العدد : ١٧٤٩٥ - الأحد ١٥ فبراير ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٧ شعبان ١٤٤٧هـ

العدد : ١٧٤٩٥ - الأحد ١٥ فبراير ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٧ شعبان ١٤٤٧هـ

الصفحة الأخيرة

سر مخبأ في الجلد قد يعيد الشباب ويصلح الندوب

الأحد ١٥ فبراير ٢٠٢٦ - 02:00

في‭ ‬تطور‭ ‬علمي‭ ‬لافت‭ ‬تمكن‭ ‬باحثون‭ ‬من‭ ‬اكتشاف‭ ‬تفصيل‭ ‬دقيق‭ ‬في‭ ‬بنية‭ ‬الجلد‭ ‬البشري‭ ‬قد‭ ‬يغير‭ ‬جذريا‭ ‬مفاهيمنا‭ ‬حول‭ ‬شيخوخة‭ ‬الجلد‭ ‬وإصلاح‭ ‬الندوب‭.‬

وهذا‭ ‬الاكتشاف،‭ ‬الذي‭ ‬قد‭ ‬يبدو‭ ‬للوهلة‭ ‬الأولى‭ ‬مجرد‭ ‬تفصيل‭ ‬تشريحي‭ ‬صغير،‭ ‬يحمل‭ ‬إمكانيات‭ ‬هائلة‭ ‬لتطوير‭ ‬علاجات‭ ‬تجميلية‭ ‬وطبية‭ ‬ثورية‭.‬

ويكمن‭ ‬السر‭ ‬في‭ ‬تراكيب‭ ‬مجهرية‭ ‬تشبه‭ ‬التموجات‭ ‬الصغيرة،‭ ‬توجد‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬الفاصلة‭ ‬بين‭ ‬طبقتي‭ ‬الجلد‭ ‬الخارجية‭ (‬البشرة‭) ‬والداخلية‭ (‬الأدمة‭).‬

وتعرف‭ ‬هذه‭ ‬التراكيب‭ ‬علميا‭ ‬باسم‭ ‬‮«‬الحليمات‭ ‬الجلدية‮»‬‭.(‬Rete‭ ‬ridges‭) ‬ولسنوات‭ ‬عديدة‭ ‬كان‭ ‬الاعتقاد‭ ‬السائد‭ ‬بين‭ ‬العلماء‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الحليمات‭ ‬تتشكل‭ ‬خلال‭ ‬المراحل‭ ‬المبكرة‭ ‬من‭ ‬تطور‭ ‬الجنين‭ ‬في‭ ‬الرحم،‭ ‬أي‭ ‬قبل‭ ‬الولادة‭. ‬لكن‭ ‬فريقا‭ ‬بحثيا‭ ‬من‭ ‬كلية‭ ‬الطب‭ ‬البيطري‭ ‬بجامعة‭ ‬ولاية‭ ‬واشنطن،‭ ‬قلب‭ ‬هذا‭ ‬المفهوم‭ ‬رأسا‭ ‬على‭ ‬عقب‭. ‬فقد‭ ‬أثبت‭ ‬الباحثون،‭ ‬وفقا‭ ‬للنتائج‭ ‬التي‭ ‬نشرتها‭ ‬مجلة‭ ‬Nature،‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الحليمات‭ ‬الجلدية‭ ‬لا‭ ‬تظهر‭ ‬قبل‭ ‬الولادة،‭ ‬بل‭ ‬بعدها‭ ‬بفترة‭ ‬وجيزة‭.‬

ما‭ ‬هي‭ ‬الحليمات‭ ‬الجلدية‭ ‬وما‭ ‬وظيفتها؟

يشبهها‭ ‬الباحث‭ ‬الرئيسي‭ ‬ريان‭ ‬دريسكل،‭ ‬الأستاذ‭ ‬المشارك‭ ‬بالجامعة،‭ ‬بقطع‭ ‬‮«‬الفيلكرو‮»‬‭ (‬Velcro‭) ‬البيولوجية‭. ‬فهذه‭ ‬التموجات‭ ‬تعمل‭ ‬على‭ ‬تثبيت‭ ‬طبقة‭ ‬البشرة‭ ‬بالأدمة‭ ‬تحتها‭ ‬بشكل‭ ‬محكم،‭ ‬ما‭ ‬يمنح‭ ‬الجلد‭ ‬قوته‭ ‬ومرونته‭. ‬عندما‭ ‬يكون‭ ‬الجلد‭ ‬شابا،‭ ‬تكون‭ ‬هذه‭ ‬الحليمات‭ ‬عميقة‭ ‬ومتشابكة‭ ‬بقوة،‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬البشرة‭ ‬مشدودة‭ ‬وممتلئة‭.‬

ومع‭ ‬التقدم‭ ‬في‭ ‬العمر،‭ ‬تتلاشى‭ ‬هذه‭ ‬الحليمات‭ ‬تدريجيا‭. ‬وهذه‭ ‬العملية‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬تؤدي‭ ‬إلى‭ ‬ظهور‭ ‬علامات‭ ‬الشيخوخة‭: ‬يصبح‭ ‬الجلد‭ ‬أرق،‭ ‬ويفقد‭ ‬مرونته،‭ ‬ويبدأ‭ ‬بالترهل‭ ‬والتجعد‭. ‬لذا،‭ ‬فإن‭ ‬فهم‭ ‬كيفية‭ ‬تشكل‭ ‬هذه‭ ‬الحليمات‭ ‬هو‭ ‬مفتاح‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬شباب‭ ‬الجلد‭.‬

واستغرق‭ ‬العلماء‭ ‬كل‭ ‬هذا‭ ‬الوقت‭ ‬لاكتشاف‭ ‬هذا‭ ‬الأمر‭ ‬بسبب‭ ‬خطأ‭ ‬منهجي‭ ‬في‭ ‬الكائنات‭ ‬المستخدمة‭ ‬كنماذج‭ ‬بحثية‭. ‬فقد‭ ‬اعتمدت‭ ‬الأبحاث‭ ‬لعقود‭ ‬على‭ ‬الفئران‭ ‬والقرود‭ ‬كنماذج‭ ‬قريبة‭ ‬من‭ ‬البشر‭.‬

ويقول‭ ‬شون‭ ‬طومسون،‭ ‬طالب‭ ‬الدكتوراه‭ ‬والمؤلف‭ ‬الأول‭ ‬للدراسة‭: ‬‮«‬عند‭ ‬النظر‭ ‬إلى‭ ‬هذه‭ ‬الحيوانات،‭ ‬نرى‭ ‬اختلافات‭ ‬في‭ ‬الفراء‭. ‬لكن‭ ‬تحت‭ ‬السطح،‭ ‬اكتشفنا‭ ‬أن‭ ‬الحيوانات‭ ‬ذات‭ ‬الجلد‭ ‬السميك،‭ ‬كالخنزير‭ ‬والدب‭ ‬الأمشط‭ ‬والدولفين،‭ ‬هي‭ ‬فقط‭ ‬من‭ ‬تمتلك‭ ‬حليمات‭ ‬جلدية‭ ‬مشابهة‭ ‬للإنسان‭. ‬أما‭ ‬الفئران‭ ‬والقرود،‭ ‬فجلدها‭ ‬رقيق‭ ‬ومغطى‭ ‬بالفراء‭ ‬وتفتقر‭ ‬تماما‭ ‬إلى‭ ‬هذه‭ ‬الحليمات‮»‬‭.‬

وقد‭ ‬قدم‭ ‬الدب‭ ‬الأمشط‭ ‬دليلا‭ ‬تطوريا‭ ‬مثيرا‭: ‬وجود‭ ‬هذه‭ ‬الحليمات‭ ‬لديها‭ ‬قاد‭ ‬هذا‭ ‬الدليل‭ ‬الباحثين‭ ‬لفرضية‭ ‬أن‭ ‬حجم‭ ‬الجسم‭ ‬وكثافة‭ ‬الجلد‭ ‬عاملان‭ ‬حاسمان‭ ‬في‭ ‬تطور‭ ‬هذه‭ ‬البنية‭. ‬لكن‭ ‬دراسة‭ ‬تطورها‭ ‬يوميا‭ ‬على‭ ‬الدببة‭ ‬أمر‭ ‬صعب،‭ ‬فتحول‭ ‬الفريق‭ ‬إلى‭ ‬الخنازير‭ ‬كنموذج‭ ‬مثالي‭.‬

وتمتلك‭ ‬الخنازير‭ ‬جلدا‭ ‬سميكا‭ ‬يشبه‭ ‬جلد‭ ‬الإنسان،‭ ‬ويمكن‭ ‬تتبع‭ ‬تطورها‭ ‬بدقة‭. ‬وبالتعاون‭ ‬مع‭ ‬مزارعين‭ ‬محليين،‭ ‬جمع‭ ‬الفريق‭ ‬عينات‭ ‬جلدية‭ ‬من‭ ‬خنازير‭ ‬في‭ ‬مراحل‭ ‬عمرية‭ ‬مختلفة،‭ ‬وأثبت‭ ‬التحليل‭ ‬أن‭ ‬الحليمات‭ ‬تتشكل‭ ‬بعد‭ ‬الولادة‭ ‬وليس‭ ‬قبلها‭.‬

ويقول‭ ‬دريسكل‭: ‬‮«‬كنا‭ ‬نتوقع‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬هذه‭ ‬التراكيب‭ ‬قد‭ ‬تشكلت‭ ‬قبل‭ ‬الولادة،‭ ‬لذا‭ ‬كانت‭ ‬مفاجأة‭ ‬رؤيتها‭ ‬تظهر‭ ‬بعد‭ ‬ذلك‭. ‬وهذا‭ ‬التوقيت‭ ‬يغير‭ ‬طريقة‭ ‬تفكيرنا‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬الجلد‭ ‬وإمكانية‭ ‬التأثير‭ ‬عليه‭ ‬لاحقا‭ ‬في‭ ‬الحياة‮»‬‭.‬

وباستخدام‭ ‬تقنيات‭ ‬متطورة‭ ‬في‭ ‬رسم‭ ‬الخرائط‭ ‬الجينية،‭ ‬حدد‭ ‬الفريق‭ ‬المسار‭ ‬البيولوجي‭ ‬المسؤول‭ ‬عن‭ ‬بناء‭ ‬هذه‭ ‬الحليمات‭: ‬‮«‬إشارات‭ ‬بروتين‭ ‬التخلق‭ ‬العظمي‮»‬‭ (‬BMP‭). ‬وهذا‭ ‬البروتين‭ ‬يعمل‭ ‬كمجموعة‭ ‬تعليمات‭ ‬جزيئية‭ ‬توجه‭ ‬الخلايا‭ ‬الجلدية‭ ‬للتنظيم‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬النسيج‭ ‬المعقد‭.‬

ولهذا‭ ‬الكشف‭ ‬أهمية‭ ‬علاجية‭ ‬هائلة‭. ‬فبما‭ ‬أن‭ ‬الحليمات‭ ‬تتلاشى‭ ‬مع‭ ‬العمر،‭ ‬فإن‭ ‬إعادة‭ ‬تنشيط‭ ‬مسار‭ ‬BMP‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬المفتاح‭ ‬لاستعادة‭ ‬بنية‭ ‬الجلد‭ ‬الشابة‭.‬

ويقول‭ ‬مكسيم‭ ‬بليكسوس،‭ ‬أستاذ‭ ‬بجامعة‭ ‬كاليفورنيا‭ ‬ومشارك‭ ‬في‭ ‬البحث‭: ‬‮«‬هذا‭ ‬الاكتشاف‭ ‬مثير‭ ‬لأنه‭ ‬يحمل‭ ‬إمكانات‭ ‬تطبيقية‭ ‬هائلة‭. ‬بروتينات‭ ‬BMP‭ ‬معتمدة‭ ‬بالفعل‭ ‬من‭ ‬إدارة‭ ‬الغذاء‭ ‬والدواء‭ ‬الأمريكية‭ ‬في‭ ‬تطبيقات‭ ‬تقويم‭ ‬الأسنان،‭ ‬ما‭ ‬يمهد‭ ‬الطريق‭ ‬لاستخدامها‭ ‬في‭ ‬علاج‭ ‬شيخوخة‭ ‬الجلد‭ ‬والندوب‮»‬‭.‬

وباختصار،‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬يبدو‭ ‬وكأنه‭ ‬مجرد‭ ‬تفصيل‭ ‬صغير‭ ‬في‭ ‬بنية‭ ‬الجلد،‭ ‬تحول‭ ‬إلى‭ ‬نافذة‭ ‬جديدة‭ ‬لفهم‭ ‬آليات‭ ‬الشيخوخة‭ ‬والإصلاح‭. ‬وهذا‭ ‬البحث‭ ‬لا‭ ‬يقدم‭ ‬فقط‭ ‬تفسيرا‭ ‬لشيخوخة‭ ‬الجلد،‭ ‬بل‭ ‬يزودنا‭ ‬أيضا‭ ‬بمخطط‭ ‬بناء‭ ‬يمكننا‭ ‬من‭ ‬استعادة‭ ‬شبابه‭ ‬بطرق‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬ممكنة‭ ‬من‭ ‬قبل‭. ‬إنه‭ ‬تذكير‭ ‬بأن‭ ‬أعظم‭ ‬الاكتشافات‭ ‬العلمية‭ ‬غالبا‭ ‬ما‭ ‬تختبئ‭ ‬في‭ ‬أدق‭ ‬التفاصيل‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا