توصية رسمية ووقـفة مشرفة مـن اتحـاد الطائرة
مـن التحـليل التلفـزيوني إلـى المحـاضرات الدوليـة
أجرى الحوار: علي ميرزا
اعتاد الملحق الرياضي في «أخبار الخليج» محاورة الكابتن محمد جلال عيسى في الجوانب الفنية والتحليل التكتيكي، أو فيما يتصل بالأندية التي أشرف على تدريبها، غير أن هذه المرة اخترنا الاقتراب من جانب آخر في مسيرته، جانب الانتقال من أرضية الملعب إلى منصات التأهيل والتطوير.
محمد جلال يعد من الأسماء البحرينية التي رسخت حضورها في مسار المحاضرات الدولية للكرة الطائرة، وهو مسار لا يبلغه إلا من جمع بين الخبرة الميدانية، والمعرفة العلمية، والرؤية بعيدة المدى، انتقال لم يكن صدفة، بل امتدادا لمسيرة آمنت بأن صناعة المدرب لا تقل أهمية عن صناعة الفريق.
بداية الفكرة
يقول جلال إن فكرة دخول مجال المحاضرات الدولية بدأت عام 2002، لكنها تعززت عام 2009 حين طلب منه د. ستيفن بالي تأليف كتاب متخصص في التخطيط السنوي للكرة الطائرة، بعد تقديمه شرحا تفصيليا للخطة السنوية في امتحان المستوى الرابع ضمن البرنامج الوطني لإعداد المدربين.
وفي عام 2011 حصل على رسالة توصية من د. دون كلارك، مدير المعهد الوطني للتدريب بالمركز الرياضي الكندي، موجهة إلى الاتحاد الدولي للكرة الطائرة، تفيد باجتيازه المقرر بدرجة امتياز مع مرتبة الشرف، كما تلقى لاحقا رسائل اعتماد وتوصية من جهات رسمية، من بينها الاتحاد البحريني للكرة الطائرة، ما مهد الطريق لاعتماده رسميا كمحاضر دولي في يناير 2020، بعد أربع سنوات من الإجراءات والمتابعة.
ويؤكد جلال أن الدعم الذي وجده من الشيخ علي بن محمد آل خليفة رئيس الاتحادين البحريني والعربي للكرة الطائرة، ومن الأمين العام فراس الحلواجي، كان له دور كبير في تجاوز التحديات خلال فترة التقديم.
لماذا هذا المسار؟
يرى جلال أن المدرب يمر بمرحلة مفصلية في مسيرته، إما أن يبتعد عن اللعبة أو يتحول إلى العمل الإداري، ومع خبرة تتجاوز 30 عاما في التدريب والتحليل، اختار أن يواصل خدمته للعبة من خلال العمل كمحاضر دولي، ضمن خطة استراتيجية وضعها منذ سنوات.
ويشير إلى أن طموحه في أن يصبح محاضرا لم يكن وليد الصدفة، بل بدأ مبكرا، خاصة بعد دخوله مجال التحليل التلفزيوني كأول محلل بحريني للكرة الطائرة، إضافة إلى تجربته في التحليل الصحفي والعمل في مركز البحرين للتطوير، والتعامل المباشر مع محاضرين دوليين، ما عزز قناعته بهذا المسار.
بين المدرب والمحاضر
عن الفارق بين الدورين، يوضح جلال أن المسؤوليات تختلف جذريًا؛ فالمدرب يركز على فريقه ونتائجه، بينما ينتظر من المحاضر أن يطور نفسه علميا باستمرار، ويتابع أحدث الخطط والاستراتيجيات، ليكون مرجعا معرفيا قادرا على نقل الخبرة بصورة منهجية.
ويضيف أن من أبرز التحديات في البدايات التكيف مع قصر مدة الدورات وربطها بالمنهج المعتمد، مع ضمان أن يخرج المشاركون بمستوى يؤهلهم لقيادة الفرق بكفاءة.
فلسفة الإعداد
يحرص جلال في دوراته على الالتزام بمنهج الاتحاد الدولي، مع تقديم تجربة متكاملة تجمع بين الجانبين النظري والعملي. ويرى أن الفصل بينهما غير ممكن، لأن التطبيق يعتمد على أساس علمي راسخ، والهدف هو تطوير اللاعب بدنيا وذهنيا ومهاريا عبر مدرب واع ومؤهل.
ويؤكد أن المدرب الناجح اليوم يحتاج إلى مهارات متعددة، تشمل القراءة الفنية، التخطيط والبرمجة، تحديد الأهداف، اتخاذ القرار، والإدارة، إضافة إلى القدرة على إدارة الأفراد ومعالجة النزاعات.
أما في أسلوبه التدريسي، فيعتمد على التنوع في أدوات العرض، وتشجيع التفاعل، والمناقشة، والعصف الذهني، وحل المشكلات الواقعية، إلى جانب التعلم التعاوني والعمل الجماعي.
وعي متزايد
يشير جلال إلى أنه يلمس تغيرا واضحا في وعي المدربين، مع تزايد الاهتمام بحضور الدورات ومتابعة المستجدات، ما انعكس على ارتفاع مستواهم العلمي والفني. كما يؤكد أن ردود الفعل التي تصله بعد انتهاء الدورات إيجابية ومشجعة.
ومن التجارب التي تركت أثرا خاصا لديه، إحدى دورات المستوى الأول التي سادها إصرار جماعي على نجاح الجميع، وتعامل المشاركين بروح الفريق والعائلة الواحدة.
الطموح والرسالة
يطمح جلال، بعد حصوله على عضوية لجنة المدربين الآسيوية، إلى نيل عضوية لجنة المدربين الدولية مستقبلا، مؤكدا أن الطموح لا يتوقف عند محطة الاعتماد.
أما رسالته للمدربين الشباب فهي واضحة: الصبر وعدم التسرع، اكتساب الخبرة الميدانية، المتابعة العلمية المستمرة، مشاهدة المباريات العالمية، حضور البطولات، والسعي للمعايشة مع الفرق الكبرى.
ويختتم حديثه بالتأكيد أن النجاح في المجال الرياضي لا يقف عند حدود التدريب، بل يمتد إلى صناعة المعرفة ونقلها إلى الأجيال. فالمسيرة الحقيقية – كما يرى– تبدأ من العقل قبل الملعب، ومن التخطيط قبل النتائج.

سؤال يفرضه التوقف
ما المسؤوليات الإدارية التي ينبغي أن تضطلع بها الأندية لضمان الحفاظ على الجاهزية والانضباط
توقف منافسات أي مسابقة (لأي سبب خارج عن الإرادة) ليس مجرد قرار عابر والسلام، بل محطة مفصلية قد تعيد تشكيل الحالة الفنية والبدنية والنفسية للأندية، وبين فترة التوقف والعودة، تكمن مساحة حساسة من العمل الداخلي في الأندية، تصبح فيها الحصص التدريبية هي البديل الوحيد عن المنافسة، وتتحول أي الحصص التدريبية إلى «مسابقة مصغرة» إن صحت التسمية، ولكنها تحتاج من الأندية إلى إدارتها بعناية وفهم كبيرين.
في هذه الوقفة التحليلية، نحاول بكل ما أوتينا، أن نناقش ونفكك ونركب في الوقت نفسه التوقف من زواياه البدنية والفنية، ونسلط الضوء على بعض الأسئلة الجوهرية والمحورية مثل: هل تكفي الحصص التدريبية لتعوض غياب المنافسة الرسمية؟ وماذا لو كان حضور اللاعبين متذبذبا؟ وما انعكاسات كل ذلك على المستوى عند استئناف المسابقة.
التوقف وانعكاسه على التنافس
من دون شك أن التوقف المفاجئ يضع الأندية في حالة غياب تنافسي، على اعتبار أن اللاعبين قد تعودوا على إيقاع أن يخوضوا مباراة كل أسبوع، ليجدوا أنفسهم أمام تحول من شأنه لا يجدون معه الحافز خلال الاستعداد، فالفريق كان يقدم على التدريبات كي يصحح أخطاءه من مباراة لأخرى، ولكنه فجأة يفقد هذا الحافز ممثلا في مواجهة المنافسين.
التدريب وتفاصيل المباريات
فالمباريات توجد نوعا خاصا من الجهد لا يمكن محاكاته بالكامل في التدريب من ناحية الشدة، الضغط، رد الفعل تحت التوتر والعصبية، كل ذلك تعكسه أجواء التنافس الرسمي، وكما هو معروف فإن لعبة الكرة الطائرة تتطلب القفز المتكرر، ورد الفعل السريع، والانتقال السريع بين الدفاع والهجوم، ومن هذا المنطلق فغياب المباريات يعني تراجعا تدريجيا في حس التنافسية حتى إن استمرت اللياقة العامة.
اللياقة العامة ولياقة التنافس
يمكن للمدرب أن يحافظ على اللياقة العامة من خلال تدريبات خاصة المدربون أدرى بتفاصيلها، لكن لياقة التنافس تختلف، إذ ترتبط بالتوقيت، واتخاذ القرار، وما يسمى بالانفجار العضلي في اللحظة المناسبة.
ونرى أن الحصص التدريبية مهما بلغت جودتها تبقى بيئة متوقعة نسبيا، بينما أجواء المباريات تحفل بالمفاجآت والعشوائية وهذا يتطلب استجابة وردة فعل فورية.
التوقف والانسجام
الانسجام في الكرة الطائرة يتطلب انسجاما خاصا بين صانع الألعاب والضاربين من جهة، وبين حائط الصد والخط الخلفي المدافع من جهة أخرى، وحتى يتحقق ذلك، فهو في حاجة إلى مباريات حقيقية، بينما التوقف خاصة متى طالت مدته الطويل فإنه يعيد الفريق خطوة بل خطوات إلى الوراء، خاصة متى افتقدت الأندية إلى مباريات ودية لتعويض التنافس الرسمي.
وتكمن الخطورة في هذا الموقف في الفرق التي كانت تعيش تصاعدا فنيا قبل التوقف، إذ تضع أيديها على قلوبها خوفا أن تفقد خاصية ارتفاع نسقها الفني من جولة لأخرى.
هل تكفي الحصص التدريبية؟
عندما نسأل السؤال التقليدي: هل تكفي التدريبات لتعوض المباريات؟ فالإجابة المنتظرة (لا).
لكن يمكن القول بأنها تقلل الخسائر الممكنة، على اعتبار أن التدريبات تحافظ على الجاهزية البدنية، وتصحح الأخطاء الفردية، وتطور بعض الخطط الجديدة إن وجدت بطبيعة الحال، لكن أي (التدريبات) لا يمكنها محاكاة الضغط الجماهيري، واختبار الصلابة الذهنية خاصة في المواقف أو النقاط الحاسمة.
المباريات الودية
إن توفرت الظروف، فإن إقامة مباريات ودية، فهذا يمثل حلا أقرب للمثالية، لماذا؟ لأن مثل هذه المباريات تعيد الإيقاع التنافسي من جهة، وتكشف مستوى التركيز من جهة ثانية، وتضع الجهاز الفني أمام اختبارات حقيقية، فالفرق التي تستثمر فترة التوقف في خوض وديات منتظمة غالبا ما تحافظ على استقرارها الفني.
الحضور المتذبذب
واقتصار الاستعداد على الحصص التدريبية من شأنه يولد الملل والسأم، ويزيد الطين بلة عندما يكون الحضور إلى التدريبات غير منتظم من اللاعبين، وهنا تتضاعف المشكلة، وتضع المدرب في (حيص بيص) وتربكه. ويترتب على الغيابات ضعف في التفاهم بين عناصر الفريق، وبطء في تنفيذ الخطط، وعودة مرتبكة إلى المنافسة من جديد بطء في الانتقال الخططي، ارتباك عند العودة الرسمية.
الفتور بدلا من الحماس
الرياضة بيئة تنافسية، واللاعب بطبيعته كائن تنافسي، والتوقف قد يخلق شعورا محبطا، وانخفاضا في التركيز، وتراجعًا في الالتزام الشخصي، وهنا يبرز الدور الإداري في تعزيز الروح الجماعية، وتنظيم أنشطة داخلية تبقي الحافز مشتعلا.
خطر الإصابات
أكثر شيء يقلق المدربين هو إصابة لاعبيها خاصة المؤثرين منهم، وأحد أخطر تداعيات التوقف هو احتمالية وقوع الإصابات عند استئناف الدوري، نظرا لانخفاض الجاهزية التنافسية، ووجود فجوة بين شدة التدريب وشدة المباراة، والحماس الزائد لتعويض الغياب، ومن هنا تحتاج العودة إلى «فترة انتقالية» قصيرة قبل الدخول في ضغط المباريات.
ما بعد الاستئناف
غالبا بعد ما تأتي المباريات الرسمية بعد استئنافها بطيئة الإيقاع، والوقوع في أخطاء سهلة كأخطاء إضاعة الإرسال أو الاستقبال، وتكون هذه الأخطاء أكثر من المعتاد.
ويظهر تفاوت واضح بين الفرق التي عرفت كيف تدير التوقف، وحافظت على انتظامها وتلك التي لم تفعل، الفريق الأكثر انضباطا خلال التوقف سيجني الثمار بطبيعة الحال دون غيره.
التوقف وإعادة البناء
التوقف ليس كله سلبيات، يمكن للتوقف أن يكون فرصة لمعالجة المصابين وتعافيهم، ولتطوير البدلاء، والتفكير في خطط تكتيكية بديلة، والمدرب الذكي يتعامل مع التوقف كموسم مصغر لإعداد جديد.
الفرق المتصدرة والمتأخرة
التوقف لا يترك أثره على الجميع بالطريقة نفسها، فالمتصدر قد يخسر زخمه ويقل حماسه ويتراجع توهجه، والمتأخر قد يجد فيه فرصة لإعادة التوازن، والفرق المتوسطة قد تعود بشكل مختلف تماما، وفي ظل نظام الدوري الحالي المكثف والمضغوط، فالفرق كلها بدون استثناء باتت في أمس الحاجة إلى التقاط أنفاسها نوعا ما.
الجانب الإداري
إدارة اللعبة نفسها في الأندية عليها تحمل مسؤوليتها في هذا الجانب، فهي مطالبة خلال التوقف بـمتابعة التزام اللاعبين، وتوفير برامج بدنية فردية، وضمان استقرار معنوي ومادي، وأي خلل إداري في هذا الجانب أو غيره ينعكس مباشرة على غرفة اللاعبين كما يقولون.
السيناريو الأسوأ
السيناريو الأسوأ، والذي لا نتمناه، ويتمثل في عودة متسارعة بلا تفتقر إلى إعداد كاف، إذا تم استئناف الدوري بشكل مفاجئ، دون منح الأندية فترة إعداد مناسبة، فقد يحدث ارتفاع في الإصابات، وتفاوت كبير في المستوى، وتراجع أو نتائج غير متوقعة تعيد تشكيل جدول الترتيب.
الخلاصة
فالتوقفات ليست مجرد فترة انتظار، بل اختبار حقيقي لمسؤولية الأندية، فالاقتصار على التدريبات قد يحافظ على الحد الأدنى من الجاهزية، لكنه لا يعوض حرارة المنافسة، والحضور المتذبذب يضاعف الفجوة الفنية والبدنية.
بدون شك المستوى العام للمسابقة قد يتراجع في البداية، لكن سرعان ما يستعيد إيقاعه إذا كانت مرحلة الإعداد مدروسة، أما إن غابت الرؤية، فإن آثار التوقف قد تمتد إلى نهاية الموسم.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك