يمثل عنوان هذا المقال جوهر المأساة الأخلاقية في مفهوم الخيانة؛ ويدور حول سؤال مهم للغاية، وهو: متى تتحول الأولوية الطبيعية للإنسان (البقاء، المال، المنصب، السلامة) إلى «خيانة» تستحق الإدانة؟ إذ ليس كل من يقدم مصلحته على مصلحة الجماعة هو خائن بالضرورة، لكن هناك لحظة فارقة يصبح فيها هذا التقديم خيانة حقيقية.
في الحياة العادية، الإنسان يضع مصلحته أولا، بشكل غريزي وشرعي، على سبيل المثال: يمكن للفرد اختيار وظيفة بأجر أعلى، حتى لو كانت في شركة أجنبية؛ ويمكنه السفر للدراسة في الخارج بحثًا عن فرص أفضل، بل يعتبر ذلك استثمارًا للوطن إذا عاد؛ ويمكنه البحث عن علاج في خارج الوطن إذا لم يتوافر محليًّا؛ كما يعد التعبير عن الرأي حقا وليس خيانة؛ هذا لطالما لا يضر بالأمن الوطني، والوطن.
فلا خيانة عندما لا يكون هناك قصد الإضرار، ولا فعل يهدد أمن الوطن، ولا حالة حرب أو خطر وجودي.
إذن كيف تتحول «المصلحة الفردية» إلى «خيانة»؟
الخيانة نفسيًّا تبدأ بتوسل التبرير لسلوك «لا وطني» خطير... وبناء أسوار التبرير هذا هو نتيجة لشعور الفرد في قرارة نفسه أن ما يفعله خطأ، لكنه يبني له أسوارًا من التبريرات.
ومع تكرار هذا السلوك، يبدأ الشخص في النظر إلى الوطن «كوسيلة» وليس «غاية»... يرى الوطن لم يعد «أمًّا» تحتاج إلى التضحية، بل أصبح «موارد» يمكن استغلالها... وتُختزل المؤسسات الوطنية إلى «عقبات» يجب تجاوزها أو «فرص» يجب استثمارها.
وهنا تموت المشاعر الوطنية، ويحل محلها براغماتية باردة لا ترى في الوطن إلا ما يمكن أخذه منه، وتظهر آليات نفسية تسمح للشخص بارتكاب الخيانة من دون شعور بالذنب، وينقل مسؤولية ذلك إلى شماعات أخرى، فيكثر من لوم الدولة: «لولا الظروف التي أوصلتني الدولة إليها، ما فعلت ذلك»؛ ويشتت المسؤولية ما بين: «كل المسؤولين فاسدون، وأنا واحد منهم»... ويبدأ بالمقارنة المنحرفة: «ما أفعله أقل ضررًا مما يفعله غيري».
وفي هذه المرحلة، يصبح الخائن قادرًا على النوم مرتاحًا بعد بيع وثيقة سرية أو تهريب أموال أو التنسيق مع عدو، أو مناصرته.
ويصل الخائن إلى مرحلة التواطؤ العلني عندما يتحول فيها إلى «عميل»، أي يمارس فعل الخيانة العظمى، وهو يدرك أنه تجاوز نقطة اللاعودة... وحينها يفقد أي تردد أو بقايا وازع.
هنا تصبح مصلحة الفرد (مالاً، أمانا، نفوذا) هي المعيار الوحيد، والوطن مجرد «ضريبة جانبية» يمكن دفعها.
وهنا نتساءل: لماذا تعتبر «غلبة المصلحة الفردية» خيانة في زمن الحرب خصوصا؟
في الظروف العادية، المجتمع قد يتسامح مع «أنانية» محدودة، لكن في زمن الحرب (مثل ما تمر به بلادنا الآن)، تختلف المعادلة جذريًّا، والثمن يكون ضررًا وجوديًّا (دمار، موت، احتلال)... فإذا كان التضامن مطلوبا، ولكن غير ملزم، في فترة السلم، فإنه يصبح مطلوبًا بشكل حتمي في فترة الحرب، لأن التراخي يهدد الجميع... وإن كان العدو غير محددًا، أو بعيدًا، في فترة السلم، ففي فترة الحرب يصبح العدو محددًا وقريبًا ويستغل أي اختراق.
وهنا يمكن تحديد المسؤولية، التي تكون في فترة السلم فردية بشكل أساسي، فإنها تكون جماعية في فترة الحرب، لأن انهيار الواحد قد يؤدي إلى انهيار الآخر.
في الحرب، الخيانة ليست مجرد خطأ شخصي، بل هي «طعنة في الظهر» للجماعة المقاتلة والمدافعة... لذلك، كانت عقوبات الخيانة في زمن الحرب أشد عبر التاريخ.
إن أحد أبعاد الخيانة الأكثر إيلامًا هو أن تكون من شخص قريب، كان يُعتبر «ابنًا بارًّا» للوطن، كضابط كبير يبيع أسراره، أو مسؤول رفيع ينهب المال العام ثم يهرب، أو إعلامي يروّج لرواية العدو، أو مَن وضع الشعب فيه ثقته يمارس دورًا يهدر فيه هذه الثقة.
هذه الحالات تسبب صدمة جمعية، لأنها تكشف أن الجدار الذي ظننا أنه صامد كان مجرد واجهة.
في سياق فترة الحرب لا وجود لأي مبررات للمصلحة الفرية النفعية على حساب الوطن... وخصوصًا في دولٍ مثل بلداننا الخليجية، إذ هي ليست دول احتلال أو استبداد شمولي، وقد فُرضت عليها الحرب من دون أن تخترها، ولا تمارس دورًا هجوميًّا ظالمًا، ومجتمعاتها متكاتفة مع قياداتها.
ففي هذا السياق، غلبة المصلحة الفردية على الوطنية هي خيانة بلا عذر.
بإيجاز، يمكن القول إن خيانة الوطن عندما تعلو مصلحة الفرد تبدأ من لحظة توقف الإنسان عن رؤية نفسه جزءًا من كل، وتصبح نظرته إلى الوطن مجرد عداء مصالح محايد أو فرصة للنفعية.
الإنسان الذي يرى وطنه كـ«فندق» يمكن تركه، أو كـ«متجر» يمكن النهب منه، أو كـ«عدو» يجب التحالف مع خصومه، هذا الإنسان قد مات فيه الإحساس بالانتماء قبل أن يرتكب أي فعل خيانة.
تبقى المفارقة الأعمق في أن الخائن غالبًا ما يكون آخر من يدرك أنه خائن، تبريراته تبدو له منطقية، و«مصلحته» تبدو له مقدسة... لكن التاريخ والمجتمع يضعانه في مكانه، ولن ينسى الوطن من غدر به، حتى لو غفر له.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك