كتبت: لمياء إبراهيم
أكدت الدكتورة جاردينيا الصفار استشاري الطب النفسي بمستشفى رويال البحرين، أن الحروب والأحداث الأمنية غير المستقرة تشكل ضغطًا نفسيًا كبيرًا على الأفراد والمجتمعات. مشيرة إلى أن التعرض المستمر للأخبار المقلقة، وحالة عدم اليقين، والشعور بفقدان السيطرة قد يؤدي إلى ارتفاع مستويات القلق والتوتر واضطرابات النوم، بل وقد يفاقم اضطرابات نفسية سابقة لدى بعض الأشخاص. لذلك يصبح الاهتمام بالصحة النفسية في هذه الظروف أمرًا بالغ الأهمية للحفاظ على التوازن النفسي والقدرة على التكيف.
وأوضحت أن من المهم أولًا التأكيد بأن الشعور بالقلق أو الخوف في مثل هذه الظروف هو أمر طبيعي تمامًا. هذه استجابة إنسانية متوقعة عندما يواجه الإنسان تهديدًا أو حالة من عدم اليقين. لا ينبغي إنكار هذه المشاعر أو تجاهلها، بل من الأفضل الاعتراف بها وفهمها. وفي الوقت نفسه، من المهم ألا نسمح لهذه المشاعر بأن تتحكم في سلوكنا أو قراراتنا اليومية. ومن منظور نفسي، يجدر التذكير بأن سلوك الإنسان يلعب دورًا كبيرًا في تشكيل حالته النفسية، لذلك من المفيد توجيه تركيزنا نحو الأمور التي يمكننا التحكم بها في حياتنا اليومية.
حيث أشارت الدكتورة جاردينيا إلى أهم المصادر التي تمنح الإنسان الطمأنينة في أوقات الشدة التمسك بالإيمان واللجوء إلى الله تعالى بالدعاء والصلاة. فالإيمان يوفر شعورًا بالمعنى والسكينة حتى في أكثر الظروف صعوبة. وقد قال تعالى:
«الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ» (الرعد: 28).
وأضافت يمكن النظر إلى الصلاة أيضًا كنوع من اليقظة الذهنية أو الحضور الكامل في اللحظة. وقالت «فعندما يقف الإنسان للصلاة يبتعد مؤقتًا عن ضجيج الأخبار والضغوط اليومية ويعيد توجيه انتباهه إلى لحظة السكون والتركيز. تكرار الحركات المنظمة في الصلاة مثل القيام والركوع والسجود، مع تلاوة الآيات والأذكار، يساعد على تهدئة الجهاز العصبي وتنظيم التنفس وإبطاء إيقاع التفكير المتسارع. وعندما يؤدي الإنسان صلاته بخشوع ويستحضر معاني ما يتلوه، فإنه يدخل في حالة من التركيز الذهني والسكينة الداخلية التي تساعد على تخفيف القلق واستعادة التوازن النفسي».
ونصحت مشددة على تنظيم التعرض للأخبار والمعلومات خلال الأزمات. المتابعة المستمرة للأحداث، خصوصًا عبر وسائل التواصل الاجتماعي، مبينة أنها قد تؤدي إلى زيادة مستويات القلق نتيجة التعرض المتكرر للمعلومات والصور المقلقة. من الأفضل متابعة الأخبار في أوقات محددة ومن مصادر موثوقة، مع تجنب التصفح المستمر للأخبار طوال اليوم، لأن ذلك قد يزيد من التوتر من دون أن يضيف فائدة حقيقية.
واستكملت، بعد ذلك يأتي دور الحفاظ على الروتين اليومي كعامل أساسي في دعم الاستقرار النفسي. الانتظام في مواعيد النوم والاستيقاظ، وتناول الوجبات في أوقات منتظمة، والاستمرار في الأنشطة اليومية المعتادة يمنح الدماغ شعورًا بالاستقرار والسيطرة في وقت يسوده عدم اليقين. الروتين اليومي يساعد الجهاز العصبي على الحفاظ على توازن داخلي حتى عندما تكون الظروف الخارجية مضطربة.
كما أن التواصل الاجتماعي والبقاء على اتصال بالآخرين يلعب دورًا مهمًا في التخفيف من الضغوط النفسية. قضاء الوقت مع العائلة أو الأصدقاء ومشاركة الحديث معهم يمكن أن يقلل الشعور بالعزلة ويعزز الإحساس بالدعم. ومع ذلك، من المهم الانتباه إلى طبيعة الأحاديث في هذه اللقاءات، إذ قد تتحول أحيانًا إلى تبادل للشائعات أو تضخيم للمخاوف. لذلك من الأفضل الحرص على أن تبقى هذه اللقاءات مصدرًا للدعم والطمأنينة، لا ساحة لنشر القلق أو التخويف.
كما أن ممارسة الرياضة والنشاط البدني تعد من الوسائل العلمية الفعالة لدعم الصحة النفسية في أوقات التوتر. فالنشاط البدني يساعد الدماغ على زيادة إفراز بعض النواقل العصبية المهمة، وعلى رأسها السيروتونين، وهو الناقل العصبي المرتبط بالشعور بالهدوء وتحسن المزاج. ارتفاع مستويات السيروتونين يساهم في تقليل القلق ويعزز الشعور بالاستقرار النفسي.
أما بالنسبة للأطفال، فيلعب سلوك الكبار دورًا حاسمًا في تشكيل استجابتهم النفسية. الأطفال يستمدون شعورهم بالأمان من البالغين المحيطين بهم، ولذلك يحتاج الأهل إلى محاولة إظهار قدر من الهدوء والاتزان أمامهم. من الصعب على الطفل أن ينظم قلقه إذا كان البالغون من حوله يظهرون مستويات عالية من الخوف أو الارتباك.
من المهم أيضًا التعامل مع أسئلة الأطفال بصدق ووضوح. لا يُنصح بإخبار الطفل بأن الأصوات التي يسمعها هي ألعاب نارية إذا كان يدرك أن الأمر مختلف. من الأفضل شرح ما يحدث بطريقة بسيطة تتناسب مع عمره.
كما يحتاج الطفل إلى طمأنة واضحة ومتكررة. من المفيد التأكيد له أن هناك أشخاصًا كثيرين يعملون لحمايتهم والحفاظ على سلامتهم، وأن هناك جهات مسؤولة تتابع الوضع وتعمل على منع حدوث الأذى. هذا النوع من الرسائل يعزز شعور الطفل بالأمان ويخفف من مستوى القلق لديه.
وشددت الدكتورة جاردينيا على ان خلال هذه الفترات تحديدًا، يصبح إدارة استخدام الأطفال للهواتف الذكية ووسائل التواصل الاجتماعي أمرًا أكثر أهمية من أي وقت مضى. فالمحتوى المتداول على هذه المنصات قد يتضمن صورًا أو مقاطع صادمة قد تكون مؤذية نفسيًا للأطفال، كما قد تنتشر معلومات غير دقيقة أو مضللة تزيد من مستوى الخوف والارتباك لديهم.
كما ينبغي توعية الأطفال بعدم مشاركة أو نشر المعلومات المتعلقة بالأحداث الأمنية من دون فهم أو تحقق، إذ قد يقوم بعض الأطفال بنشر صور أو معلومات بشكل غير مقصود قد يكون له تبعات سلبية.
واختتمت، من المهم التأكيد بأن طلب الدعم النفسي المتخصص عند الحاجة يعد خطوة صحية ومسؤولة. فإذا استمرت أعراض القلق الشديد أو الأرق أو نوبات الهلع فترة مطولة وأثرت على الأداء اليومي، فإن استشارة مختص في الصحة النفسية قد تكون ضرورية.
في أوقات الأزمات، قد لا يكون بإمكاننا التحكم في مجريات الأحداث، لكن يمكننا أن نركز على ما نستطيع التحكم فيه من سلوكيات وخيارات يومية. العناية بالنفس، والحفاظ على الروتين، وممارسة الرياضة، والتمسك بالإيمان، والحفاظ على الروابط الاجتماعية، كلها عوامل تساعد الإنسان على الصمود النفسي والتعامل مع الظروف الصعبة بقدر أكبر من التوازن والسكينة.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك