كتب: أحمد عبدالحميد
تصوير: عبدالأمير السلاطنة
نظم مركز البحرين للدراسات الاستراتيجية والدولية والطاقة «دراسات» حوارا فكريا بعنوان «رؤى تحليلية حول مشروع تحديث مصفاة بابكو للتكرير»، استناداً إلى الدراسة التحليلية المهمة التي أصدرها مؤخراً، التي وثّقت التحول الهيكلي العميق الذي أحدثه المشروع في قطاع التكرير والطاقة في مملكة البحرين، وبيّنت انعكاساته الاقتصادية والصناعية والبيئية على المستويين الوطني والإقليمي.
وشارك في الحوار المهندس السيد محمود المعتوق نائب رئيس تنفيذي للخدمات الفنية والشؤون الهندسية رئيس مشروع تحديث المصفاة بالوكالة في شركة بابكو للتكرير، ونخبة من المتخصصين والباحثين، إلى جانب معدّي الدراسة، وهم: الدكتور عبدالله عيسى العباسي مدير برنامج دراسات الطاقة والبيئة في المركز، والمهندسة سبيكة خالد إسماعيل المحلل المساعد، والأستاذ المشارك الدكتور محمد علي بن شمس رئيس قسم الهندسة الكيميائية في جامعة البحرين؛ بحضور عدد من الشخصيات الوطنية المعنية بملف الطاقة والتنمية المستدامة والمهتمين، ضمن نقاش ركّز على قراءة نتائج الدراسة وتحليل مضامينها الاستراتيجية.
وقال المهندس السيد محمود المعتوق إن بابكو، التي تأسست منذ 90 عاماً، تُعتبر العمود الفقري الاقتصادي للبلاد، وتتمتع بمهمة واضحة للمساهمة في التنمية الصناعية في البحرين، كما تقوم الشركة بمعالجة النفط الخام، حيث يتم استخراج حوالي 30000 إلى 35000 برميل من حقل البحرين، بينما يتم نقل الكمية المتبقية عبر خط أنابيب البحرين-السعودية الذي تبلغ سعته حوالي 350000 برميل.
وأوضح أن شركة بابكو تصدر حوالي 80% من منتجاتها، بينما يبلغ الاستهلاك المحلي في البحرين نحو 25000 برميل يوميًا من البنزين بأنواعه (العادي، الممتاز، والسوبر)، بالإضافة إلى نحو 1000 برميل يوميًا من غاز البوتان، والديزل، وزيت الوقود، ووقود الطائرات.
وأكد أن المصفاة التي افتتحت عام 1932 لا تزال تستخدم بعض الوحدات الأصلية منذ ثلاثينيات القرن الماضي، ما يجعل التحديث ضروريًا لتحسين الكفاءة والحفاظ على القدرة التنافسية.
وفيما يتعلق بالسلامة وتطوير التكنولوجيا أوضح المعتوق أن المصفاة الجديدة تعتمد على جميع التقنيات الحديثة مثل الذكاء الاصطناعي، وإنترنت الأشياء، والمركزية، مضيفا أن المصفاة الجديدة تتيح التكامل بين البيئة والسلامة والإدارة للمشغلين لاستخدام معدات حديثة لتحقيق كفاءة أعلى، وسعة أكبر، وعمليات أكثر أمانًا، مع تقليل عدد المشغلين من خمسة إلى ثلاثة لكل وحدة، مع تحمل مسؤوليات أكبر وتحسين في اتصال المعلومات.
بدوره أكد الدكتور عبدالله العباسي أن مصفاة بابكو أكبر مشروع في البحرين من حيث حجم الاستثمار، حيث بلغ 7.1 مليارات دولار، مع تمويل جزء منها عبر البنوك المحلية والدولية. وهو ما يعكس مدى الثقة التي أبدتها الجهات الاستثمارية والقطاعات المالية في سمعة الشركة وقيادتها وكوادرها الوطنية.
وأوضح الدكتور العباسي أن المشروع مدمج ضمن مجموعة شركات بابكو للطاقة ويتماشى مع الرؤية الاستراتيجية للشركة. وأشار إلى أنه رغم أن المشروع يزيد إنتاج النافثا بنسبة 110%، التي تعتبر حالياً ذات جدوى اقتصادية منخفضة للشركة، فإن هذا القرار الاستراتيجي يهيئ الشركة للتكامل المستقبلي في صناعة البتروكيماويات، حيث تمثل النافثا 62% من المواد الخام المستخدمة في هذه الصناعة.
ويسهم المشروع في تعزيز مرونة المصفاة عبر تحسين خلط المنتجات وتكاملها، كما يوفر قاعدة للاستثمارات البتروكيماوية المستقبلية في البحرين.
وقد استعرض الدكتور العباسي أربع وجهات نظر رئيسية هي: التكامل الداخلي لشركة بابكو، والمشهد الصناعي في البحرين، والتأثير الاقتصادي الوطني، والبُعد الدولي المرتبط بالاستدامة والانتقال في مجال الطاقة.
من جانبه شدد الدكتور محمد علي بن شمس على أهمية البحث التطبيقي والحاجة إلى تعزيز الوعي بقيمة البحث العلمي في دعم الازدهار الاقتصادي.
وذكر الاستراتيجية الوطنية للبحث العلمي (2014-2024) وحدد التحديات الرئيسية التي تشمل جعل البحث العلمي أولوية وطنية، وضمان توفير التمويل الكافي، وإنشاء هياكل حوكمة مناسبة للإشراف على البحث العلمي.
وتناول النقاش موضوع ريادة الأعمال والابتكار، حيث أوضح الدكتور بن شمس أن ريادة الأعمال الحقيقية تعني إيجاد حلول للتحديات أو المشاكل بطرق غير تقليدية، ما يستلزم الابتكار والقدرة على التوسع.
وشدد على أهمية ريادة الأعمال الهندسية التي تركز على حل مشكلات الطاقة بدلاً من مجرد إقامة مشاريع تجارية بسيطة.
وفيما يتعلق بالتوظيف وتطوير القدرات الوطنية أكد المهندس السيد محمود المعتوق دور شركة بابكو كواحدة من أكبر الشركات التي توظف الكفاءات الوطنية، حيث قامت مؤخرًا بتوظيف نحو 750 مهندسًا. وتركز الشركة على التوظيف بناءً على الكفاءة مع الحفاظ على التزامها تجاه المواطنين البحرينيين، كما أن التقدم التكنولوجي أتاح فرص عمل أكثر تنوعًا تشمل النساء في أدوار العمليات التي كانت سابقًا مقيدة بالمتطلبات البدنية.
وردا على التساؤلات أشار المعتوق إلى أن التحديات أمر طبيعي في المشاريع الكبرى، وأن المصفاة تلتزم بسداد ديونها بنجاح مع الحفاظ على موثوقية تشغيلية عالية تصل إلى 99%.
وتركّزت مداولات الحوار على ما خلُصت إليه الدراسة من أن مشروع تحديث مصفاة بابكو لم يكن توسعة فنية فحسب، بل نقلة نوعية أعادت تعريف دور مملكة البحرين في مشهد الطاقة الإقليمي، من خلال بناء منظومة تكرير متقدمة تتوافق مع أعلى المعايير العالمية في كفاءة التشغيل وجودة المنتجات والالتزام البيئي، ما وضع الشركة في موقع متقدم بين المصافي الحديثة في المنطقة.
ويأتي تنظيم هذا الحوار في إطار حرص مركز «دراسات» على فتح نقاشات معمّقة حول مخرجاته البحثية، وتحويلها إلى منصات تفاعلية تسهم في إبراز التجارب الوطنية الناجحة، وتعزز فهم أبعادها الاستراتيجية، بما يدعم تطوير سياسات طاقة واقعية تستند إلى الإنجاز، وترسّخ موقع مملكة البحرين كلاعب فاعل في مشهد الطاقة الإقليمي.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك