العدد : ١٧٥٠٨ - السبت ٢٨ فبراير ٢٠٢٦ م، الموافق ١١ رمضان ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٥٠٨ - السبت ٢٨ فبراير ٢٠٢٦ م، الموافق ١١ رمضان ١٤٤٧هـ

أخبار البحرين

مسلسل «أصحاب الأرض» وجراح أهل غزة

السبت ٢٨ فبراير ٢٠٢٦ - 02:00

بقلم‭: ‬الدكتورة‭ ‬هيا‭ ‬فريج

 

يتابعُ‭ ‬الغزّيون‭ ‬إسوة‭ ‬بالملايين‭ ‬من‭ ‬المشاهدين‭ ‬العرب‭ ‬المسلسلَ‭ ‬المصري‭ (‬أصحاب‭ ‬الأرض‭) ‬الذي‭ ‬يحكي‭ ‬قصةَ‭ ‬نكبتِهم‭ ‬بعد‭ ‬السابع‭ ‬من‭ ‬أكتوبر‭/‬تشرين‭ ‬الأول‭ ‬2023،‭ ‬معاندين‭ ‬بذلك‭ ‬كل‭ ‬التحذيرات‭ ‬بالامتناع‭ ‬عن‭ ‬مشاهدته؛‭ ‬كي‭ ‬لا‭ ‬تتجدد‭ ‬أوجاعهم‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬يشفوا‭ ‬منها،‭ ‬وكي‭ ‬لا‭ ‬تعادَ‭ ‬أمام‭ ‬أعينهم‭ ‬مشاهدُ‭ ‬عاشوها‭ ‬بدمائهم،‭ ‬وركامِ‭ ‬منازلهم،‭ ‬ونزوحهم‭ ‬المتكرر‭ ‬إلى‭ ‬اللامكان‭ ‬واللاأمان‭.‬

لن‭ ‬أطيلَ‭ ‬في‭ ‬الكلام‭ ‬عن‭ ‬دور‭ ‬مصر‭ ‬الإقليمي،‭ ‬ودعمِها‭ ‬المستمرّ‭ ‬غير‭ ‬المنقطع‭ ‬للقضية‭ ‬الفلسطينية،‭ ‬فشهادتي‭ ‬في‭ ‬مصر‭ ‬مجروحة‭.‬

‮ ‬مصرُ‭ ‬العظيمة‭ (‬شعبًا‭ ‬وقيادةً‭)‬،‮ ‬الحضنُ‭ ‬الدافئ‭ ‬لغزة،‭ ‬والحصنُ‭ ‬المنيعُ‭ ‬ضد‭ ‬التهجير،‭ ‬والسندُ‭ ‬الذي‭ ‬قدّم‭ ‬القوافل‭ ‬الإغاثية‭ ‬من‭ ‬قوتِ‭ ‬شعبه،‭ ‬ومدّ‭ ‬غزة‭ ‬بالدواء‭ ‬والغذاء‭ ‬والخيام،‭ ‬مصرُ‭ ‬بجماهيرها‭ ‬المليونية‭ ‬التي‭ ‬تهتف‭ ‬باسم‭ ‬القضية،‭ ‬وبجيشها‭ ‬خير‭ ‬أجناد‭ ‬الأرض‭ ‬المجهّز‭ ‬لصدّ‭ ‬أي‭ ‬تهديدٍ‭ ‬للسيادة‭ ‬المصرية،‭ ‬وبإعلامِها‭ ‬المضادّ‭ ‬الذي‭ ‬ينسفُ‭ ‬سرديةَ‭ ‬السرطان‭ ‬المتمركز‭ ‬خلف‭ ‬الحدود‭.‬

نشاهدُ‭ ‬المسلسلَ‭ ‬بعد‭ ‬تحميلِ‭ ‬حلقاتِه‭ ‬من‭ ‬الإنترنت‭ ‬الذي‭ ‬يأتينا‭ ‬بشقّ‭ ‬الأنفس،‭ ‬فأيُّنا‭ ‬يمتلكُ‭ ‬شاشة‭ ‬تلفاز‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬دُمّرَ‭ ‬منزله،‭ ‬وتنقّل‭ ‬بين‭ ‬عشرةِ‭ ‬منازل‭ ‬وسبعِ‭ ‬خيام؟

‭(‬مأساة‭ ‬لكل‭ ‬جيل‭)‬

لم‭ ‬نتلقَّ‭ ‬جلسات‭ ‬التعافي‭ ‬من‭ ‬الاضطرابات‭ ‬النفسية‭ ‬إثر‭ ‬الصدمات‭ ‬التي‭ ‬عشناها،‭ ‬ولم‭ ‬نستعدْ‭ ‬عافيتنا‭ ‬بعد‭ ‬سلاسل‭ ‬الأزمات،‭ ‬لكننا‭ ‬نكمل‭ ‬المسير‭ ‬في‭ ‬الحياة‭ ‬ذاتها،‭ ‬متعايشين‭ ‬مع‭ ‬الصواريخ‭ ‬والقذائف‭ ‬والطيران‭ ‬المسيّر،‭ ‬التي‭ ‬غدت‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬يومياتنا‭.‬

ليست‭ ‬هذه‭ ‬هي‭ ‬المرة‭ ‬الأولى‭ ‬التي‭ ‬توثق‭ ‬فيها‭ ‬الدراما‭ ‬العربية‭ ‬مأساة‭ ‬فلسطين،‭ ‬فقد‭ ‬عُرِضَ‭ ‬مسلسل‭ (‬التغريبة‭ ‬الفلسطينية‭) ‬عام‭ ‬2004م،‭ ‬مثلما‭ ‬قصّ‭ ‬أجدادنا‭ ‬علينا‭ ‬في‭ ‬رحلة‭ ‬التهجير‭ ‬الأولى‭ ‬عام‭ ‬1948‭.‬

لا‭ ‬أنسى‭ ‬ردود‭ ‬فعلِ‭ ‬جيلِ‭ ‬النكبةِ،‭ ‬كنتُ‭ ‬ألمحُ‭ ‬دموعَ‭ ‬الأجداد‭ ‬التي‭ ‬يمسحونها‭ ‬بكمّ‭ ‬ثوبهم،‭ ‬ما‭ ‬زلتُ‭ ‬أذكر‭ ‬كيف‭ ‬كانت‭ ‬النساءُ‭ ‬يلثمنَ‭ ‬شاشهنّ‭ ‬الأبيض‭ ‬في‭ ‬محاولةِ‭ ‬كتم‭ ‬الشهقات‭. ‬امتنعَ‭ ‬العديدُ‭ ‬منهم‭ ‬عن‭ ‬إكمال‭ ‬المسلسل،‭ ‬إذْ‭ ‬جاء‭ ‬ليعيدَ‭ ‬عرضَ‭ ‬مشاهدِ‭ ‬التهجيرِ‭ ‬المغروسة‭ ‬في‭ ‬ذاكرتهم،‭ ‬وليذكّر‭ ‬الأجيال‭ ‬بمعاناةِ‭ ‬الأجدادِ،‭ ‬وضياعِ‭ ‬بلادهم‭.‬

كما‭ ‬عرضت‭ ‬الشاشات،‭ ‬مسلسل‭ (‬الاجتياح‭) ‬عام‭ ‬2007‭ ‬الذي‭ ‬جسّد‭ ‬حصار‭ ‬مخيم‭ ‬جنين‭ ‬إبّان‭ ‬عملية‭ ‬‮«‬الدرع‭ ‬الواقي‮»‬‭ ‬عام‭ ‬2002م‭ ‬التي‭ ‬أعادت‭ ‬فيها‭ ‬إسرائيل‭ ‬احتلال‭ ‬الضفة‭ ‬الغربية‭.‬

واليومَ‭ ‬يعيد‭ ‬مسلسل‭ (‬أصحاب‭ ‬الأرض‭) ‬سرد‭ ‬نكبتِنا‭ ‬الثانيةِ‭ ‬في‭ ‬غزة،‭ ‬بمشاهدَ‭ ‬تمثيليةٍ‭ ‬واقعيةٍ‭ ‬ترتكزُ‭ ‬على‭ ‬حكاياتٍ‭ ‬حقيقيةٍ،‭ ‬مع‭ ‬تأكيدنا‭ ‬أنّ‭ ‬المأساة‭ ‬التي‭ ‬عشناها‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬لعقلٍ‭ ‬بشريٍّ‭ ‬أن‭ ‬يتصورها‭.‬

‮ ‬هذه‭ ‬الروايةُ‭ ‬التي‭ ‬نصرخُ‭ ‬منذ‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬سنتين؛‭ ‬كي‭ ‬نقنعَ‭ ‬العالمَ‭ ‬بها؛‭ ‬علّه‭ ‬يوقف‭ ‬العدوان‭ ‬ضدّنا،‭ ‬وينهيَ‭ ‬جرائم‭ ‬الإبادة‭ ‬المرتكبة‭ ‬بحقّنا،‭ ‬ويأذنَ‭ ‬بإعادة‭ ‬إعمارِ‭ ‬بيوتنا‭.‬

‭(‬ملحٌ‭ ‬على‭ ‬الجراح‭) ‬

أخذتُ‭ ‬جرعةً‭ ‬مكثّفة‭ ‬من‭ ‬المسلسل،‭ ‬ثلاث‭ ‬حلقات‭ ‬كفيلة‭ ‬بوصولي‭ ‬إلى‭ ‬التوتر‭ ‬الحادّ‭:‬‮ ‬

كل‭ ‬لقطةٍ‭ ‬يتسرّبُ‭ ‬منها‭ ‬الملحُ‭ ‬إلى‭ ‬الجرح‭ ‬المفتوحِ،‭ ‬كل‭ ‬مشهدٍ‭ ‬يلقيني‭ ‬فريسةً‭ ‬للذاكرةِ،‭ ‬كل‭ ‬حدثٍ‭ ‬يعيدُ‭ ‬شريطَ‭ ‬سنتين‭ ‬من‭ ‬الفقدِ‭ ‬واللوعةِ‭ ‬والحسرةِ‭.‬

تفرغُ‭ ‬بطارية‭ ‬الهاتف‭ ‬بعد‭ ‬مشاهدةِ‭ ‬الحلقات‭ ‬الثلاث،‭ ‬وتتركني‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬الأرق‭ ‬المكسوّ‭ ‬بالدموع‭ ‬على‭ ‬الوسادات‭ ‬الخشنة،‭ ‬والتقلّب‭ ‬على‭ ‬فراش‭ ‬النزوح‭ ‬الذي‭ ‬لم‭ ‬أعتدْ‭ ‬عليه‭ ‬حتى‭ ‬اليوم،‭ ‬من‭ ‬ينسى؟‭ ‬من‭ ‬يغفر؟‭ ‬من‭ ‬يسامح؟

كنتُ‭ ‬ممّن‭ ‬رفضَ‭ ‬رفضًا‭ ‬تاماً‭ ‬وقاطعاً‭ ‬النزوح‭ ‬إلى‭ ‬الجنوب،‭ ‬ورددنا‭ ‬طويلاً‭ ‬ما‭ ‬ردده‭ ‬الحاج‭ ‬‮«‬أبو‭ ‬رامي‮»‬‭ ‬في‭ ‬المسلسل‭: ‬‮«‬العمر‭ ‬واحد‭ ‬والرب‭ ‬واحد،‭ ‬انت‭ ‬بتصدق‭ ‬إنه‭ ‬في‭ ‬مكان‭ ‬آمن‭ ‬بغزة؟‮»‬‭. ‬ونِلنا‭ ‬نصيبنا‭ ‬بعدها‭ ‬من‭ ‬الابتلاء‭ ‬بالقلقِ‭ ‬والخوفِ‭ ‬والجوعِ‭ ‬ونقصِ‭ ‬الأموالِ‭ ‬والطعامِ‭ ‬والشتاتِ‭.‬

‮ ‬تقطّعت‭ ‬عائلتي‭ (‬مثلما‭ ‬تقطعت‭ ‬عائلة‭ ‬ناصر‭ ‬في‭ ‬المسلسل‭ ‬وكل‭ ‬عوائل‭ ‬غزة‭) ‬بين‭ ‬الشمال‭ ‬والجنوب،‭ ‬وحُرِمْتُ‭ ‬من‭ ‬رؤية‭ ‬والدي‭ ‬أربعة‭ ‬عشر‭ ‬شهراً،‭ ‬وحوصرت‭ ‬والدتي‭ ‬وجدّتي‭ ‬وعائلة‭ ‬أخي‭ ‬في‭ ‬حيّ‭ ‬الرمال،‭ ‬وبقينا‭ ‬قرابة‭ ‬الشهر‭ ‬محاصرين‭ ‬في‭ ‬الشمال‭ ‬لا‭ ‬نعرفُ‭ ‬شيئًا‭ ‬عن‭ ‬أخبار‭ ‬عائلتنا،‭ ‬وصُدِمنا‭ ‬بعدُ‭ ‬باعتقال‭ ‬أخوالنا،‭ ‬وحرق‭ ‬منزلنا‭.‬

كان‭ ‬سؤالُ‭ ‬إياد‭ ‬نصّار‭ ‬عن‭ ‬شارعِ‭ ‬الجلاء‭ - ‬الشارع‭ ‬الرئيس‭ ‬في‭ ‬مدينة‭ ‬غزة‭ ‬الذي‭ ‬يعرفه‭ ‬جميع‭ ‬أبنائها‭- ‬سؤالًا‭ ‬تافهاً‭ ‬للطبيبة‭ ‬المصرية،‭ ‬لكنّ‭ ‬الحربَ‭ ‬غيرت‭ ‬معالم‭ ‬البلاد،‭ ‬ولعلّ‭ ‬ردّ‭ ‬أحد‭ ‬المارة‭ ‬عليه‭ ‬كان‭ ‬حقيقةً‭ ‬عايشناها‭: ‬‮«‬مش‭ ‬حتعرف‭ ‬تمرق‭ ‬في‭ ‬اشتباكات‮»‬‭. ‬فقد‭ ‬تفرقنا‭ ‬بالضبط‭ ‬عند‭ ‬مفترق‭ ‬الوحدة‭ ‬بشارع‭ ‬الجلاء،‭ ‬إذ‭ ‬غامرت‭ ‬السيارة‭ ‬التي‭ ‬تقلُّ‭ ‬والدتي‭ ‬وجدتي‭ ‬بالمرور‭ ‬في‭ ‬الشارع،‭ ‬بينما‭ ‬ظلّ‭ ‬إطلاقُ‭ ‬الرصاص‭ ‬علينا‭ ‬وعلى‭ ‬جموع‭ ‬النازحين‭ ‬في‭ ‬المدينة،‭ ‬لأكثر‭ ‬من‭ ‬ساعة‭ ‬كاملة،‭ ‬ونحن‭ ‬ننتظرُ‭ ‬توقفَ‭ ‬الاشتباكات،‭ ‬أو‭ ‬تراجعَ‭ ‬حدتِها؛‭ ‬لنعيدَ‭ ‬خطواتِنا‭ ‬للخلف،‭ ‬تمامًا‭ ‬مثلما‭ ‬اختبأ‭ ‬ناصر‭ ‬وسلمى‭ ‬منتظرين‭ ‬انتهاء‭ ‬حفلة‭ ‬الجنون‭ ‬التي‭ ‬يقيمها‭ ‬الجنود‭ ‬كلما‭ ‬شعروا‭ ‬بالملل‭ ‬أو‭ ‬العطش‭ ‬إلى‭ ‬الدماء‭.‬

كان‭ ‬القناصة‭ ‬المعتلون‭ ‬للعمارات‭ ‬في‭ ‬المدينة‭ ‬يمارسون‭ ‬هواية‭ ‬صيدِ‭ ‬البطّ،‭ ‬والتدرّب‭ ‬على‭ ‬إطلاق‭ ‬الرصاص‭ ‬على‭ ‬الرؤوس‭ ‬والأقدام،‭ ‬ولا‭ ‬مكانَ‭ ‬نهربُ‭ ‬فيه‭ ‬من‭ ‬الرصاص‭.‬

أخفيتُ‭ ‬خبرَ‭ ‬استشهاد‭ ‬جدي‭ ‬عن‭ ‬خالتي‭ ‬في‭ ‬مصر،‭ ‬رغم‭ ‬إلحاحِها‭ ‬عليّ‭ ‬في‭ ‬السؤال،‭ ‬وشعورِها‭ ‬بأن‭ ‬ثمّة‭ ‬شيئًا‭ ‬أخفيهِ‭ ‬عنها،‭ ‬مثلما‭ ‬فعلت‭ ‬الطبيبة‭ ‬‮«‬سلمى‮»‬‭ ‬مع‭ ‬‮«‬الحاجة‭ ‬عطاف‮»‬‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬تدرِ‭ ‬باستشهادِ‭ ‬حفيدِها‭.‬

اعتلت‭ ‬‮«‬سلمى‮»‬‭ ‬في‭ ‬المسلسل‭ ‬سطحِ‭ ‬المشفى؛‭ ‬لالتقاط‭ ‬شبكة‭ ‬الاتصال،‭ ‬مثلما‭ ‬كنتُ‭ ‬أهربُ‭ ‬إلى‭ ‬السطحِ،‭ ‬متخذةً‭ ‬من‭ ‬ألواح‭ ‬الطاقة‭ ‬الشمسية‭ ‬ساتراً‭ ‬ضد‭ ‬الرصاص،‭ ‬أثناءِ‭ ‬وجود‭ ‬الجيش‭ ‬بالحارة؛‭ ‬كي‭ ‬ألتقط‭ ‬إشارة‭ ‬الهاتف،‭ ‬لأطمئنَ‭ ‬أهلي‭ ‬الذين‭ ‬كانوا‭ ‬في‭ ‬الخيام‭ ‬جنوب‭ ‬القطاع،‭ ‬وتتلوّع‭ ‬قلوبهم‭ ‬على‭ ‬من‭ ‬تركوا‭ ‬في‭ ‬الشمال‭.‬

بكيتُ‭ ‬في‭ ‬مشهدِ‭ ‬قتلِ‭ ‬جار‭ ‬ناصر‭ ‬برصاص‭ ‬الكواد‭ ‬كابتر أثناء‭ ‬محاولة‭ ‬إنقاذ‭ ‬الطفل‭ ‬‮«‬يونس‮»‬،‭ ‬لا‭ ‬رحمةَ‭ ‬في‭ ‬قلبِ‭ ‬الجنديِّ،‮ ‬فكلُّ‭ ‬غزاويّ‭ ‬على‭ ‬الأرض‭ ‬ندٌّ‭ ‬للجنديّ،‭ ‬وشريكٌ‭ ‬في‭ ‬جريمة‭ ‬العبور‭. ‬قد‭ ‬يشكلُ‭ ‬خطرًا‭ ‬وجوديًّا‭ ‬عليه،‭ ‬بما‭ ‬يحملُه‭ ‬من‭ ‬بذرةِ‭ ‬التمردِ،‭ ‬التي‭ ‬يجب‭ ‬سحقُها‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تصبح‭ ‬برعماً،‭ ‬الغزاويُّ‭ ‬يحملُ‭ ‬التراب‭ ‬في‭ ‬يديه،‭ ‬فيصير‭ ‬سلاحًا،‭ ‬وعليه‭ ‬فإن‭ ‬أثره‭ ‬لا‭ ‬يزول‭ ‬إلا‭ ‬باقتلاعِه‭.‬

في‭ ‬حرب‭ ‬غزةَ،‭ ‬كان‭ ‬كلّ‭ ‬جسم‭ ‬على‭ ‬الأرضِ‭ ‬المحروقةِ‭ ‬هدفاً‭ ‬لا‭ ‬يخطئه‭ ‬الرصاص،‭ ‬في‭ ‬حارتنا‭ ‬أطلق‭ ‬قناصٌ‭ ‬الرصاص‭ ‬على‭ (‬أشرف‭)‬،‭ ‬فَهبّ‭ ‬جاره‭ ‬المأسوف‭ ‬على‭ ‬شبابه‭ (‬غسان‭) ‬لانتشال‭ ‬جثة‭ ‬جاره،‭ ‬فأردوه‭ ‬شهيدًا‭ ‬فوقه‭ ‬برصاص‭  ‬القناصّ‭ ‬نفسه،‭ ‬وورِيَ‭ ‬جثمانهما‭ ‬معًا‭ ‬في‭ ‬مقبرةٍ‭ ‬مؤقتةٍ‭ ‬مستحدثةٍ،‭ ‬ثم‭ ‬أعيد‭ ‬دفنهما‭ ‬في‭ ‬مقبرة‭ ‬الفالوجة‭ ‬التي‭ ‬بعثر‭ ‬الجيش‭ ‬قبورها،‭ ‬مثلما‭ ‬عاث‭ ‬فسادًا‭ ‬في‭ ‬معظم‭ ‬مقابر‭ ‬القطاع؛‭ ‬مدعيًا‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬جثث‭ ‬الرهائن‭.‬‮ ‬

انتفضَ‭ ‬جسدي‭ ‬مع‭ ‬كل‭ ‬صرخة‭ ‬لناصر‭ ‬على‭ ‬أهله‭ ‬بعد‭ ‬قصف‭ ‬منزلهم‭ (‬عمر‭.. ‬أسامة‭.. ‬يونس‭) ‬أتذكرُ‭ ‬صراخنا‭ ‬وسط‭ ‬أكوام‭ ‬الحجارة‭ ‬التي‭ ‬تضرب‭ ‬رؤوسنا‭ ‬وأرجلنا،‭ ‬ونداءنا‭ ‬الخافت‭ ‬من‭ ‬تحت‭ ‬الأنقاض‭ ‬متفقدين‭ ‬بعضنا‭ (‬محمد؟‭ ‬محمود؟‭ ‬هلا؟‭ ‬مي؟‭ ‬أمانة‭ ‬تردّوا‭..).‬

كنتُ‭ ‬واعية‭ ‬تمامًا‭ ‬أرفض‭ ‬أن‭ ‬أنجرف‭ ‬نحو‭ ‬كتلة‭ ‬النار‭ ‬الملتهبة‭ ‬تحتنا،‭ ‬كنّا‭ ‬غرقى‭ ‬وسط‭ ‬دوّامة‭ ‬الانفجار التي‭ ‬تحاولُ‭ ‬سحبنا،‭ ‬نتشبّثُ‭ ‬بالحياة،‭ ‬نركلُ‭ ‬الموتَ‭ ‬المتربصَ،‭ ‬وننظرُ‭ ‬تحتنا‭ ‬إلى‭ ‬أنقاضِ‭ ‬عمارتنا‭ ‬التي‭ ‬وضع‭ ‬الجيش‭ ‬تحتها‭ ‬براميله‭ ‬المتفجرة‭.‬

لم‭ ‬نتكلم‭ ‬بعدها،‭ ‬كنّا‭ ‬مذهولين‭ ‬فقط،‭ ‬نفكّرُ‭ ‬في‭ ‬مكانٍ‭ ‬يؤوينا‭ ‬بعد‭ ‬فقدان‭ ‬المأوى،‭ ‬وكيف‭ ‬لنا‭ ‬أن‭ ‬نفلتَ‭ ‬من‭ ‬فكّي‭ ‬الكمّاشة‭ ‬المطبقة‭ ‬على‭ ‬المخيم‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬النواحي؟

كانت‭ ‬نتيجة‭ ‬المعادلة‭ ‬بكل‭ ‬بساطة‭: ‬لم‭ ‬نغادرْ‭ ‬الشمال‭ ‬رفضاً‭ ‬لترك‭ ‬بيوتنا،‭ ‬فقرّر‭ ‬الجيش‭ ‬هدمَها‭ ‬فوق‭ ‬رؤوسِنا‭.‬

استطعنا‭ ‬الخروج‭ ‬صباح‭ ‬ذلك‭ ‬اليوم‭ ‬إلى‭ ‬مكان‭ ‬آخر‭ ‬في‭ ‬مخيم‭ ‬جباليا،‭ ‬بينما‭ ‬لم‭ ‬يستطع‭ ‬جيرانٌ‭ ‬آخرون‭ ‬الخروجَ‭ ‬من‭ ‬بيوتهم‭ ‬بسبب‭ ‬وجود‭ ‬الآلياتِ‭ ‬في‭ ‬الشوارعِ‭. ‬ناشدوا‭ ‬الصليب‭ ‬الأحمر‭ ‬والمؤسسات‭ ‬الدولية‭ ‬لتأمينِ‭ ‬خروجهم‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬الدبابات،‭ ‬لكن‭ ‬مناشداتهم‭ ‬لم‭ ‬تُسْمَعْ؛‭ ‬لوجودهم‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬عسكرية‭ ‬مغلقة،‭ ‬وقد‭ ‬وصلت‭ ‬مناشدتهم‭ ‬الجيش‭ ‬الإنسانيّ‭ ‬فقرّرَ‭ ‬قصف‭ ‬منزلهم‭ ‬بعد‭ ‬ذلك؛‭ ‬ليُدفنوا‭ ‬تحت‭ ‬أنقاضِه‭.‬

تطرق‭ ‬المسلسلُ‭ ‬أيضًا‭ ‬إلى‭ ‬معاناتِنا‭ ‬اليومية،‭ ‬من‭ ‬بحثِ‭ ‬الغزيين‭ ‬عن‭ ‬المكان‭ ‬الآمن،‭ ‬ومقتلِهم‭ ‬في‭ ‬أثناءِ‭ ‬نزوحهم،‭ ‬وقصفِ‭ ‬المشافي‭ ‬والمدارسِ‭ ‬التي‭ ‬ينزحون‭ ‬إليها،‭ ‬وسقوطِ‭ ‬الضحايا‭ ‬في‭ ‬معاركِ‭ ‬الطحين،‭ ‬وانقطاعِ‭ ‬الماء‭ ‬والدواء،‭ ‬فقد‭ ‬شربنا‭ - ‬في‭ ‬شمال‭ ‬غزة‭ - ‬ماءَ‭ ‬البحر‭ ‬المالح،‭ ‬وأكلنا‭ ‬الطعامَ‭ ‬الفاسد‭ ‬وعلفَ‭ ‬الدجاج‭.‬

ورغم‭ ‬كل‭ ‬الإشادات‭ ‬بحرصِ‭ ‬المسلسل‭ ‬على‭ ‬إبراز‭ ‬حقيقة‭ ‬الاعتداءات،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬‮«‬ناصر‮»‬‭ ‬وقعَ‭ ‬في‭ ‬سقطةِ‭ ‬إغلاق‭ ‬ستائر‭ ‬غرف‭ ‬المشفى‭ ‬وقت‭ ‬اقتحام‭ ‬الجيش‭ ‬له،‭ ‬إذ‭ ‬لا‭ ‬يوجد‭ ‬الجيش‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬إلا‭ ‬مع‭ ‬غطاء‭ ‬ناري‭ ‬كثيف،‭ ‬ولا‭ ‬يكون‭ ‬الاقتحام‭ ‬بهذا‭ ‬الهدوء،‭ ‬وإنما‭ ‬بالصلف‭ ‬والهمجية‭ ‬والتعالي،‭ ‬واستعراضِ‭ ‬القوة‭. ‬فلا‭ ‬يستطيعُ‭ ‬أيُّ‭ ‬فردٍ‭ ‬الحركة‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬مكانٍ‭ ‬أثناء‭ ‬وجود‭ ‬القوات،‭ ‬أي‭ ‬أن‭ ‬مجرد‭ ‬محاولةِ‭ ‬قفل‭ ‬الباب،‭ ‬أو‭ ‬تحريك‭ ‬الشباك،‭ ‬أو‭ ‬إغلاق‭ ‬الستائر‭ ‬يعني‭ ‬فقدانَ‭ ‬حياتك،‭ ‬وحياةَ‭ ‬عائلتِك‭.‬

حتى‭ ‬جاء‭ ‬مشهدُ‭ ‬إخفاء‭ ‬الدكتورة‭ ‬‮«‬سلمى‮»‬‭ ‬لناصر‭ ‬عبثيًّا،‭ ‬إذ‭ ‬أثبتت‭ ‬الحرب‭ ‬تفوّق‭ ‬الاحتلال‭ ‬العسكري‭ ‬والاستخباراتي‭ ‬والتكنولوجي،‭ ‬في‭ ‬الرصد‭ ‬والمتابعة‭ ‬والتفتيش،‭ ‬ولعلّ‭ ‬الكلّ‭ ‬يحكي‭ ‬قصته‭ ‬مع‭ ‬الدرون‭ ‬أو‭ ‬الكواد‭ ‬كابتر‭ ‬التي‭ ‬تقف‭ ‬على‭ ‬شبابيك‭ ‬البيوت،‭ ‬وفوق‭ ‬الخيام،‭ ‬وعلى‭ ‬الحواجز،‭ ‬وفي‭ ‬نقاط‭ ‬التفتيش‭ ‬تتفحص‭ ‬وجوه‭ ‬الناس،‭ ‬وتطلق‭ ‬الرصاص‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬متحركٍ‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أي‭ ‬هدف‭.‬

ويكفي‭ ‬هذا‭ ‬المسلسل‭ ‬نجاحًا‭ ‬أن‭ ‬رسائله‭ ‬الناعمة‭ ‬والقوية‭ ‬قضّت‭ ‬مضاجعهم،‭ ‬وأن‭ ‬مشاهده‭ ‬التمثيلية‭ ‬هزّت‭ ‬مشاعر‭ ‬الملايين‭ ‬المتعاطفين‭ ‬مع‭ ‬القضية‭ ‬الفلسطينية‭ ‬العادلة،‭ ‬مؤكدةً‭ ‬أن‭ ‬صاحبَ‭ ‬الأرض‭ ‬متجذرٌ‭ ‬فيها،‭ ‬لا‭ ‬تهزه‭ ‬الريح،‭ ‬ولا‭ ‬تقتلعه‭ ‬العواصف‭.‬

باحثة‭ ‬فلسطينية‭ ‬من‭ ‬غزة‭ ‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا