تطرّق مسلسل «درب الزلق» لمناقشة مسألة الثراء المفاجئ وسوء استثماره
ساهمت الدراما في تشكيل الوعي الخليجي والعربي
مسرح الكويت صوتاً حراً ومدرسة خرجت أجيالاً من المبدعين
تقرير: فاطمة اليوسف
من منا ينسى “خالتي قماشة” بشخصيتها الصارمة الطريفة التي جسدتها الفنانة القديرة حياة الفهد؟ ومن يستطيع أن يتجاوز الضحكات التي صنعتها حلقات “درب الزلق” حين اجتمع العملاقان الراحل عبدالحسين عبدالرضا والفنان القدير سعد الفرج والفنانان الراحلان علي المفيدي وخالد النفيسي ونخبة من نجوم الكويت والوطن العربي الذين اجتمعوا جميعًا في عملٍ صار علامة فارقة في تاريخ الكوميديا الخليجية؟ ومن لم تلامس وجدانه قيم الوفاء والتربية التي حملها مسلسل “إلى أبي وأمي مع التحية”؟
لم تكن هذه الأعمال مجرد مسلسلات عابرة، بل هي ذاكرة جيلٍ كامل، وصوت مجتمعٍ كان يتشكل ويتغير، ومرآة وطنٍ كتب تاريخه الفني بحروف من ذهب.
حين نتأمل تاريخ الدراما في الكويت، ندرك أننا لا نتحدث عن إنتاج فني فحسب، بل عن مشروع ثقافي متكامل، ساهم في تشكيل الوعي الخليجي والعربي، وعبّر بصدق عن قضايا الإنسان الكويتي خاصة والخليجي والعربي عامة وعن وهمومه وتطلعاته. فمنذ بداياتها الأولى في ستينيات القرن الماضي، وحتى يومنا هذا، حافظت الدراما الكويتية على حضورها القوي، وأثبتت قدرتها على التجدد ومواكبة المتغيرات.
بمناسبة احتفالات دولة الكويت الشقيقة بيومها الوطني، خصصنا “عالم الشهرة” هذا الأسبوع لمشاركة الكويت الحبيبة وشعبها احتفالاتهم، بإعادة الحنين للماضي قليلاً، والوقوف على تاريخ الدراما الكويتية والمسرح الكويتي، ذلك التاريخ الذي صنع وجدان أجيالٍ متعاقبة، ورسّخ مكانة الكويت كواحدة من أهم العواصم الثقافية والفنية في الخليج العربي.
إن الاحتفاء باليوم الوطني الكويتي ليس فقط استذكاراً لتاريخ سياسي أو إنجاز اقتصادي، بل هو أيضاً احتفاء بالهوية الثقافية والفنية التي شكّلت روح هذا الوطن، وكانت الدراما والمسرح من أبرز أعمدتها.
بدأت الحكاية مع الإذاعة في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، حيث كانت المسلسلات الإذاعية هي النواة الأولى للدراما الكويتية. تعلّم الفنانون أصول الأداء الصوتي، وتمرّسوا في بناء الشخصيات من خلال الكلمة والنبرة فقط، قبل أن تنتقل التجربة إلى الشاشة الصغيرة.
ومع انطلاق تلفزيون الكويت عام 1961، بدأت مرحلة جديدة من الإبداع. كانت الإمكانات بسيطة، لكن الطموح كان كبيراً. ظهرت أعمال درامية اجتماعية تناقش قضايا الأسرة، والتعليم، والتحولات الاجتماعية التي رافقت الطفرة النفطية.
وكان من أوائل الأعمال التي شكّلت وعي الجمهور درب الزلق، خالتي قماشة، إلى أبي وأمي مع التحية، الأقدار، رقية وسبيكة، على الدنيا السلام، مدينة الرياح، خرج ولم يعد، حبابة، سوق المقاصيص، زمان الإسكافي، الحظ والملايين، سليمان الطيب، عائلة فوق تنور ساخن، حيث أسهمت هذه الأعمال في ترسيخ القيم الاجتماعية ومناقشة قضايا الأسرة والتحولات بعد الطفرة النفطية وصراع الأصالة والحداثة ومكانة المرأة ونقد الطمع والفساد بأسلوب درامي وكوميدي ترك أثرًا واضحًا في ذاكرة المشاهد الخليجي والعربي.
هذه الأعمال وغيرها شكّلت حجر الأساس لما يُعرف اليوم بـ”العصر الذهبي” للدراما الكويتية في السبعينيات والثمانينيات.
(القضايا التي ناقشتها الدراما الكويتية القديمة)
لم تكن الدراما الكويتية مجرد ترفيه، بل كانت ولاتزال منبراً اجتماعياً جريئاً ، تُناقش من خلاله العديد من القضايا المهمة، منها التحولات الاجتماعية بعد الطفرة النفطية حيث تطرّق مسلسل “درب الزلق” لمناقشة مسألة الثراء المفاجئ وسوء استثماره، وانتقدت السلوكيات الخاطئة كالبحث عن الربح السريع دون تخطيط.
أما فيما يتعلق بالأسرة والتربية فقد جسّد “إلى أبي وأمي مع التحية” صورة الأسرة الكويتية المحافظة، وناقش دور المعلم والتربية السليمة في بناء المجتمع.
أما مسلسلي “خالتي قماشة” و”رقية وسبيكة”، فقد طرحا قضايا المرأة بين السلطة داخل الأسرة، والعادات والتقاليد، والصراع بين الحق والباطل والمطالبة بالحقوق داخل الأسرة الواحدة ومحاولة إثبات الذات في المجتمع.
ولم تتوقف إبداعات الدراما الكويتية عند ذلك فحسب، بل تناولت الفوارق الطبقية من خلال الكثير من الأعمال الدرامية الكويتية، وناقشت الفجوة بين الطبقات الاجتماعية، وأثر المال على العلاقات الإنسانية.
كما سلّطت أعمال عديدة الضوء على طموح الإنسان البسيط، وصراعه مع الظروف، وقيم الصبر والاجتهاد.
ومن بين أهم النجوم الذين صنعتهم الدراما الكويتية وصنعوا مجدها بقدراتهم وإبداعاتهم التي بقيت راسخة في أذهاننا هم الفنان الراحل عبدالحسين عبدالرضا الذي يُعد أيقونة الكوميديا الهادفة، فقد جمع بين الضحك والنقد السياسي والاجتماعي والفنان القدير سعد الفرج الذي يعتبر فنانًا شاملاً حيث قدّم ولا زال يقدّم أدواراً عميقة ومؤثرة. بالإضافة للفنانة القديرة حياة الفهد سيدة الشاشة الخليجية، التي قدّمت شخصيات نسائية لا تُنس. وسندريلا الشاشة الخليجية سعاد عبدالله التي تُعد رمز الدراما الاجتماعية، وصاحبة حضور إنساني مؤثر والفنانة القديرة مريم الصالح التي تعتبر واحدة من أول امرأتين كويتيتين إلى جانب الفنانة الراحلة مريم الغضبان، تقف على خشبة المسرح وقد أُطلق عليها رائدة الفن الخليجي.
ولا ننسى الفنان القدير إبراهيم الصلال والفنانين الراحلين خالد النفيسي وغانم الصالح و علي المفيدي والفنانتين الراحلتين مريم الغضبان وانتصار الشراح، هؤلاء الفنانون لم يكونوا مجرد ممثلين، بل كانوا مدارس فنية قائمة بذاتها، نقلوا الدراما الكويتية إلى آفاق عربية أوسع.
(المسرح الكويتي… أبو الفنون وبداية الحكاية)
إذا كانت الدراما التلفزيونية قد صنعت الانتشار، فإن المسرح كان هو المدرسة الأولى التي تخرّج منها معظم النجوم. منذ تأسيس الفرق المسرحية في الستينيات مثل فرقة المسرح العربي، وفرقة المسرح الشعبي، بدأت الحركة المسرحية تزدهر وتتناول قضايا المجتمع بجرأة.
وكان من بين أهم المسرحيات القديمة التي أثرت المسرح وأضحكت وأبكت الجمهور بكل صدق:
باي باي لندن، سيف العرب، حامي الديار، على هامان يا فرعون، بني صامت، الكويت سنة 2000، عزوبي السالمية وغيرهم الكثير..
كانت هذه المسرحيات تمزج بين الكوميديا والنقد السياسي والاجتماعي، وتعتمد على الإسقاط الذكي دون إسفاف.
عُرف المسرح الكويتي بجرأته في طرح قضايا حساسة، وكان الجمهور يقصد المسرح لا للضحك فقط، بل لسماع كلمة صادقة تعبّر عن همومه فالمسرح الحقيقي يُعتبر منصة للنقد والوعي.
وتألق فنانو المسرح الكويتي فصنعوا علاقة خاصة بين المسرح والجمهور، علاقة قائمة على الثقة والوعي المشترك.
(بين الماضي والحاضر… استمرارية الإبداع)
ورغم تغير الأزمنة وتبدّل الأذواق، ظلّت الدراما الكويتية محافظة على هويتها. ومع دخول الألفية الجديدة، تطورت التقنيات وتنوعت الموضوعات، لكن بقيت رسالة الفن الكويتي هي معالجة قضايا المجتمع بصدق وجرأة.
إن استعادتنا لذكريات الدراما والمسرح الكويتي اليوم ليسا مجرد حنين عابر، بل هو استحضار لقيم فنية راسخة، وأسلوب درامي كان يحترم عقل المشاهد ويخاطب وجدانه.
في يومها الوطني، لا نحتفي بالكويت فقط كدولة ذات تاريخ سياسي مشرف، بل كمنارة ثقافية وفنية أثرت الساحة الخليجية والعربية فقد كانت الدراما والمسرح في الكويت صوتاً حراً، ومرآة صادقة، ومدرسة خرجت أجيالاً من المبدعين.
وستبقى أسماء مثل عبدالحسين عبدالرضا، حياة الفهد، سعاد عبدالله، سعد الفرج، وغانم الصالح محفورة في الذاكرة، كما ستظل أعمالهم خالدة تُعرض وتُشاهد، وتُضحكنا وتُبكينا في آنٍ واحد.
الدراما الكويتية ليست مجرد تاريخ فني، بل هي قصة وطن… وطن آمن بالكلمة، فصنعت له مجداً لا يُنسى.


هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك