أكثر من 90 ألف طلب توصيل في البحرين يوميا.. ويرتفع العدد إلى 180 ألفا في الأعياد
دراسات: اقتصاد الراحة يزيد حجم السلة الشرائية ويضاعف الاستهلاك غير الضروري
إعداد: محمد الساعي
مع التطور التكنولوجي وتغير رتم ونمط الحياة، ظهر نوع جديد من الاقتصاد المختلف، وهو ما يعرف اقتصاديا بـ«اقتصاد الراحة» أو «اقتصاد الكسل» كما يحلو للبعض ان يطلق عليه. وهو اقتصاد جاء نتيجة للتحول الرقمي السريع وانتشار التطبيقات الذكية التي قلصت الحاجة الى التعامل المباشر بين طرفي العملية التجارية، وعوضت ذلك بإمكانية الحصول على السلعة بضغطة زر واحدة.
وهنا.. بدأت حكاية جديدة تغير فيها مفهوم الاستهلاك نفسه، حيث تجاوز كونه وسيلة لتلبية الحاجات، الى وسيلة للاسترخاء والاستمتاع مع ضمان أقصى درجات (السهولة والسرعة والراحة). وتدريجيا أصبح اقتصاد الراحة جزءًا رئيسيًا من الاقتصاد العالمي الحديث، بل بات مؤثرا حيويا في سلوك الأفراد وفي إعادة تشكيل أنماط العمل والإنتاج، مع خلق فرص اقتصادية جديدة.
اقتصاد الراحة
اقتصاد الراحة او «الكسل»، مصطلح حديث يصف سوقًا عالميًا متناميًا قائمًا على بيع الراحة وتوفير الوقت والجهد مقابل المال، وذلك من خلال خدمات مثل التوصيل الفوري، الأجهزة الذكية، والاشتراكات التي تختصر المهام اليومية. ما يعني انه يعتمد على أن المستهلكين يدفعون علاوة مالية للحصول على «سهولة» بدلاً من القيام بالعمل بأنفسهم.
وبالتالي يمثل تحوّلا اقتصاديا واجتماعيا يجعل الناس تميل إلى تقليل الجهد المبذول في الحياة اليومية حتى لو كان ذلك أغلى كلفة. ومثلا ذلك تطبيقات التوصيل والتسوق عبر المنصات الالكترونية واستخدام الذكاء الاصطناعي لإنجاز مهام كانت تحتاج وقتا وجهدا، مثل الكتابة أو الترجمة. وبالتالي بدل أن يشتري الشخص المنتج فقط، صار يشتري الوقت والسهولة.
ولكن من المهم هنا التفريق بين الكسل كصفة شخصية واقتصاد الكسل، فالكسل السلبي هو إحجام الفرد عن الإنجاز أو أداء مهامه أو تأجيلها رغم قدرته على إنجازها. في حين ان اقتصاد الراحة يمثل نموذجا اقتصاديا يقوم على بيع حلول تختصر الوقت والجهد، مع استغلال الشركات حاجة الناس الى السرعة والسهولة.
نشأة اقتصاد الكسل
تاريخيا.. نشأ اقتصاد الكسل أو اقتصاد الراحة تدريجيًا مع تغيّر سلوك المستهلك، لكنه تسارع بشكل واضح خلال السنوات الأخيرة، خصوصًا مع الرقمنة ومرحلة ما بعد الجائحة. وفي الأصل، بدأ من فكرة بسيطة مفادها أن الشركات لاحظت أن المستهلك مستعد للدفع أكثر إذا وفرت له الوقت والجهد. ولعل الظهور القوي له كان في الصين تحت اسم Lazy Economy 2.0. من هنا تحولت الراحة نفسها إلى سلعة، وظهرت نماذج أعمال كاملة هدفها اختصار خطوات الحياة اليومية، من شراء الطعام إلى إنجاز المعاملات. هذا النمو تسارع بشدة مع تطور التجارة الإلكترونية والهواتف الذكية والتقنيات الرقمية، حيث تحولت «غريزة الراحة» إلى سوق ضخم تدعمه التقنيات. ثم انتشر عالميًا بشكل متسارع. حيث غيرت التطبيقات الذكية وخدمات التوصيل سلوك المستهلكين بشكل كبير، وبدل الخروج والبحث، صارت الخدمة تأتي خلال دقائق. وبالتالي لم تكتف هذه التطبيقات ببيع المنتج، بل صارت تبيع السرعة والسهولة. ومما ساعد على انتشار هذا النوع من الاقتصاد:
- تغيّر نمط الحياة بعد الجائحة خاصة مع الإغلاقات التي دفعت للاعتماد على الطلب الإلكتروني. وكذلك العمل عن بُعد والخدمات الرقمية، حيث تغيّر مفهوم الاستهلاك وبات الشخص يقضي وقتًا أطول في البيت.
الأثر الاقتصادي
السؤال المهم هنا، كيف يؤثر اقتصاد الكسل على الاقتصاد الكلي؟
ربما الأرقام خير ما يوضح ذلك. فقد اثبت اقتصاد الراحة انه لم يعد مجرد نزعة استهلاكية، بل قطاع عالمي ضخم يقوده الطلب على الراحة والسرعة.
وبحسب تقرير Market Research Future (MRFR) لعام 2025، بلغت القيمة الإجمالية لسوق اقتصاد الراحة شاملا المتاجر والخدمات المريحة عالميًا، حوالي 2.7 تريليون دولار أمريكي، مع توقعات بالنمو إلى أكثر من 4.3 تريليونات دولار بحلول 2034 بمعدل نمو سنوي مركب يقارب 5.4%.
وقدر تقرير Statista إيرادات سوق الطلب الرقمي شاملا الوجبات والبقالة عالميًا بحوالي923 مليار دولار.
ووصل سوق خدمات التوصيل وحده إلى أكثر من 164 مليار دولار مع نمو سنوي يقارب 10%.
فيما تجاوزت قيمة الأجهزة المنزلية الذكية 30 مليار دولار. والخدمات الرقمية والترفيهية أكثر من 200 مليار دولار. وتجاوزت التجارة الإلكترونية المرتبطة بالراحة 100 مليار دولار.
فيما أشار تقرير Grand View Research إلى ان سوق توصيل الطعام الرقمي عالميًا بلغ 288.8 مليار دولار في 2024، ومن المتوقع ان يصل إلى 505.5 مليارات دولار بحلول 2030.
وفي خط مواز، ظهرت شركات متكاملة تقوم فكرتها على السرعة القصوى في التوصيل خلال دقائق، مع توفير تطبيقات تجمع الخدمة في ضغطة واحدة. ولم تعد المنافسة مقتصرة على السعر فقط، بل بات الزمن عاملا أساسيا.
وعلى الرغم من أن اقتصاد الراحة يبدو قائمًا على تقليل الجهد، فإنه خلق وظائف جديدة مثل مندوبو التوصيل وإدارة المخازن والدعم التقني والتسويق الرقمي ومطورو التطبيقات وخدمات اللوجستيات. وبالتالي فإن الراحة التي ينشدها المستهلك خلقت سلسلة تشغيل كبيرة لقطاعات أخرى، خصوصًا العمل المرن والمؤقت.
وكل ذلك ينعكس على تنشيط الاقتصاد الرقمي. فكل عملية طلب أو دفع أو اشتراك تمر عبر منصات إلكترونية، ما يزيد نشاط المدفوعات الرقمية وتحليل البيانات والإعلانات الإلكترونية والبنية التحتية التقنية. عمليًا، وبالتالي فإن اقتصاد الكسل ساعد على تسريع نمو الاقتصاد الرقمي لأن المستهلك بات يعتمد على الهاتف لإدارة جزء كبير من حياته اليومية.
في البحرين
تؤكد الاحصائيات في البحرين أن سوق توصيل الطلبات ينمو بشكل مطرد، حيث يبلغ المعدل اليومي لعدد الطلبات عبر شركات التوصيل بين 90 الفا و100 الف طلب يوميا. ويرتفع الرقم في نهاية الشهر عند تسلم الرواتب أو علاوة الغلاء إلى 150 ألف طلب. وفي الأعياد قد يصل الى 180 ألف طلب يوميا.
اما الوجه الآخر لاقتصاد الراحة وهو التسوق الالكتروني، فتشير الاحصائيات الى ان سوق التجارة الإلكترونية وحدها وصل الى نحو 1.23 مليار دولار في عام 2025، مع توقعات بالوصول إلى 2.83 مليار دولار بحلول عام 2030، ونسبة انتشار التسوق الإلكتروني تصل إلى حوالي %68 من السكان.
التأثير على المجتمع
اجتماعيا.. كان لاقتصاد الراحة تأثيرات واضحة، بعضها إيجابي وبعضها يحمل مخاطر إذا لم يتم التعامل معه بالطريقة الصحيحة. ومن هذه التأثيرات:
- تغيّر العادات اليومية ونمط الحياة، بحيث صار «الضغط على زر» بديلًا عن الخروج أو القيام بالمهام يدويًا.
- انخفاض الاعتماد على الإنجاز الشخصي كالطبخ والتنظيف والتسوق، مما يقلل من مهارات الاعتماد على الذات، ويجعل الراحة سلعة تُشترى.
- الاعتماد المفرط على الخدمات المريحة يقلل من الحركة اليومية، ما قد يؤدي إلى زيادة الوزن أو ضعف اللياقة البدنية. لكنه في المقابل، قد يقلل من التوتر النفسي الناتج عن ازدحام أو ضغط المهام.
- تعزيز الاتكالية.
ولكن لعل السؤال الذي لا يقل أهمية، هل يسهم اقتصاد الكسل في زيادة الاستهلاك غير الضروري؟
في الواقع نعم، فالدراسات تؤكد أن اقتصاد الكسل غالبًا ما يؤدي إلى زيادة الاستهلاك غير الضروري، لأنه يقوم على فكرة بيع الراحة والسهولة، وهذا يفتح الباب أمام سلوكيات استهلاكية قد لا تكون أساسية. ويحدث ذلك نتيجة سهولة الوصول، وتقليل الحاجز النفسي للشراء، حيث يشتري الفرد لأن ذلك متاح فورًا، وليس لأنه يحتاج اليه فعلاً.
وما يضاعف ذلك هو استغلال الشركات رغبة الناس في الراحة لتسويق منتجات ليست ضرورية، لكنها تُقدَّم كحل سريع. وهو ما يسمى (الشراء العفوي)، فالعروض والإشعارات والتوصيل السريع تخلق إحساسا بـ«لماذا لا؟»؛ وهذا يرفع الإنفاق على أشياء كان من الممكن تأجيلها أو الاستغناء عنها.
يضاف الى ذلك الإغراء بالوقت، حيث يبرر المستهلك لنفسه أن دفع المال مقابل توفير دقائق أو ساعات أمر منطقي، حتى لو لم يكن بحاجة فعلية إلى الخدمة.
والأسوأ من ذلك هو الإدمان او الاعتياد. فمع الوقت يصبح الاعتماد على هذه الخدمات عادة يومية، فيزيد الإنفاق على أشياء كان يمكن الاستغناء عنها.
وهذا ما تؤكده الدراسات التي أجريت، منها دراسة The Speed of Desire: How Q-Commerce Fuels Impulse Buying التي نشرت عام 2020، وبحثت تأثير التوصيل السريع مثل تطبيقات التوصيل الفوري على سلوك المستهلك.
وأكدت النتائج أن التجارة السريعة لا تغيّر فقط طريقة الشراء، بل تزيد حجم السلة الشرائية، كما أن سرعة التوصيل تزيد الشراء الاندفاعي بشكل واضح. وكلما كان الشراء أسهل وأسرع، قلّت «المقاومة النفسية» للشراء، وبالتالي يزيد الاستهلاك غير الضروري.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك