في لحظة تتقاطع فيها حدود الفن مع التكنولوجيا، وتعيد فيها الوسائط البصرية تعريف نفسها من جديد، تأتي دار Jaeger- LeCoultre لتقدّم فصلاً إبداعيًا جديدًا من خلال برنامجها الثقافي “ما أبدعته يد الصانع Made of Makers”، الذي لا يكتفي بالاحتفاء بالفنون التقليدية، بل يسعى إلى إعادة صياغتها ضمن رؤى معاصرة تتفاعل مع التحولات التقنية المتسارعة، وعلى رأسها الذكاء الاصطناعي.
ومع اقتراب عام 2026، الذي يصادف مرور قرنين على نشأة التصوير الفوتوغرافي، يبدو هذا الفن العريق أمام مرحلة مفصلية من تاريخه، حيث لم يعد مجرد أداة لتوثيق الواقع، بل مساحة مفتوحة لإعادة تخيله وإعادة بنائه. وفي هذا السياق، يجمع البرنامج بين المصوّر الإماراتي حسين الموسوي والفنانة الرقمية السعودية المتخصصة في تقنيات الذكاء الاصطناعي منى القويز، في تعاون فني يتجاوز حدود الصورة التقليدية نحو آفاق بصرية جديدة.
ينطلق هذا المشروع من فكرة بسيطة في ظاهرها عميقة في جوهرها: ماذا يحدث عندما تلتقي الذاكرة البصرية التي يلتقطها الإنسان بعدسة الكاميرا، مع الخيال المُعاد تشكيله عبر خوارزميات الذكاء الاصطناعي؟ هنا، يلتقط حسين الموسوي تفاصيل المشهد المعماري والحضري في المنطقة العربية، من خطوط العمارة التقليدية إلى الزخارف الدقيقة التي تحمل بصمات الهوية الثقافية، قبل أن تتدخل منى القويز لتعيد تفكيك هذه الصور وإعادة تركيبها داخل عوالم مستقبلية متخيلة، حيث تتداخل الأزمنة وتتحول المساحات إلى تجارب بصرية غامرة.
ولا يقتصر برنامج “Made of Makers” على كونه منصة تعاون فني، بل يمثل رؤية فكرية أوسع تنطلق من فلسفة دار جيجر-لوكولتر، التي لطالما عُرفت بقدرتها على المزج بين الدقة الحرفية والابتكار التقني. فكما تُبنى الساعات المعقدة داخل ورش الدار عبر تداخل عشرات التخصصات الدقيقة، يقوم البرنامج على فكرة الحوار بين الحِرف والفنون المختلفة، من التصوير والموسيقى إلى فنون الطهي والتصميم الرقمي.
في هذا المشروع تحديدًا، يتم التعامل مع التصوير الفوتوغرافي ليس كنهاية بصرية، بل كبداية لمسار إبداعي متعدد الطبقات. فالصورة الأولى لا تُغلق المعنى، بل تفتحه على احتمالات جديدة. يتحول المشهد الملتقط إلى مادة خام، تُعاد صياغتها ضمن بيئات رقمية تتجاوز الواقع دون أن تلغيه، حيث تمتد العمارة خارج حدودها الفيزيائية، وتتحول التفاصيل الصغيرة إلى عوالم قائمة بذاتها.
هذه المقاربة التي يمكن وصفها بـ”التصوير الغامر” تعكس تحوّلًا جذريًا في مفهوم الصورة، إذ لم تعد مجرد لحظة زمنية ثابتة، بل تجربة يمكن الدخول إليها والتفاعل معها. في هذا السياق، يصبح الماضي حاضرًا داخل المستقبل، لا بوصفه ذكرى جامدة، بل كعنصر حي يعيد تشكيل نفسه باستمرار.
ومن خلال عملهما المشترك “جسر عبر الزمن”، يقدّم الموسوي والقويز خمس مشاهد بصرية تتجاوز حدود التوثيق التقليدي، لتتحول إلى فضاءات رمزية تحمل دلالات ثقافية وروحية ومعمارية عميقة. من “الفناء” بوصفه مساحة للالتقاء الإنساني، إلى “العتبة” كرمز للانتقال، مرورًا بـ”الجسر” الذي يجسّد التواصل بين الأجيال، و”جدار المرجان” الذي يستلهم ذاكرة العمارة الساحلية ويعيد تخيلها ككائن حي نابض، وصولًا إلى “مسجد النور” الذي يرمز إلى السكينة والإيقاع الروحي للزمن.
كل عنصر من هذه العناصر لا يعمل بشكل منفصل، بل ضمن نسيج بصري واحد يعكس فلسفة البرنامج القائمة على أن التراث ليس مادة محفوظة في الماضي، بل طاقة قابلة لإعادة الاكتشاف وإعادة التفسير. وهنا تحديدًا يلتقي هذا المشروع مع جوهر رؤية دار جيجر-لوكولتر، التي تنظر إلى التاريخ باعتباره قاعدة للابتكار وليس قيدًا عليه.
في المحصلة، لا يقدم هذا التعاون مجرد أعمال فوتوغرافية، بل يطرح سؤالًا أعمق حول مستقبل الصورة نفسها: هل ستظل الصورة مرآة للواقع، أم ستتحول إلى بوابة لعوالم موازية تُبنى بالذاكرة والبيانات والخيال؟ بين عدسة الإنسان وخوارزمية الذكاء الاصطناعي، يولد شكل جديد من السرد البصري، يعيد تعريف العلاقة بين ما هو مرئي وما هو متخيل، ويؤكد أن الإبداع الحقيقي لا يتوقف عند حدود التقنية، بل يبدأ منها.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك