العدد : ١٧٥٧٣ - الاثنين ٠٤ مايو ٢٠٢٦ م، الموافق ١٧ ذو القعدة ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٧٣ - الاثنين ٠٤ مايو ٢٠٢٦ م، الموافق ١٧ ذو القعدة ١٤٤٧هـ

أخبار البحرين

عندما يصبح الوطن فرصة للنفعية

بقلم: سميرة بن رجب

الاثنين ٠٤ مايو ٢٠٢٦ - 02:25

يمثل‭ ‬عنوان‭ ‬هذا‭ ‬المقال‭ ‬جوهر‭ ‬المأساة‭ ‬الأخلاقية‭ ‬في‭ ‬مفهوم‭ ‬الخيانة؛‭ ‬ويدور‭ ‬حول‭ ‬سؤال‭ ‬مهم‭ ‬للغاية،‭ ‬وهو‭:‬‮ ‬متى‭ ‬تتحول‭ ‬الأولوية‭ ‬الطبيعية‭ ‬للإنسان‭ (‬البقاء،‭ ‬المال،‭ ‬المنصب،‭ ‬السلامة‭) ‬إلى‭ ‬‮«‬خيانة‮»‬‭ ‬تستحق‭ ‬الإدانة؟ إذ‭ ‬ليس‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬يقدم‭ ‬مصلحته‭ ‬على‭ ‬مصلحة‭ ‬الجماعة‭ ‬هو‭ ‬خائن‭ ‬بالضرورة،‭ ‬لكن‭ ‬هناك‭ ‬لحظة‭ ‬فارقة‭ ‬يصبح‭ ‬فيها‭ ‬هذا‭ ‬التقديم‭ ‬خيانة‭ ‬حقيقية‭.‬

في‭ ‬الحياة‭ ‬العادية،‭ ‬الإنسان‭ ‬يضع‭ ‬مصلحته‭ ‬أولا،‭ ‬بشكل‭ ‬غريزي‭ ‬وشرعي،‭ ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال‭: ‬يمكن‭ ‬للفرد‭ ‬اختيار‭ ‬وظيفة‭ ‬بأجر‭ ‬أعلى،‭ ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬كانت‭ ‬في‭ ‬شركة‭ ‬أجنبية؛‭ ‬ويمكنه‭ ‬السفر‭ ‬للدراسة‭ ‬في‭ ‬الخارج‭ ‬بحثًا‭ ‬عن‭ ‬فرص‭ ‬أفضل،‭ ‬بل‭ ‬يعتبر‭ ‬ذلك‭ ‬استثمارًا‭ ‬للوطن‭ ‬إذا‭ ‬عاد؛‭ ‬ويمكنه‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬علاج‭ ‬في‭ ‬خارج‭ ‬الوطن‭ ‬إذا‭ ‬لم‭ ‬يتوافر‭ ‬محليًّا؛‭ ‬كما‭ ‬يعد‭ ‬التعبير‭ ‬عن‭ ‬الرأي‭ ‬حقا‭ ‬وليس‭ ‬خيانة؛‭ ‬هذا‭ ‬لطالما‭ ‬لا‭ ‬يضر‭ ‬بالأمن‭ ‬الوطني،‭ ‬والوطن‭.‬

فلا‭ ‬خيانة‭ ‬عندما‭ ‬لا‭ ‬يكون‭ ‬هناك قصد‭ ‬الإضرار،‭ ‬ولا فعل‭ ‬يهدد‭ ‬أمن‭ ‬الوطن،‭ ‬ولا حالة‭ ‬حرب‭ ‬أو‭ ‬خطر‭ ‬وجودي‭.‬

إذن‭ ‬كيف‭ ‬تتحول‭ ‬‮«‬المصلحة‭ ‬الفردية‮»‬‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬خيانة»؟

الخيانة‭ ‬نفسيًّا‭ ‬تبدأ‭ ‬بتوسل‭ ‬التبرير‭ ‬لسلوك‭ ‬‮«‬لا‭ ‬وطني‮»‬‭ ‬خطير‭... ‬وبناء‭ ‬أسوار‭ ‬التبرير‭ ‬هذا‭ ‬هو‭ ‬نتيجة‭ ‬لشعور‭ ‬الفرد‭ ‬في‭ ‬قرارة‭ ‬نفسه‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬يفعله‭ ‬خطأ،‭ ‬لكنه‭ ‬يبني‭ ‬له‭ ‬أسوارًا‭ ‬من‭ ‬التبريرات‭.‬

ومع‭ ‬تكرار‭ ‬هذا‭ ‬السلوك،‭ ‬يبدأ‭ ‬الشخص‭ ‬في‭ ‬النظر‭ ‬إلى‭ ‬الوطن‭ ‬‮«‬كوسيلة‮»‬‭ ‬وليس‭ ‬‮«‬غاية‮»‬‭... ‬يرى‭ ‬الوطن‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬‮«‬أمًّا‮»‬‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬التضحية،‭ ‬بل‭ ‬أصبح‭ ‬‮«‬موارد‮»‬‭ ‬يمكن‭ ‬استغلالها‭... ‬وتُختزل‭ ‬المؤسسات‭ ‬الوطنية‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬عقبات‮»‬‭ ‬يجب‭ ‬تجاوزها‭ ‬أو‭ ‬‮«‬فرص‮»‬‭ ‬يجب‭ ‬استثمارها‭.‬

وهنا‭ ‬تموت‭ ‬المشاعر‭ ‬الوطنية،‭ ‬ويحل‭ ‬محلها براغماتية‭ ‬باردة لا‭ ‬ترى‭ ‬في‭ ‬الوطن‭ ‬إلا‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬أخذه‭ ‬منه،‭ ‬وتظهر‭ ‬آليات‭ ‬نفسية‭ ‬تسمح‭ ‬للشخص‭ ‬بارتكاب‭ ‬الخيانة‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬شعور‭ ‬بالذنب،‭ ‬وينقل‭ ‬مسؤولية‭ ‬ذلك‭ ‬إلى‭ ‬شماعات‭ ‬أخرى،‭ ‬فيكثر‭ ‬من‭ ‬لوم‭ ‬الدولة‭: ‬‮«‬لولا‭ ‬الظروف‭ ‬التي‭ ‬أوصلتني‭ ‬الدولة‭ ‬إليها،‭ ‬ما‭ ‬فعلت‭ ‬ذلك»؛‭ ‬ويشتت‭ ‬المسؤولية‭ ‬ما‭ ‬بين‭: ‬‮«‬كل‭ ‬المسؤولين‭ ‬فاسدون،‭ ‬وأنا‭ ‬واحد‭ ‬منهم‮»‬‭... ‬ويبدأ‭ ‬بالمقارنة‭ ‬المنحرفة‭: ‬‮«‬ما‭ ‬أفعله‭ ‬أقل‭ ‬ضررًا‭ ‬مما‭ ‬يفعله‭ ‬غيري‮»‬‭.‬

وفي‭ ‬هذه‭ ‬المرحلة،‭ ‬يصبح‭ ‬الخائن‭ ‬قادرًا‭ ‬على‭ ‬النوم‭ ‬مرتاحًا‭ ‬بعد‭ ‬بيع‭ ‬وثيقة‭ ‬سرية‭ ‬أو‭ ‬تهريب‭ ‬أموال‭ ‬أو‭ ‬التنسيق‭ ‬مع‭ ‬عدو،‭ ‬أو‭ ‬مناصرته‭.‬

ويصل‭ ‬الخائن‭ ‬إلى‭ ‬مرحلة‭ ‬التواطؤ‭ ‬العلني‭ ‬عندما‭ ‬يتحول‭ ‬فيها‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬عميل‮»‬،‭ ‬أي‭ ‬يمارس‭ ‬فعل‭ ‬الخيانة‭ ‬العظمى،‭ ‬وهو‭ ‬يدرك‭ ‬أنه‭ ‬تجاوز‭ ‬نقطة‭ ‬اللاعودة‭... ‬وحينها‭ ‬يفقد‭ ‬أي‭ ‬تردد‭ ‬أو‭ ‬بقايا‭ ‬وازع‭.‬

هنا‭ ‬تصبح‭ ‬مصلحة‭ ‬الفرد‭ (‬مالاً،‭ ‬أمانا،‭ ‬نفوذا‭) ‬هي‮ ‬المعيار‭ ‬الوحيد،‭ ‬والوطن‭ ‬مجرد‭ ‬‮«‬ضريبة‭ ‬جانبية‮»‬‭ ‬يمكن‭ ‬دفعها‭.‬

وهنا‭ ‬نتساءل‭: ‬لماذا‭ ‬تعتبر‭ ‬‮«‬غلبة‭ ‬المصلحة‭ ‬الفردية‮»‬‭ ‬خيانة‭ ‬في‭ ‬زمن‭ ‬الحرب‭ ‬خصوصا؟

في‭ ‬الظروف‭ ‬العادية،‭ ‬المجتمع‭ ‬قد‭ ‬يتسامح‭ ‬مع‭ ‬‮«‬أنانية‮»‬‭ ‬محدودة،‭ ‬لكن‭ ‬في‭ ‬زمن‭ ‬الحرب‭ (‬مثل‭ ‬ما‭ ‬تمر‭ ‬به‭ ‬بلادنا‭ ‬الآن‭)‬،‭ ‬تختلف‭ ‬المعادلة‭ ‬جذريًّا،‭ ‬والثمن‭ ‬يكون‭ ‬ضررًا‭ ‬وجوديًّا‭ (‬دمار،‭ ‬موت،‭ ‬احتلال‭)... ‬فإذا‭ ‬كان‭ ‬التضامن‭ ‬مطلوبا،‭ ‬ولكن‭ ‬غير‭ ‬ملزم،‭ ‬في‭ ‬فترة‭ ‬السلم،‭ ‬فإنه‭ ‬يصبح‭ ‬مطلوبًا‭ ‬بشكل‭ ‬حتمي‭ ‬في‭ ‬فترة‭ ‬الحرب،‭ ‬لأن‭ ‬التراخي‭ ‬يهدد‭ ‬الجميع‭... ‬وإن‭ ‬كان‭ ‬العدو‭ ‬غير‭ ‬محددًا،‭ ‬أو‭ ‬بعيدًا،‭ ‬في‭ ‬فترة‭ ‬السلم،‭ ‬ففي‭ ‬فترة‭ ‬الحرب‭ ‬يصبح‭ ‬العدو‭ ‬محددًا‭ ‬وقريبًا‭ ‬ويستغل‭ ‬أي‭ ‬اختراق‭.‬

وهنا‭ ‬يمكن‭ ‬تحديد‭ ‬المسؤولية،‭ ‬التي‭ ‬تكون‭ ‬في‭ ‬فترة‭ ‬السلم‭ ‬فردية‭ ‬بشكل‭ ‬أساسي،‭ ‬فإنها‭ ‬تكون‭ ‬جماعية‭ ‬في‭ ‬فترة‭ ‬الحرب،‭ ‬لأن‭ ‬انهيار‭ ‬الواحد‭ ‬قد‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬انهيار‭ ‬الآخر‭.‬

في‭ ‬الحرب،‭ ‬الخيانة‭ ‬ليست‭ ‬مجرد‭ ‬خطأ‭ ‬شخصي،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬‮«‬طعنة‭ ‬في‭ ‬الظهر‮»‬‭ ‬للجماعة‭ ‬المقاتلة‭ ‬والمدافعة‭...‬‮ ‬لذلك،‭ ‬كانت‭ ‬عقوبات‭ ‬الخيانة‭ ‬في‭ ‬زمن‭ ‬الحرب‭ ‬أشد‭ ‬عبر‭ ‬التاريخ‭.‬

إن‭ ‬أحد‭ ‬أبعاد‭ ‬الخيانة‭ ‬الأكثر‭ ‬إيلامًا‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬من شخص‭ ‬قريب،‭ ‬كان‭ ‬يُعتبر‭ ‬‮«‬ابنًا‭ ‬بارًّا‮»‬‭ ‬للوطن،‭ ‬كضابط‭ ‬كبير‭ ‬يبيع‭ ‬أسراره،‭ ‬أو‭ ‬مسؤول‭ ‬رفيع‭ ‬ينهب‭ ‬المال‭ ‬العام‭ ‬ثم‭ ‬يهرب،‭ ‬أو‭ ‬إعلامي‭ ‬يروّج‭ ‬لرواية‭ ‬العدو،‭ ‬أو‭ ‬مَن‭ ‬وضع‭ ‬الشعب‭ ‬فيه‭ ‬ثقته‭ ‬يمارس‭ ‬دورًا‭ ‬يهدر‭ ‬فيه‭ ‬هذه‭ ‬الثقة‭.‬

هذه‭ ‬الحالات‭ ‬تسبب صدمة‭ ‬جمعية،‭ ‬لأنها‭ ‬تكشف‭ ‬أن‭ ‬الجدار‭ ‬الذي‭ ‬ظننا‭ ‬أنه‭ ‬صامد‭ ‬كان‭ ‬مجرد‭ ‬واجهة‭.‬

في‭ ‬سياق‭ ‬فترة‭ ‬الحرب‭ ‬لا‭ ‬وجود‭ ‬لأي‭ ‬مبررات‭ ‬للمصلحة‭ ‬الفرية‭ ‬النفعية‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬الوطن‭... ‬وخصوصًا‭ ‬في‭ ‬دولٍ‭ ‬مثل‭ ‬بلداننا‭ ‬الخليجية،‭ ‬إذ‭ ‬هي‭ ‬ليست‭ ‬دول‭ ‬احتلال‭ ‬أو‭ ‬استبداد‭ ‬شمولي،‭ ‬وقد‭ ‬فُرضت‭ ‬عليها‭ ‬الحرب‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تخترها،‭ ‬ولا‭ ‬تمارس‭ ‬دورًا‭ ‬هجوميًّا‭ ‬ظالمًا،‭ ‬ومجتمعاتها‭ ‬متكاتفة‭ ‬مع‭ ‬قياداتها‭.‬

ففي‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‮ ‬غلبة‭ ‬المصلحة‭ ‬الفردية‭ ‬على‭ ‬الوطنية‭ ‬هي‭ ‬خيانة‭ ‬بلا‭ ‬عذر‭.‬

بإيجاز،‭ ‬يمكن‭ ‬القول‭ ‬إن خيانة‭ ‬الوطن عندما‭ ‬تعلو‭ ‬مصلحة‭ ‬الفرد‭ ‬تبدأ‭ ‬من‭ ‬لحظة‭ ‬توقف‭ ‬الإنسان‭ ‬عن‭ ‬رؤية‭ ‬نفسه جزءًا‭ ‬من‭ ‬كل،‭ ‬وتصبح‭ ‬نظرته‭ ‬إلى‭ ‬الوطن‭ ‬مجرد عداء‭ ‬مصالح‭ ‬محايد أو فرصة‭ ‬للنفعية‭.‬

الإنسان‭ ‬الذي‭ ‬يرى‭ ‬وطنه‭ ‬كـ«فندق‮»‬‭ ‬يمكن‭ ‬تركه،‭ ‬أو‭ ‬كـ«متجر‮»‬‭ ‬يمكن‭ ‬النهب‭ ‬منه،‭ ‬أو‭ ‬كـ«عدو‮»‬‭ ‬يجب‭ ‬التحالف‭ ‬مع‭ ‬خصومه،‭ ‬هذا‭ ‬الإنسان‭ ‬قد‭ ‬مات‭ ‬فيه‭ ‬الإحساس‭ ‬بالانتماء‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يرتكب‭ ‬أي‭ ‬فعل‭ ‬خيانة‭.‬

تبقى‭ ‬المفارقة‭ ‬الأعمق‭ ‬في‭ ‬أن‮ ‬الخائن‭ ‬غالبًا‭ ‬ما‭ ‬يكون‭ ‬آخر‭ ‬من‭ ‬يدرك‭ ‬أنه‭ ‬خائن،‭ ‬تبريراته‭ ‬تبدو‭ ‬له‭ ‬منطقية،‭ ‬و«مصلحته‮»‬‭ ‬تبدو‭ ‬له‭ ‬مقدسة‭... ‬لكن‭ ‬التاريخ‭ ‬والمجتمع‭ ‬يضعانه‭ ‬في‭ ‬مكانه،‭ ‬ولن‭ ‬ينسى‭ ‬الوطن‭ ‬من‭ ‬غدر‭ ‬به،‭ ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬غفر‭ ‬له‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا