإعداد «الهريسة»، في حديقة المنزل: «إنها أجمل اللحظات التي تجمع العائلة في العيد.. نجتمع لنحيي الماضي، ومع الأحفاد الذين سينقلون هذا التراث للمستقبل». وتضاف حبات من الحمّص إلى الهريسة، كي تعطيها نكهة إضافية، كما يضاف إليها بعد النضج الفلفل الأسود الحار، ويمكن أن يقدم بجانبها طبق من لبن الغنم الدسم، وأنواع من المخللات المصنوعة منزلياً. ويضيف أبو وائل لـ«إرم نيوز»: «هذا الطقس يعد ضروريًا كل عيد.. فالهريسة أكلة جماعية، لا يمكن تناولها إلا باجتماع جميع أفراد العائلة». ويمكن لمغرمي طبخة «الهريسة» تقديمها مع لحم الدجاج البلدي، أو لحم الخروف الغض، تبعًا للإمكانات المادية لكل عائلة، فالمهم في هذه المناسبة هو إشعال النار وإحياء الطقس، حتى لو كانت الإمكانات بسيطة.
الصفحة الأخيرة
الهريسة على الحطب.. عائلات ريف سوريا تتمسك بالأكلات الشعبية

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك