سجل الذهب والفضة، وبدرجة لا تقل أهمية البلاتين، ارتفاعات قوية خلال أيام التداول الأولى من عام 2026، مرتدةً بشكل حاسم من التصحيح المحدود الذي شهده السوق في أواخر العام الماضي. وتشير هذه القوة المبكرة إلى أن المحركات الأساسية التي دعمت موجة الصعود في عام 2025 لا تزال قائمة ولم تفقد زخمها.
وعلى الصعيد الكلي، لا تزال الموضوعات المألوفة تهيمن على المشهد. فالمخاوف بشأن تآكل قيمة العملات واستدامة التوسع في الديون المالية على المدى الطويل لم تُحل بعد، في حين تواصل التوقعات بخفض أسعار الفائدة في مراحل لاحقة من الدورة الاقتصادية، إلى جانب ضعف الدولار الأميركي، دعم الطلب الاستثماري على الأصول الصلبة. وبهذا المعنى، لم يؤدِّ الانتقال إلى عام جديد إلى تغيير يُذكر في السردية الاستثمارية الأوسع.
أما بالنسبة للفضة والبلاتين، فتتعزز المبررات الاستثمارية بعوامل هيكلية أكثر وضوحاً. فكلا السوقين يواجه قيوداً مستمرة في جانب المعروض في وقت يظل فيه الطلب الصناعي قوياً. وتستفيد الفضة من دورها المزدوج كمعدن نقدي وصناعي في آنٍ واحد، بينما يستند الطلب على البلاتين إلى استخدامه في المحوِّلات الحفازة للسيارات، وتطبيقاته الصناعية، إلى جانب غياب أي إمدادات جديدة ذات شأن من المناجم. وتؤدي هذه التوازنات الضيقة إلى جعل الأسعار شديدة الحساسية حتى للتحولات الطفيفة في الطلب أو الاضطرابات على جانب العرض.
ومع بداية عام 2026، أضافت الجغرافيا السياسية طبقة إضافية من عدم اليقين. فقد أثار قيام الولايات المتحدة بالقبض على الزعيم الفنزويلي نيكولاس مادورو تساؤلات حول المرحلة المقبلة في أمريكا الوسطى والجنوبية، ما رفع علاوات المخاطر الإقليمية. وعلى نطاق أوسع، قد تسهم التحركات الأمريكية الحازمة في محيطها الإقليمي في تعزيز طموحات إقليمية لدى قوى أخرى، ولا سيما الصين وروسيا، بما يسهم في تشكيل مشهد عالمي أكثر تجزؤاً وتقلباً.
تساعد هذه العوامل الكلية والهيكلية والجيوسياسية مجتمعةً في تفسير عودة المستثمرين السريعة إلى المعادن النفيسة مع مطلع العام. ومع محدودية الطاقة الفائضة وارتفاع مستويات عدم اليقين، يبدو الذهب والفضة والبلاتين في موقع قوي يؤهلها للبقاء أدوات تحوط أساسية خلال عام 2026 قد يتسم بقدر كبير من الاضطراب.
الطلب الاستثماري في نهاية عام 2025
إلى جانب استمرار المشتريات القوية من البنوك المركزية خلال عام 2025، لعب الطلب الاستثماري دوراً محورياً في دعم مكاسب الذهب. فقد ظل الطلب على الصناديق المتداولة المدعومة بالذهب قوياً على مدار العام، لترتفع الحيازات الإجمالية في هذه الصناديق إلى ما يقارب 99 مليون أونصة بنهاية العام، وهو أعلى مستوى في ثلاث سنوات، بقيمة تقدر بنحو 427 مليار دولار. وقد عوّضت التدفقات الصافية البالغة 15.6 مليون أونصة فعلياً إجمالي المبيعات البالغ 14.3 مليون أونصة التي سُجلت خلال السنوات الثلاث السابقة. وفي سوق العقود الآجلة، بلغ صافي المراكز الشرائية للمضاربين في عقود الذهب في كومكس نحو 22 مليون أونصة بنهاية العام، انخفاضاً من ذروة بلغت قرابة 31 مليون أونصة في فبراير، ويعكس هذا التراجع في الغالب ارتفاع الأسعار الذي دفع المتداولين ذوي الرافعة المالية إلى تقليص مراكزهم للحفاظ على تعرض اسمي مستقر. وسارت الفضة على نمط مشابه. فقد أسهم الطلب الاستثماري القوي في رفع إجمالي حيازات الصناديق المتداولة المدعومة بالفضة إلى أعلى مستوى في ثلاثة أعوام ونصف عند نحو 860 مليون أونصة، بزيادة 21% على أساس سنوي، ما عوّض إلى حد كبير عمليات البيع التراكمية خلال السنوات الثلاث السابقة. وعلى النقيض، كان المتداولون ذوو الرافعة المالية في عقود الفضة الآجلة في كومكس بائعين صافين طوال النصف الثاني من عام 2025، إذ فرض الارتفاع الحاد في الأسعار تقليص المراكز للالتزام بحدود المخاطر والتعرض المحددة مسبقاً. وبحلول 30 ديسمبر، تراجع صافي المراكز الشرائية المجمعة لفئة «الأموال المُدارة» وغيرها من الفئات القابلة للإبلاغ إلى نحو 143 مليون أونصة، وهو أدنى مستوى في قرابة عامين، مقارنة بذروة بلغت نحو 332 مليون أونصة في يونيو.
المخاطر القريبة الأجل: إعادة موازنة مؤشرات السلع تحت المجهر
يتمثل أحد أبرز المخاطر القريبة الأجل التي تواجه المعادن النفيسة في إعادة الموازنة السنوية لصناديق مؤشرات السلع الرئيسية، مثل مؤشر ستاندرد آند بورز جي إس سي آي ومؤشر بلومبرغ للسلع، والتي تمتد على خمسة أيام عمل اعتباراً من 8 يناير. وتقوم هذه العملية السنوية، القائمة على قواعد محددة، بإعادة مواءمة أوزان المؤشرات مع مستهدفاتها الأصلية بعد عام من الأداء السعري غير المتكافئ بين القطاعات والسلع الفردية.
وبعد الأداء القوي للذهب والفضة خلال عام 2025، والمكاسب الإضافية المسجلة مع بداية 2026، تصبح الصناديق المتتبعة للمؤشرات مطالَبة بتقليص انكشافها على الأصول التي حققت أداءً متفوقاً مؤخراً، وإعادة توجيه الاستثمارات نحو القطاعات الأضعف أو الأقل وزناً. ورغم أن هذه التدفقات غير حساسة للأسعار وطبيعتها فنية بحتة، فإنها قد تترك أثراً ملحوظاً على السيولة وحركة الأسعار على المدى القصير.
ووفقاً لتقديرات غولدمان ساكس، استناداً إلى الأسعار المسجلة في 29 ديسمبر، تبرز المعادن النفيسة باعتبارها القطاع الأكثر تأثراً، إذ يُقدَّر حجم المبيعات بنحو 5.5 مليارات دولار في الذهب ونحو 5 مليارات دولار في الفضة. وعلى الرغم من أن الذهب ارتفع منذ ذلك الحين بنحو 3% والفضة بنحو 11.5%، فإن حجم عمليات البيع المتوقعة لا يزال ذا دلالة.
كما تشير غولدمان ساكس إلى أن حجم مبيعات الفضة المقدَّر وحده يعادل نحو 10% من متوسط حجم التداول اليومي، استناداً إلى النشاط المرتفع خلال الأسبوعين الماضيين. ويبرز ذلك مخاطر التقلبات قصيرة الأجل خلال فترة إعادة الموازنة، حتى وإن كان أي ضعف محتمل ناتجاً بدرجة أكبر عن تدفقات فنية لا عن تدهور في الأساسيات الأوسع. ومن الجدير بالذكر أيضاً أن البلاتين، رغم أدائه القوي، غير مدرج في هذه المؤشرات، وبالتالي لا يتعرض لضغوط البيع المرتبطة بإعادة الموازنة.
أولي هانسن، رئيس استراتيجية
السلع في ساكسو بنك

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك