في السابع والعشرين من فبراير عام 1472 تأسس بنك مونتي دي باشي دي سيينا في جمهورية سيينا، ليصبح أقدم بنك في العالم لا يزال يعمل بشكل متواصل حتى اليوم. ويتخذ البنك من قصر ساليمبيني التاريخي في مدينة سيينا مقراً له، محافظاً على إرث يمتد أكثر من خمسة قرون من التحولات الاقتصادية والسياسية.
ونشأ البنك بفكرة مزدوجة جمعت بين العمل الخيري والربح التجاري، إذ أرادت حكومة سيينا آنذاك دعم الفئات المحتاجة عبر قروض صغيرة قصيرة الأجل، مقابل ضمانات بسيطة لا تتجاوز ثلث قيمة القرض. وإذا تعثر المقترض يُباع الضمان وتنتهي المسألة من دون ملاحقات قضائية معقدة، ما منح البنك سمعة مختلفة عن المرابين التقليديين الذين أثاروا غضب الكنيسة في عصر النهضة.
وحظي المشروع بدعم كنسي واضح لأنه قُدِّم كأداة لخدمة المجتمع، وهو ما سمح له بالتمدد في بيئة كانت ترفض الربا بشدة. ومع ازدهار المدن الإيطالية مثل فلورنسا والبندقية برزت الحاجة إلى مؤسسات مالية قادرة على تمويل التجارة الدولية، في وقت كان نقل الذهب والفضة عبر المسافات الطويلة محفوفاً بالمخاطر.
وعلى مر القرون توسعت أنشطة البنك لتشمل قروض الأراضي والتمويل الزراعي، وأصبح لاعباً رئيسياً في اقتصاد توسكانا. وفي العصر الحديث صعد ليكون ضمن أكبر خمسة بنوك في إيطاليا، إذ بلغت أصوله عام 2007 نحو 270 مليار دولار، ووصل عدد موظفيه إلى أكثر من 33 ألفاً. غير أن مسيرته لم تخلُ من الأزمات؛ فقد أثار استحواذه عام 2007 على بنك أنتونفينيتا مقابل تسعة مليارات يورو جدلاً واسعاً، وخصوصاً بعد الأزمة المالية العالمية في 2008 التي كشفت هشاشة أوضاعه. وفي 2013 خضع لتحقيقات فساد ومعاملات مالية مشبوهة، قبل أن تضطر الحكومة الإيطالية إلى التدخل لإنقاذه عبر عمليات تأميم جزئي وضخ مليارات اليوروهات بين 2017 و2022.
الفصل الأكثر غموضاً في القصة كان وفاة دافيد روسي، مسؤول إدارة المخاطر في البنك، عام 2013، في حادثة سُجلت رسمياً على أنها انتحار، لكن ملابساتها أثارت تكهنات واسعة عن صراعات داخلية وضغوط هائلة. وهكذا يبقى أقدم بنك في العالم شاهداً على تداخل العمل الخيري بالسياسة، والمال بالسلطة، والتاريخ بالمأساة.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك